بعد مرور ثلاثة عقود من الزمن تقريبًا وعند محاولتي أن أتذكر بعض مصطلحات علم الأحياء التي درسناها في المرحلة الثانوية، لم يخطر ببالي سوى القليل منها مثل سكر الفركتوز والسيتوبلازم والسرخسيات، ربما لأن مثل هذه المصطلحات بعيدة عن مجال دراستي وطبيعة عملي وبالتالي عدم استخدامها بشكل منتظم يؤدي إلى نسيانها أو صعوبة تذكرها! عندما نسترجع شريط الذكريات ربما لا نتذكر الكثير من التفاصيل الدقيقة ولكن نظل نتذكر الأحداث والأشخاص الذين تركوا أثرًا في نفوسنا أو مجتمعاتنا! لا شك أن المدرسين الأخيار هم من الشخصيات التي تظل ذكراهم الطيبة عالقة في الذاكرة لزمن طويل!
لا أدرى هل هو حظه العاثر أم حظنا السعيد أن نكون من ضمن أول دفعة أشرف على تعليمها في بداية مسيرته التعليمية الحافلة، وكما هي العادة فالفصول الدراسية خليط من طلاب مجتهدين يتمركزون في الصفوف الأولى على مقربة من السبورة، وطلاب مشاغبين يتخذون من الصفوف الخلفية مقرًا لهم ليتواروا عن الأنظار. ما يساعدهم على إثارة الفوضى بالطريقة التي يرغبون بها لكنهم أصبحوا في وقتنا الحالي من خيرة الرجال، فلكل مرحلة ظروفها. وطلاب مخضرمون تربطهم مع مقاعد الدراسة عشرة عمر وهم من الفئة التي يصعب السيطرة على سلوكهم لما يتمتعون به من طول فارع وخبرة! وبالتالي التعامل مع هذا المزيج من الشخصيات المختلفة في تلك المرحلة العمرية الحساسة كان أمرًا في غاية التعقيد، لم نكن أطفال لكننا لم نصل إلى مرحلة تحمل المسؤولية وامتلاك نضوج فكري لفهم واستيعاب رسالة المعلم الفاضل، والعمل الكبير الذي يؤديه سواء على المستوى العلمي أو التربوي!
لا يمكن لأحد من ذلك الجيل من أبناء الديرة أن يستعيد ذكرياته في المرحلة الثانوية، دون الوقوف عند شخصية "مدرس الأحياء" المدرس الظاهرة إن صح التعبير، القامة الأخلاقية والعلمية التي قل نظيرها بشهادة جميع طلابه، كان يتمتع بأسلوب شَيّق وجذاب يساعد الطلاب على التركيز وتلقي الكم الهائل من المعلومات بسهولة ويسر، فكل الأجيال التي عاصرت مسيرته التعليمية ومن كل الفئات، تكن له كل التقدير والاحترام! كيف لا؟ وقد كان دائمًا مبتسمًا يبعث في نفوس الآخرين التفاؤل، يقوم بأداء رسالته التعليمية والتربوية على أكمل وجه، ويتعامل مع المشاكل والتصرفات الخارجة عن النص، بكل احترافية وحكمة دون الإساءة أو التقليل من شأن أحد وهذا ما جعله يكسب احترام ومودة الجميع!
كان ملهمًا ويحرص كثيرًا على مساعدة الطلاب لزيادة تحصيلهم العلمي وتشجعيهم بالطرق المختلفة، لتحقيق نتائج أفضل عطفًا على دعمهم وتحفيزهم لتطوير مهاراتهم الرياضية والشخصية. كان له الأثر الكبير في اكتشاف المواهب وصقل شخصيات الكثير من الطلاب، وتوجيه سلوكهم باتجاه السلوك الصحيح والمسؤول، اجتماعي من الدرجة الأولى فعلاقته بالطلاب لا تنحصر فقط داخل الفصول الدراسية، بل تمتد إلى خارج نطاق أسوار المدرسة، وكان يحرص كل الحرص على حضور مناسبات الأفراح والأحزان وعيادة المرضى من الطلاب وذويهم.
نسينا مادة الأحياء ولكننا مازلنا نتذكر دروس الحياة، ونسينا المدلول العلمي للسرخسيات لكن مازلنا نتذكر علم السلوكيات. عندما تقدم بنا العمر وبلغنا مرحلة النضوج الفكري وتحمل المسؤولية، استوعبنا أهمية تلك القيم الحميدة والحياتية التي كان يحاول الأستاذ جاهدًا متبعًا أسلوب الإقناع أن يزرعها فينا، فهو على يقين بأن القيم والمبادئ تغرس في سن مبكرة لتأخذ وقتها في النمو والثبات وتلعب دورًا رئيسًا في تشكيل الشخصيات. تعلمنا منه التجاهل في المواقف التي يكون فيها ضرر الجدال أكثر من فائدته. تعلمنا منه الانضباط وأن تحقيق الأهداف لا يقتصر فقط على الدعاء بل يتطلب السعي والاجتهاد. تعلمنا منه أن الابتسامة الصادقة والاحترام أفضل وسيلة لتكوين علاقات طيبة مع الآخرين. تعلمنا منه أن الإجابة الخاطئة لا تستدعي الاستهزاء بالآخرين، كما أنها لا تعني الفشل بل يجب إعادة المحاولة. تعلمنا منه أن لكل مهنة أخلاقيات ويجب مراعاتها إذا ما أردنا النجاح والإبداع.
حررت هذه السطور البسيطة وهي أقل القليل، بمناسبة تقاعد المربي الفاضل الأستاذ جعفر حسن المبيوق أطال الله في عمره بصحة وعافية عن العمل، بعد مسيرة حافلة بالإنجازات والنجاحات! بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن كل من يشاركني نفس الرأي، نقول لك شكرًا بلا حد وامتنانًا بلا عد وباقات من المحبة والعرفان والود، شكرًا لأنك كنت مرشدًا ومعلمًا ومربيًا، أنت لم تكن مجرد معلم بل كنت أخا وقائدًا وملهمًا ومثلًا يحتذى به، مكانتك في قلوب الطلاب لم تأت من فراغ بل بالعمل الجبار والاستثنائي الذي قدمته في تنشئة الأجيال، أنت أستاذ 10/10.
لا أدرى هل هو حظه العاثر أم حظنا السعيد أن نكون من ضمن أول دفعة أشرف على تعليمها في بداية مسيرته التعليمية الحافلة، وكما هي العادة فالفصول الدراسية خليط من طلاب مجتهدين يتمركزون في الصفوف الأولى على مقربة من السبورة، وطلاب مشاغبين يتخذون من الصفوف الخلفية مقرًا لهم ليتواروا عن الأنظار. ما يساعدهم على إثارة الفوضى بالطريقة التي يرغبون بها لكنهم أصبحوا في وقتنا الحالي من خيرة الرجال، فلكل مرحلة ظروفها. وطلاب مخضرمون تربطهم مع مقاعد الدراسة عشرة عمر وهم من الفئة التي يصعب السيطرة على سلوكهم لما يتمتعون به من طول فارع وخبرة! وبالتالي التعامل مع هذا المزيج من الشخصيات المختلفة في تلك المرحلة العمرية الحساسة كان أمرًا في غاية التعقيد، لم نكن أطفال لكننا لم نصل إلى مرحلة تحمل المسؤولية وامتلاك نضوج فكري لفهم واستيعاب رسالة المعلم الفاضل، والعمل الكبير الذي يؤديه سواء على المستوى العلمي أو التربوي!
لا يمكن لأحد من ذلك الجيل من أبناء الديرة أن يستعيد ذكرياته في المرحلة الثانوية، دون الوقوف عند شخصية "مدرس الأحياء" المدرس الظاهرة إن صح التعبير، القامة الأخلاقية والعلمية التي قل نظيرها بشهادة جميع طلابه، كان يتمتع بأسلوب شَيّق وجذاب يساعد الطلاب على التركيز وتلقي الكم الهائل من المعلومات بسهولة ويسر، فكل الأجيال التي عاصرت مسيرته التعليمية ومن كل الفئات، تكن له كل التقدير والاحترام! كيف لا؟ وقد كان دائمًا مبتسمًا يبعث في نفوس الآخرين التفاؤل، يقوم بأداء رسالته التعليمية والتربوية على أكمل وجه، ويتعامل مع المشاكل والتصرفات الخارجة عن النص، بكل احترافية وحكمة دون الإساءة أو التقليل من شأن أحد وهذا ما جعله يكسب احترام ومودة الجميع!
كان ملهمًا ويحرص كثيرًا على مساعدة الطلاب لزيادة تحصيلهم العلمي وتشجعيهم بالطرق المختلفة، لتحقيق نتائج أفضل عطفًا على دعمهم وتحفيزهم لتطوير مهاراتهم الرياضية والشخصية. كان له الأثر الكبير في اكتشاف المواهب وصقل شخصيات الكثير من الطلاب، وتوجيه سلوكهم باتجاه السلوك الصحيح والمسؤول، اجتماعي من الدرجة الأولى فعلاقته بالطلاب لا تنحصر فقط داخل الفصول الدراسية، بل تمتد إلى خارج نطاق أسوار المدرسة، وكان يحرص كل الحرص على حضور مناسبات الأفراح والأحزان وعيادة المرضى من الطلاب وذويهم.
نسينا مادة الأحياء ولكننا مازلنا نتذكر دروس الحياة، ونسينا المدلول العلمي للسرخسيات لكن مازلنا نتذكر علم السلوكيات. عندما تقدم بنا العمر وبلغنا مرحلة النضوج الفكري وتحمل المسؤولية، استوعبنا أهمية تلك القيم الحميدة والحياتية التي كان يحاول الأستاذ جاهدًا متبعًا أسلوب الإقناع أن يزرعها فينا، فهو على يقين بأن القيم والمبادئ تغرس في سن مبكرة لتأخذ وقتها في النمو والثبات وتلعب دورًا رئيسًا في تشكيل الشخصيات. تعلمنا منه التجاهل في المواقف التي يكون فيها ضرر الجدال أكثر من فائدته. تعلمنا منه الانضباط وأن تحقيق الأهداف لا يقتصر فقط على الدعاء بل يتطلب السعي والاجتهاد. تعلمنا منه أن الابتسامة الصادقة والاحترام أفضل وسيلة لتكوين علاقات طيبة مع الآخرين. تعلمنا منه أن الإجابة الخاطئة لا تستدعي الاستهزاء بالآخرين، كما أنها لا تعني الفشل بل يجب إعادة المحاولة. تعلمنا منه أن لكل مهنة أخلاقيات ويجب مراعاتها إذا ما أردنا النجاح والإبداع.
حررت هذه السطور البسيطة وهي أقل القليل، بمناسبة تقاعد المربي الفاضل الأستاذ جعفر حسن المبيوق أطال الله في عمره بصحة وعافية عن العمل، بعد مسيرة حافلة بالإنجازات والنجاحات! بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن كل من يشاركني نفس الرأي، نقول لك شكرًا بلا حد وامتنانًا بلا عد وباقات من المحبة والعرفان والود، شكرًا لأنك كنت مرشدًا ومعلمًا ومربيًا، أنت لم تكن مجرد معلم بل كنت أخا وقائدًا وملهمًا ومثلًا يحتذى به، مكانتك في قلوب الطلاب لم تأت من فراغ بل بالعمل الجبار والاستثنائي الذي قدمته في تنشئة الأجيال، أنت أستاذ 10/10.



