تتجدد الحياة مع شروق شمس يوم جديد، ويتجدد الفرح مع صناع الأمل الساعين في مناكب الدواليب، يطوف عليهم صبية يقودون الثور العظيم، بعزم وشدة بأس نحو "الخب"، يردحون به في كل المواسم لرفع الماء من جوف الركايا، حراك دلو وصياح منجور وانسياب ماء يترقرق عبر (الجابية والجصة)، ثغاء وأنفاس تسمع كل حين، استئناس متبادل بين الاثنين، صحبة وألفة تدهش الناظر بتعجب وتساؤل، كيف لعضلات صبي "طري العود" أن تتحمل قيادة كائن ثقيل البنية، يعد أضخم حيوانات البيئة المحلية، وقفته مهيبة، نظرته مريبة، مشيته مرعبة، نطحته شديدة، إذًا كيف لهذا المخلوق الذي يبلغ طوله 2,30 سم وعرضه 70 سم وارتفاعه 1,50 سم، بتفاوت بين زيادة ونقصان في السنتميترات، أن يستجيب للعمل وكأنه حمل وديع؟.
إن في الأمر لحكاية ولّدتها تجارب السنين تسمى (الترويض)، ابتداء من التخزيم لكسر كثير من تهوره، ثم إخضاع متدرج بصبر وتأنٍ حتى يصبح كائنًا مسالمًا ومطيعًا، بل يستجيب بسلاسة لجر أطنان من الماء، لري مزروعات الدواليب، وفوق هذا وذاك، يعتبر كائنًا متلونًا يتصف بالغرابة والقوة والخنوع والصلابة والمخاتلة ونهم الشهوة بلا حد.
كائن عجيب خبره عن قرب الحاج عبدالله علي العقيلي المعروف عند أغلب أهالي جزيرة تاروت بملازمته للثيران، رأيناه منذ أن كنا صغارًا يطوف بثور سمين في الدروب والطرقات قاصدًا الحظائر، من أجل تلقيح الأبقار، فهو الخبير ببنية الثور من لحظة ميلاده، مرورًا بسنوات نموه وإخضاعه للخدمة صعودًا وهبوطًا، إلى حين عجزه. ملازمة لأنواع وأشكال الثيران لمدد طويلة، تمكن من معرفة أدق التفاصيل وتقلبات مزاج الثور بين الشدة والرخاء وبين الجوع والشبع، وطبيعة درجات الهيجان، وطرق كيفية وطء الأبقار.
سرد لا يخلو من الفكاهة والغرابة والقول المدهش، يجاوره جلوس وتجاوب في استكمال مشاهد إضافية وتدقيق في المصطلحات على لسان حسن علي العصيص ابن أخ أشهر مربي الثيران في جزيرة تاروت الحاج عبدالله عيسى حسن العصيص (أبو أحمد لعصيص) والذي أخذ عن عمه قصصًا غريبة حول هذا الكائن العجيب وأيضًا لازمه في مهنته (التشباة) ردحًا من الزمن حين كان صبيًا ويافعًا.
يبقى الجزء الأكبر من تناثر حكايات الثيران على لسان الحاج عبدالله علي العقيلي مدعمة بتوضيحات من ابنه فيصل، فقد أعاد أمجاد الأمس بكل حمولات البيئة الزراعية وكأنها حاضرة مرئية، مستحضرًا تركيبة وبنية الثور من لحظة التزاوج مرورًا بالحمل وفرحة الولادة، ويدلنا منطقه وسط زخم السرد المتناثر، تبتل لسانه بالحمد والشكر لله، على تسخير صنف من مخلوقاته لخدمة بني الإنسان في سعيه وحربه وأشغاله وتنقلاته وأسفاره، من خيل وبغل وإبل وفيل وثور وحمار، حيوانات أليفة رافقت الإنسان أزمانًا، خلقت لتكون عونًا له في الحياة، تبارك الله أحسن الخالقين.
معروف أن الحمار رفيق الفلاح يلازمه في الزرع والحضرات -مصائد الأسماك-، وكذا رجال "الحمارة" الذين اشتقت مهنتهم من اسمه، يسترزقون عبر نقل الركاب وحمل البضائع فوق اليابسة والبحر. لكن هذا المخلوق المنعوت بأنكر الأصوات لم يكن وحده في ميدان الدواليب، إنما المكانة الأكبر للثور فهو الحاضر بقوة، تسند له مهام لا يستطيع الحمار الإتيان بها، لقد قام الأولون بالاستفادة من الثيران عبر ثلاث مهمات رئيسية وهي على التوالي:
1- سقي على الجازرة.
2- حرث لضواحي الزرع.
3- تزاوج محموم مع الأبقار.
بالنسبة للأولى يطيب الحديث عنها خلال السطور القادمة، أما الثانية والثالثة فمؤجلات لما هو قادم من متواليات السرد. يتقفى السامع خيالًا وقائع الأثر لمسيرة حياة الثور منذ لحظة ولادته، باعتناء وتربية، وتسمين بإطعام ثري ذي قيمة غذائية عالية، للحصول على بناء جسم شديد القوى، قادر على خوض غمار العمل، وبآمال مرتقبة خادمًا لسنوات ممتدة حتى مطلع العجز. حين تلد البقرة ذكرًا يطلق عليه عجل، يرمى على "لدهاس - روث الحيوانات" لا يقوى على الحراك، يتنفس الدنيا بعد ظلام دامس تخلق فيه لمدة تتراوح بين 279 إلى 287 يومًا، أي 9 شهور، تدور أمه حوله، وهي تلحس بلسانها كامل بدنه الساخن لتزيل عنه الغشاء الرقيق الأبيض وكأنها تتعرف على رائحته لأن كل عجل له رائحة خاصة تختلف عن الآخر يشبه البصمة الوراثية (DNA)، يسارع أحد الفلاحين بلف المشيمة (بالمسير) -حبل من انفلاق سعفة ريانة- ويصعد بها أعلى النخلة ويربطها في إحدى الخضر، على مقربة من العذوق، تضربها الشمس ويلفحها تقلب الأجواء، فتصبح بعد مدة قطعة متيبسة، حينما يصعد الفلاح وقت تشذيب النخلة (الترويس) يفكها ويقوم بدفنها في الأرض، تتحلل في التربة، ثمة نخلة منتقاة وسط نخيل دولاب الجويزة من كثرة ما علق عليها من مشايم سميت بـ(سلس أبو المشيمة)، طقس متوارث غير معروف كنهه ولا سر التعليق في أعالي النخيل، بعد زمن ليس ببعيد تخلى الفلاحون عن هذا الفعل الغامض.
عند مربي الحيوانات ترقب ويدعو الله بألا تلد بقرتهم وهم نيام وألا تكون بعيدة عن أعينهم أثناء النهار خشية من التهامها لمشيمتها، ظنًا منهم أنها قد تصبح عاقرًا! (چم من بگرة أكلت بشيمتها وصارت عگيرة)، عند ولادة العجل تحضر له خلطة دوائية "ملح وتمر" ويدس في فم المولود الجديد تسمى (إغماز)، يعلكها على مضض، مع رفع رقبته للأعلى بحذر لكي لا يبصقها، فيتطهر سقف حلقه ولثته، وهي أشبه بجرعة تطعيم لبدنه الغض الذي لم يزل طريًا يحمل حرارة بطن أمه (لحمه بعده رورو يدخن) تأتي إحدى النسوة (أم رضي لعقيلي) بدهن سنام الصغير وتدليكه تمددًا للأعلى ليقوى ويكبر حجمًا أملًا في أن يكون ثابتًا دون أي ميل، فانتصاب السنام دون ارتخاء من علامات جمال الثور، بينما البقرة تنظر لمولودها بتحفز رغم آلام الولادة التي أنهكتها، ليس مستغربًا أن تهجم على من يرعونها، خوفًا على رضيعها من أي سوء قد يتعرض له، فغريزة الأمومة واحدة بين مخلوقات الله. ثم يؤخذ من ضرعها مقدار كأسين من الحليب ويسكب في فم وليدها، جرعات يبلعها بلهفة، تنعشه وتمده بالحيوية والنشاط، وكأن هذه القطرات إكسير حياة.
يومًا بعد يوم يشتد عود الصغير، وهو يسرح ويمرح في الحظيرة، باعتناء متواصل من استحمام وترشيف وبعض الحليب، يتشارك مع بقية الحياوين من خلال أكل "النفيعة" ليلًا، المكونة من العومة -سمك صغير جدًا- وحشف الرطب ونشارة (الگت)، هي طبخة أنضجتها النار تسمى (فخارة)، بينما الصبح والظهر وجبة (المريسة) وهي ماء موضوع في (المطعم) التي تحول لونه للأحمر بفعل تذويب كتل من التمر، وعند (خلف عتمة) وقبل بزوغ الشمس يتلذذ الصغير أكلًا من الگت بجوار أمه. عندما يصل عمره سنة وثمانية أشهر وربما السنتين يؤخذ من مرتعه الآمن ويقاد نحو (حرفة إبليس)، عبر مراحل متدرجة، من السهل للصعب، فليس بمقدور أي رجل أن يتعامل مع عجل تعوّد على الراحة لمدة 24 شهرًا بإخضاعه مباشرة نحو الجازرة، فإنه لن يستجيب، لذا لابد من تهيئتة بتدريب مكثف وبشكل يومي متصاعد، حتى يصل لنهاية مرحلة التأهيل، ليكون جاهزًا للخدمة مستجيبًا طوعًا لأنواع العمل.
إن مرحلة ترويض الثور المعروفة اصطلاحًا عند الفلاحين بـ(التأديب) هي بحد ذاتها شاقة ومتعبة لا تخلو من المتعة والهزل.
حين يجرجر العجل من الحظيرة قاصدين به الجازرة، يعمل له أولًا "سفه" في منخريه، وهي معقودة بالخزام الذي يحيط برقبته، كلاهما حبل يخضع تمرده، ويقلل بعضًا من شراسته، فعندها يتأهب ثلاثة رجال ورابعهم أستاذ الترويض شخص متمرس في عملية التأديب، اثنان يتوزعان على الجانبين، يسندان بيديهما العجل لكي لا يشطح لا يمينًا ولا يسارًا، والثالث ماسك ذيله ويدفعه دفعًا من مؤخرته، بينما الأستاذ يسحبه سحبًا من خزامه للأمام، يكيفون حركته حسبما يريدون، يرميه الأستاذ بكلمات غير مفهومة "هاي ييي.. هاي ييي" ألفاظ تشبه رطانة الخرسان، يتحرك به الجميع على مضمار الجازرة (الخب) عبر مراحل متدرجة، في البدء يشد على ظهره العدة المكونة من "الويج" خشبة شبه مقوسة مربوط بطرفيها حبلي الرشا والسريح، يدفعونه نحو السير بسحب الدلو فارغًا، وهذا يسمى التأهيل الأولي والهدف منه تعويد العجل على أرضية المكان جيئة وذهابًا والتي تسمى (لمعاودة)، مشي والتفاف في الخب لمدة أربعة أيام متتاليات بواقع ساعتين في اليوم الواحد، لكن حين يستشعر أستاذ التأديب أن العجل (هدي) يسير بشكل طبيعي، يتم الانتقال به للمرحلة الثانية حيث تكسر بيضة على محيط (سنينته) أي السنام، تدهن دون القمة وهو مكان موضع "الويج" حتى لا يتجرح جلده الطري من سحب أول دفعات حمل الماء، ومقدر بربع الدلو، ثم يضاف بعد ثلاثة أيام لنصف الدلو وعند اكتمال نصف الشهر يملأ الدلو كاملًا وفي كل مرة يدهن سنامه ببيضة دجاج طازجة (ما هي مارگة) أي غير تالفة. أحيانًا تزيد أيام التدريب يومًا أو يومين وقد تصل إلى 20 يومًا حسب استجابة العجل بين السرعة والبطء والاعتدال، وحسب كلام الفلاحين: "على الله وعلى طوعة لعجل، هست عجول هديين، بسرعة يختمون وبعضهم يتعبون واجد، تتمرمر وياهم، والحيوان من جيز من يادم هست واحد يختم بسرعة، وفي أحد يگزر وقته ما يگبض شيئًا إلا بعد مدة".
إجمالًا بعد أسبوعين يكون العجل مهيئًا للمراوحة يروح ويجيء، "يطرد في الخب" أي مضمار الجازرة، وهذا ينطبق على غالبية العجول، هناك استثناء أن بعض العجول لا تستجيب للعمل، تتلكأ في التدريب، بتثاقل في الحركة والمشي، بعضها تتصلب وهي واقفة دون حراك كالتمثال، يتولاها أستاذ التأديب بلين وحزم وفن وشدة وغلظة وتربيت على جبهة الثور ومد رقبته جرًا ورفعها عاليًا حسب دوران الخب وإن عاند أو تردد في المشي زجر باللعن والشتم والركل (يزگره) بالركب على أوراكه، أحيانًا من شدة شموخ الجازرة وأنين المنجور، يجفل الثور من منظرها والصوت، بينما الرجل الماسك ذيله يعاجله بركبته ضربة إثر ضربة في مؤخرته لدفعه سيرًا للأمام، عندها ينتاب العجل حالة من الارتباك الشديد فيخرج فضلاته دفقة قوية في وجه الرجل وعلى صدره، يتناثر الروث والضحك والشتائم.
إن شدة التأديب المكثف الذي يمارس وقت "العصاري" بعد أن يفرغ المزارعون من أعمالهم اليومية، يتهيؤون للعجل سواء أكان سريع التعلم أو بطيء الاستجابة، كل منهما يعامل بطريقة معينة وأسلوب مغاير عن الآخر، عندما يستكمل العجل مرحلة التدريب ويكون جاهزًا للمسير، لا يلزم كسر بيضة على سنامه فقد اعتاد على سحب ماء الدلو كاملًا وبات جلد سنامه (ميتًا) أي (متيبس) فلا يخاف عليه من التجرح، أما العجول المتوانية المتعبة تأديبًا لكسل زائد عن حده فتحتاج لصبر بزيادة أيام التدريب.
وأثناء فترات التأديب لا تخلو من طرائف وغرائب، فقد ربض عجل المسماة (اعجل لزبيري) ظل لفترة طويلة غير مستجيب للنهوض، لا الوكز أفاقه ولا الدفع زحزحه من مكانه، كأنه صخرة لحم قاسية ملتصقة بالأرض،بعد أن أعيت كل الحيل الحاج رضي علي العقيلي، أخذ منجلين وسخنهما على النار، حتى أصبح كل منصاب حاميًا وضعهما على (أفطحه- أوراك العجل)، لكنه لم ينهض من لسعة الحرارة الشديدة، ولم يحرك ساكنًا!، هذا العجل "يحگه" أي خواف من رؤية منظر الجازرة وصوت المنجور يقلقه، يتسلل هذا الخوف حين زج به عنوة في الإشراب لحرث الأرض أي تقليب التربة، يأخذه التباطؤ مأخذه، كما جرت محاولات لتأهيله للعمل مرات ومرات، لكن دون فائدة، يقال عنه؛ "هالعجل ميؤس منه، ما يهتدي، بس بطين، حده شبعة بطنه، ما يبغى يسوي شيء"، والأغرب عزمه محدود عند وطء الإناث، وبحسب كلام الأولين "إذا اعجل عاجز عن السگاي والحراث ولتشبي، وراعيه قطع الأياس منه، مامنه دبره، سچين القصاب تنحر رقبته، چم وچم من ثور سقى بجلد ولده"!
مع اكتمال فترة تدريب الثيران التي تستغرق بين 15 إلى 20 يومًا يبقى رجلان يقودان العجل بدلًا من الأربعة؛ واحد يسحبه من (رسنه) من الأمام والثاني يدفعه من الخلف وعند مرور شهر وبضعة أيام يكون الصبي قادرًا على قيادة العجل بمفرده بيسر وسهولة ولا يخشى من أذى يصدر عنه، خصوصًا إذا وضعت (السفه) في منخريه بشكل صحيح دون ارتخاء أو زيادة في الشد، فالشد المبالغ فيه يتعبه بل يعيقه عن الحركة ويؤلمه أيضًا، (السفة المضبوطة) التي تخترق منخريه من الجانبين هي ما تجعله هادئًا مطيعًا مستسلمًا، (ما يخور )، حبال السفة تتحكم في حركته، تشبه إلى حد ما فرامل السيارة، فالعجل (المخزم بوزنية عدله) تحيده عن أي انفعال مباغت أو غضب مفاجئ، ويصبح قليل النطح إلا فيما نذر، عند ذلك يسير به الصبي في أمن وطمأنينة.
كم يأنس المزارع حين يرى الثور في كامل لياقته، يردح في الخب بأشواط وأشواط لمتح الماء، عندها ترتقي الجزارة بديناميكية عالية نظرًا لتسارع وخفة الثور.
فالعجل (هاب ريح) يسعد صاحبه، يعتز به أيما اعتزاز، بل يكون ذخرًا له سواء أبقاه للعمل عنده أو صرفه بيعًا عندها تكون قيمته عالية جدًا. يحكى أن عجلًا عجيبًا يضرب به المثل تداول أخباره أهل الدواليب، فقد ولد عجل جديد لعائلة أبو رضي العقيلي في زريبة بيتهم الكائن بحي الخارجية، فقد لوحظ أنه مجاور لأمه بشكل دائم، وهي أيضًا لا تفارقه، تحنو عليه وتداريه طوال الوقت أكثر من لي مولود أنجبته! ثمة إحساس خفي بينهما، إن روح التواشج بين الأم وصغيرها لا يدرك حجمه وقيمته إلا مربو الحيوانات، فهم يدركون تمامًا حجم الارتباط الوثيق بين الاثنين، ولو أخذ الصغير من جوار أمه، وأمام ناظريها وأبعد عنها قسرًا بإخفاء طال زمنه ولو لساعات، فإنها تزمجر و(تنظر بالعين الحمراء) لمن أخذه وتزداد توحشًا برفس ونطح لمن يقترب منها، ولا تكف عن الخواء إلا حين عودة صغيرها!لكن تخف ردة فعلها كلما كبر، وحين يشتد عوده بعد عدة أشهر لا تدير بالًا له كما كان صغيرًا سواء راح أو حضر، ويطمئن أصحاب الحلال إذا أخرجوه من زريبة منزلهم إلى حظائر دواليبهم المكشوفة، فهو يستطيع الدفاع عن نفسه ضد انقضاض (العواوي)، التي لا تكف أثناء الليل عن العواء بحثًا عن قن الدجاج أو عجل رضيع لا حول له ولا قوة، لم يزل بدنه (رورو، طري) أي رخو، سهل الافتراس، لكنهم يهابون رؤية العجل الممتلئ جسمًا بل يخشون الاقتراب منه، ولو تحرش به أحدهم تكون نهايته.
بعد أن كبر العجل الجديد لعائلة العقيلي وأصبح ابن سنتين، أخرجه أبو رضي من زريبة بيتهم لأول مرة، وأثناء السير يمسد على رأسه ويتأمل جسمه المفتول، ضامر الخصر، منتصب القوائم، ذي مشية مهيبة أشبه بمشية فرس، قاده مسرورًا من منطقة الخارجية إلى دولابه الجويزرة، وبينما يعبر به الدروب الظليلة وإذا بالعجل يصطدم (بالكدران) وهي كومة نخلة غير مشذبة ملتفة عليها فسائلها، وبعد خطوات يحك جنبيه بأسوار النخيل (لحضار) بشكل متكرر، توقف أبو رضي عن السير في وسط الدرب متعجبًا والشكوك تحوم حول رأسه بعلامة استفهام وحيرة، عاين وجه العجل الجميل، واختبره توهيشًا بيديه أمام عينيه، لكن العين الواسعة لا يرمش لها جفن،(مبحر بعياوينه) اللامعة، وكرر المحاولة تلو الأخرى، حينها أدرك أن هذه العيون البراقة لا تبصر بتاتا، فاقدة للرؤية، عجل ولد بعيب خلقي لاختلال جيني يسمى (عمى سمچ)، لكن بنيته تسر الناظر، يتميز بالطول الفارع والجمال الأخاذ (صدر وتفر)، ذو همة عالية. فقد أصبح سريع التعلم في الخب، صلبًا لا يستكين في مراوحات الجازرة، لا يكل ولا يتعب، اعتبرت حركته تساوي نهضة ثورين، وعند حراث الأرض ذو عزم لا يلين وأعظم من ذلك لا يشبع من "التشباة" أي وطئ الأبقار، "يشبي" ما طاب له من رغبات حتى لو كان مجهدًا أو منهكًا!، يأخذه أبورضي شرقًا لتلقيح الأبقار في السنابس ويتجه به تارة شمالًا إلى الزور حيث الأبقار تعيش في المنازل، يدور به من بيت لبيت، فرائحة الأنثى تأسره بشكل دائم، فحل ابن فحل.
ذات مرة قضى وطره بعدد وافر من أبقار في دارين وعند الرجوع أكمل همته المتجددة مع بقر في الوقف والديرة، ولم يظهر عليه لا تعب ولا إجهاد يمشي واثق الخطوة عابرًا سوق تاروت، وما إن وصل لعبور الجسر الواصل بين منطقتي (الجفرة والدشة) إلا ويداه ورجلاه تهويان في "اللبو" -مجرى ماء عريض وعميق-، لكنه قفز سريعًا وخرج منه كالغزال، منتشيًا يلعب بذيله ويهز رقبته كالمنتصر، عجل في كل موضع لا يشق له غبار، فاقد البصر لكنه حاد البصيرة جسور لا يهاب.
يستدل على طعامه اليومي عبر إيقاع معتاد، طرق باليد على سطح الماء الموضوع داخل حوض قطعة مقصوصة من جذع نخلة يسمى (مطعم) وبجواره أيضا مطعم آخر يوضع فيه (الفخارة) ومنثور عليه البرسيم، ينادى عليه (تعال اعمى) وكأنه فهم ذاته يأتي ليأكل بنهم، وحين ينتشي يهز رأسه، من حالة الشبع التي تغمره سعادة بمثابة تحية لمن أطعمه! تعايش مستدام وتراكم خبرة طويلة يملكها الأخوان حجي رضي وحجي علي العقيلي الماهران في تربية الحيوانات العارفان بمزاج كل نوع من الأنواع التي تزخر بها حظيرتان يملكانهما واحدة في منزلهما والكبرى في الدولاب حيث تضمان أصنافًا عديدة من الثيران والأبقار والماعز والخراف.
دولابهم (لجويزرة) مقصد للقصابين والفلاحين وأصحاب الجوازر، لسمعتهم الطيبة في الغراسة والفراسة بحسن تربية العجول والثيران، جاءهم ذات صباح الحاج عبدالله ابن الشيخ والد محمد تقي آل سيف يطلب منهم عجلًا لدواليبه المتجاورة جنوب وغرب مقبرة المصلى، دولاب الغوص ودولاب لصحين ودولاب الگوع ودولاب لسهومه، دواليب متعددة بين عمال وصبيان كثر من ضمنهم محمد حسين آل سالم وعبدالله الشواي، بعد التحية والسلام، طلب منهم أن يشتري عجلًا قويًا، في البدء فتحوا له الحظيرة ليختار منها ما يشاء، قال لهم التجربة خير برهان، وضعت العدة على ظهر ثور يغري الناظر من الوهلة الأولى وحين أبصره في خب الجازرة لم ترق له حركته "يتخمع في مشيته.. متهطل، وني" أشبه بمشية عجوز، بطيء في "لسگاية" خاطبهم بعبارة كررها كثيرًا عليهم "شوفوا لي عجل عدل ما أطلع إلا بواحد قوي وأقول عنه خوش اعجل". نادى الأخوان على أخيهما محمد علي المبتلى بمرض الصرع يجايلهما في العمل عندما يكون في قمة عافيته، يدلعانه تلطفا وتحننا "ياحمد ياحمد جيب الثور البطل" هو يعرف أي عجل هو المقصود، أتى به وسيره في خب الجازرة وإذا بالعجل يسابق حمد من حيويته "دلو يسفگ دلو.. ظل يفلت ادلل" حركتة ناهضة لا تعرف التوقف ولا السكون، سر الحاج عبدالله ابن الشيخ وتهللت أساريره انشراحًا، أوضحوا له بصدق: "ترى هالفور اللي جاز لك ما يشوف، أعمى"، رد عليهم بصوت فيه خنخنة: "أبغاه، أبغاه" ولسان حاله "چم من أعمى أحسن من أهدى"! ثور أعمى سر الناظرين، وفي حراك الجازرة خير معين، أفاض بالماء تدفقًا، بغمر زروع الدواليب، في فترات قياسية.
هل ينطبق عليه المثل: (كل ذي عاهة جبار)؟ لا غضاضة وإن كان القول مستلًا من عالم الإنسان. همة النفس وصحة الأبدان ترفد الحيوية بحركة مضاعفة يشار إليها بالبنان، ثور أعمى كثر مادحوه، يعزى للتأصيل أولًا وحسن تربية وتأديب من قبل عائلة الأخوين العقيلي الوارثين مهارات أجدادهما والمجددان في طرق رعاية الثيران واكتشاف الأصيل من غير الأصيل، أضحى دولابهم أحد ساحات اختبار جودة العجول المعتبرة. تناهى للقاصي والداني عن امتلاكهم عجلًا أطلقوا عليه (ضبيان) يشبه الظبي في تناسق جسده وخفة حركته الناهضة، في الحرث والسقاية و(التشباة)، تنافس عليه المتنافسون لشرائه وفي النهاية ظفر به الحاج علي بن عبدالله الشيخ آل سيف القادر على المزايدة، أخذه بمبلغ مغري، شد عليه ليس في الزرع كما هو معتاد بل أدخله للبحر لجلب أطنان من سمك الحضور و"أمنان الروبيان" عبر "گاري" عجلاته من حديد تشبه عربة الخيل قيل بأنها مجلوبة من البحرين ورأي آخر يؤكد أنها من صنع حدادين البلد، معظم الثيران تجفل من رؤية أمواج البحر إلا (ضبيان) لم يرعبه شيء، شجاع، جسور، لا يهاب ولا يجزع، ذو أنفاس عالية بجر الحمولات، عضلاته مفتولة، تفوق على الحمير القاطعة وحدها صخب البحر، لكن الخدمة المتواصلة والجهد المضاعف أنهكته، هكذا اعتقد صاحبه؟
شوهد صباح يوم ربيعي أن حركته ليست طبيعية؛ (أعجز عن الطبة، طلعته للجازرة بطيئة، يمشي ويتخمع)، بسبب تقرح جلدي بين أضلافه نتيجة تشبعه بالماء (خرس الماي) يسمى (نگبة الحافر) تصاب به كثير من الحيوانات، ضاق ذرعًا الحاج عبدالله بن علي بوضعية الثور وحاله البائس، بينما حضراته في بحر شمال جزيرة تاروت ممتلئة بالأسماك، توجه بالسؤال للعاملين في دواليبه وقال: "يا محمد حسين ويش نسوي ويا لعجل ضبيان"؟ رد عليه ببرود: "يا نوخذة هذه غير نگبة" - عند أهل لول ليست بشيء -، قال له والشرر يتطاير من عينيه انفعالًا بخنخنة: "زين نگبة ونگبة ما ليها دواء.. ما ليها شيء، بس تتعطل علينا أيام على هالنگبة" رد عليه أبوجاسم "ما عليه يا نوخذة بنعالجه، ما يصير خاطرك إلا طيبًا".
أقبل العاملون بحبل سميك على تكتيف العجل في جذع نخلة، أشبه بالمصلوب، وتم ربط رجله المصابة بحبل آخر ملفوف على ظهره منعًا لحركته، جهزوا دواء شعبيًا خاصًا بالثيران يختلف عن علاج قوائم الحمير، يسمى (مغليات) خليط من أعشاب وملح وزيت، وعكف أحد الرجال (بنبر النگبة) بواسطة (مسلاة) -إبرة طويلة تستخدم لخياطة الحصر والسمين- لاستخراج الدم الأسود "الدم المچتم"، وهي عملية استبدالية، نزع كتلة الدم الفاسدة ورميها جانبًا وحفر في اللحم لتدفق الدم الجديد، ثم ينظف الجرح بالماء، هذه (النگبة) تشبه (أم اسليچ) التي تصاب بها أرجل الإنسان، يوضع على حواف الجرح تمر لمنع تسرب الدواء، ثم تصب (المغليات) بتؤدة، بينما العجل ينتفض جسمه رعشة تلو أخرى من شدة الألم، يلف الجرح بقطعة قماش إلى أن يطيب، بعد أسبوعين تقريبًا فتحت اللفائف وعاد ظبيان إلى سابق عهده يجوب ربوع الزرع ويمخر عباب البحر.
أهل الدواليب ليس كلهم على دراية بعالم الحيوانات وما يعتريها من مرض وتبدلات الزمن، فيلجأون لذوي الخبرة الذين أحسنوا صنعًا في تربية العجول والثيران كعائلة العقيلي أبو رضي وإخوانه واشتهروا أيضًا بحسن ترويض العجول وتهيئتها لمضمار الجازرة، مهارة اكتسبوها من لدن خالهم حسون بن سالم أستاذ الترويض.
رجل يتمتع بمهابة وقوة عضل ويتحلى بروح النكتة وخفة الدم. تستحضر الذاكرة مشهدًا غابرًا صار حكاية يتندر بها أصحاب الدواليب. ذات يوم مر بطريق دولابه (البدع) الحاج محمد الصايغ (أبومنصور) وهو قصاب مشهور ومربي حيوانات، وبينما يرعى أغنامه على أطراف حشائش الدواليب، سمع شتمًا وسبًا بصوت حسون، موجه لعجل يقوم بتأديبه على الخب، ويهوي على ظهره ورقبته بعصاة غليظة، ضرب متتال وزفير متشنج: (لأبوك لأبو اللي حوفرتك، لأبو اللي غمزتك، لأبو اللي قصت سرك) ضربات على (أفطحه) أوراكه، ورجل آخر يدفعه بشدة من مؤخرته وشتم حسون يتعالى مع تباشير الغروب. رق قلب أبو منصور لحال العجل المغلوب على أمره، مناديًا على ابن سالم: (ما تخاف الله يا حسون، ما هو زين عليك اللي تسويه في العجل، سبه ولهيبه وطايح فيه جمع ورفسة وضرب بالعصاة)! توقف حسون برهة ملتفتًا لمصدر الصوت، مستوضحًا من الرجال الذين يساعدونه في مهمة التدريب (هذا منهو)؟ لأن نظره بات ضعيفًا نتيجة خدمة وتعب السنين، قالوا له: (هذا أبو منصور الصايغ، القصاب)، ترك حسون العجل وتوجه صوب القبلة رافعًا كفيه نحو السماء وهو يتلو بكلام غايته المداعبة: (إلهي تقلب الصايغ عجلًا وأأدبه أنا، أنت اذبحهم ما تخاف الله، لكن أنا أأدبهم لأجل يظلوا چم سنة في الخدمة)! اختلط صوت الضحك مع تزايد ثغاء الماعز والخراف وكأن القطيع العابر بين الجوازر أحس ما يحاك ضده، فحتمًا سائر إلى حتفه ذات يوم، وسيراق دمه على أرض ظلت مقصدًا للأطماع، خضبت باللون القاني على سفوح الركايا، تلاشت أخبارها عبر السنين كمرايا من ضباب، لكن أبصرتها عيون على مسرح الدواليب الضاجة بفصول ثرائية وأخرى درامية، متلونة بين الكوميديا والتراجيديا، والبوح بها نذر يسير!
سار الركبان بقوافل الحكايات
وتركوها إرثًا على ألسنة الرواة.

إن في الأمر لحكاية ولّدتها تجارب السنين تسمى (الترويض)، ابتداء من التخزيم لكسر كثير من تهوره، ثم إخضاع متدرج بصبر وتأنٍ حتى يصبح كائنًا مسالمًا ومطيعًا، بل يستجيب بسلاسة لجر أطنان من الماء، لري مزروعات الدواليب، وفوق هذا وذاك، يعتبر كائنًا متلونًا يتصف بالغرابة والقوة والخنوع والصلابة والمخاتلة ونهم الشهوة بلا حد.
كائن عجيب خبره عن قرب الحاج عبدالله علي العقيلي المعروف عند أغلب أهالي جزيرة تاروت بملازمته للثيران، رأيناه منذ أن كنا صغارًا يطوف بثور سمين في الدروب والطرقات قاصدًا الحظائر، من أجل تلقيح الأبقار، فهو الخبير ببنية الثور من لحظة ميلاده، مرورًا بسنوات نموه وإخضاعه للخدمة صعودًا وهبوطًا، إلى حين عجزه. ملازمة لأنواع وأشكال الثيران لمدد طويلة، تمكن من معرفة أدق التفاصيل وتقلبات مزاج الثور بين الشدة والرخاء وبين الجوع والشبع، وطبيعة درجات الهيجان، وطرق كيفية وطء الأبقار.
سرد لا يخلو من الفكاهة والغرابة والقول المدهش، يجاوره جلوس وتجاوب في استكمال مشاهد إضافية وتدقيق في المصطلحات على لسان حسن علي العصيص ابن أخ أشهر مربي الثيران في جزيرة تاروت الحاج عبدالله عيسى حسن العصيص (أبو أحمد لعصيص) والذي أخذ عن عمه قصصًا غريبة حول هذا الكائن العجيب وأيضًا لازمه في مهنته (التشباة) ردحًا من الزمن حين كان صبيًا ويافعًا.
يبقى الجزء الأكبر من تناثر حكايات الثيران على لسان الحاج عبدالله علي العقيلي مدعمة بتوضيحات من ابنه فيصل، فقد أعاد أمجاد الأمس بكل حمولات البيئة الزراعية وكأنها حاضرة مرئية، مستحضرًا تركيبة وبنية الثور من لحظة التزاوج مرورًا بالحمل وفرحة الولادة، ويدلنا منطقه وسط زخم السرد المتناثر، تبتل لسانه بالحمد والشكر لله، على تسخير صنف من مخلوقاته لخدمة بني الإنسان في سعيه وحربه وأشغاله وتنقلاته وأسفاره، من خيل وبغل وإبل وفيل وثور وحمار، حيوانات أليفة رافقت الإنسان أزمانًا، خلقت لتكون عونًا له في الحياة، تبارك الله أحسن الخالقين.
معروف أن الحمار رفيق الفلاح يلازمه في الزرع والحضرات -مصائد الأسماك-، وكذا رجال "الحمارة" الذين اشتقت مهنتهم من اسمه، يسترزقون عبر نقل الركاب وحمل البضائع فوق اليابسة والبحر. لكن هذا المخلوق المنعوت بأنكر الأصوات لم يكن وحده في ميدان الدواليب، إنما المكانة الأكبر للثور فهو الحاضر بقوة، تسند له مهام لا يستطيع الحمار الإتيان بها، لقد قام الأولون بالاستفادة من الثيران عبر ثلاث مهمات رئيسية وهي على التوالي:
1- سقي على الجازرة.
2- حرث لضواحي الزرع.
3- تزاوج محموم مع الأبقار.
بالنسبة للأولى يطيب الحديث عنها خلال السطور القادمة، أما الثانية والثالثة فمؤجلات لما هو قادم من متواليات السرد. يتقفى السامع خيالًا وقائع الأثر لمسيرة حياة الثور منذ لحظة ولادته، باعتناء وتربية، وتسمين بإطعام ثري ذي قيمة غذائية عالية، للحصول على بناء جسم شديد القوى، قادر على خوض غمار العمل، وبآمال مرتقبة خادمًا لسنوات ممتدة حتى مطلع العجز. حين تلد البقرة ذكرًا يطلق عليه عجل، يرمى على "لدهاس - روث الحيوانات" لا يقوى على الحراك، يتنفس الدنيا بعد ظلام دامس تخلق فيه لمدة تتراوح بين 279 إلى 287 يومًا، أي 9 شهور، تدور أمه حوله، وهي تلحس بلسانها كامل بدنه الساخن لتزيل عنه الغشاء الرقيق الأبيض وكأنها تتعرف على رائحته لأن كل عجل له رائحة خاصة تختلف عن الآخر يشبه البصمة الوراثية (DNA)، يسارع أحد الفلاحين بلف المشيمة (بالمسير) -حبل من انفلاق سعفة ريانة- ويصعد بها أعلى النخلة ويربطها في إحدى الخضر، على مقربة من العذوق، تضربها الشمس ويلفحها تقلب الأجواء، فتصبح بعد مدة قطعة متيبسة، حينما يصعد الفلاح وقت تشذيب النخلة (الترويس) يفكها ويقوم بدفنها في الأرض، تتحلل في التربة، ثمة نخلة منتقاة وسط نخيل دولاب الجويزة من كثرة ما علق عليها من مشايم سميت بـ(سلس أبو المشيمة)، طقس متوارث غير معروف كنهه ولا سر التعليق في أعالي النخيل، بعد زمن ليس ببعيد تخلى الفلاحون عن هذا الفعل الغامض.
عند مربي الحيوانات ترقب ويدعو الله بألا تلد بقرتهم وهم نيام وألا تكون بعيدة عن أعينهم أثناء النهار خشية من التهامها لمشيمتها، ظنًا منهم أنها قد تصبح عاقرًا! (چم من بگرة أكلت بشيمتها وصارت عگيرة)، عند ولادة العجل تحضر له خلطة دوائية "ملح وتمر" ويدس في فم المولود الجديد تسمى (إغماز)، يعلكها على مضض، مع رفع رقبته للأعلى بحذر لكي لا يبصقها، فيتطهر سقف حلقه ولثته، وهي أشبه بجرعة تطعيم لبدنه الغض الذي لم يزل طريًا يحمل حرارة بطن أمه (لحمه بعده رورو يدخن) تأتي إحدى النسوة (أم رضي لعقيلي) بدهن سنام الصغير وتدليكه تمددًا للأعلى ليقوى ويكبر حجمًا أملًا في أن يكون ثابتًا دون أي ميل، فانتصاب السنام دون ارتخاء من علامات جمال الثور، بينما البقرة تنظر لمولودها بتحفز رغم آلام الولادة التي أنهكتها، ليس مستغربًا أن تهجم على من يرعونها، خوفًا على رضيعها من أي سوء قد يتعرض له، فغريزة الأمومة واحدة بين مخلوقات الله. ثم يؤخذ من ضرعها مقدار كأسين من الحليب ويسكب في فم وليدها، جرعات يبلعها بلهفة، تنعشه وتمده بالحيوية والنشاط، وكأن هذه القطرات إكسير حياة.
يومًا بعد يوم يشتد عود الصغير، وهو يسرح ويمرح في الحظيرة، باعتناء متواصل من استحمام وترشيف وبعض الحليب، يتشارك مع بقية الحياوين من خلال أكل "النفيعة" ليلًا، المكونة من العومة -سمك صغير جدًا- وحشف الرطب ونشارة (الگت)، هي طبخة أنضجتها النار تسمى (فخارة)، بينما الصبح والظهر وجبة (المريسة) وهي ماء موضوع في (المطعم) التي تحول لونه للأحمر بفعل تذويب كتل من التمر، وعند (خلف عتمة) وقبل بزوغ الشمس يتلذذ الصغير أكلًا من الگت بجوار أمه. عندما يصل عمره سنة وثمانية أشهر وربما السنتين يؤخذ من مرتعه الآمن ويقاد نحو (حرفة إبليس)، عبر مراحل متدرجة، من السهل للصعب، فليس بمقدور أي رجل أن يتعامل مع عجل تعوّد على الراحة لمدة 24 شهرًا بإخضاعه مباشرة نحو الجازرة، فإنه لن يستجيب، لذا لابد من تهيئتة بتدريب مكثف وبشكل يومي متصاعد، حتى يصل لنهاية مرحلة التأهيل، ليكون جاهزًا للخدمة مستجيبًا طوعًا لأنواع العمل.
إن مرحلة ترويض الثور المعروفة اصطلاحًا عند الفلاحين بـ(التأديب) هي بحد ذاتها شاقة ومتعبة لا تخلو من المتعة والهزل.
حين يجرجر العجل من الحظيرة قاصدين به الجازرة، يعمل له أولًا "سفه" في منخريه، وهي معقودة بالخزام الذي يحيط برقبته، كلاهما حبل يخضع تمرده، ويقلل بعضًا من شراسته، فعندها يتأهب ثلاثة رجال ورابعهم أستاذ الترويض شخص متمرس في عملية التأديب، اثنان يتوزعان على الجانبين، يسندان بيديهما العجل لكي لا يشطح لا يمينًا ولا يسارًا، والثالث ماسك ذيله ويدفعه دفعًا من مؤخرته، بينما الأستاذ يسحبه سحبًا من خزامه للأمام، يكيفون حركته حسبما يريدون، يرميه الأستاذ بكلمات غير مفهومة "هاي ييي.. هاي ييي" ألفاظ تشبه رطانة الخرسان، يتحرك به الجميع على مضمار الجازرة (الخب) عبر مراحل متدرجة، في البدء يشد على ظهره العدة المكونة من "الويج" خشبة شبه مقوسة مربوط بطرفيها حبلي الرشا والسريح، يدفعونه نحو السير بسحب الدلو فارغًا، وهذا يسمى التأهيل الأولي والهدف منه تعويد العجل على أرضية المكان جيئة وذهابًا والتي تسمى (لمعاودة)، مشي والتفاف في الخب لمدة أربعة أيام متتاليات بواقع ساعتين في اليوم الواحد، لكن حين يستشعر أستاذ التأديب أن العجل (هدي) يسير بشكل طبيعي، يتم الانتقال به للمرحلة الثانية حيث تكسر بيضة على محيط (سنينته) أي السنام، تدهن دون القمة وهو مكان موضع "الويج" حتى لا يتجرح جلده الطري من سحب أول دفعات حمل الماء، ومقدر بربع الدلو، ثم يضاف بعد ثلاثة أيام لنصف الدلو وعند اكتمال نصف الشهر يملأ الدلو كاملًا وفي كل مرة يدهن سنامه ببيضة دجاج طازجة (ما هي مارگة) أي غير تالفة. أحيانًا تزيد أيام التدريب يومًا أو يومين وقد تصل إلى 20 يومًا حسب استجابة العجل بين السرعة والبطء والاعتدال، وحسب كلام الفلاحين: "على الله وعلى طوعة لعجل، هست عجول هديين، بسرعة يختمون وبعضهم يتعبون واجد، تتمرمر وياهم، والحيوان من جيز من يادم هست واحد يختم بسرعة، وفي أحد يگزر وقته ما يگبض شيئًا إلا بعد مدة".
إجمالًا بعد أسبوعين يكون العجل مهيئًا للمراوحة يروح ويجيء، "يطرد في الخب" أي مضمار الجازرة، وهذا ينطبق على غالبية العجول، هناك استثناء أن بعض العجول لا تستجيب للعمل، تتلكأ في التدريب، بتثاقل في الحركة والمشي، بعضها تتصلب وهي واقفة دون حراك كالتمثال، يتولاها أستاذ التأديب بلين وحزم وفن وشدة وغلظة وتربيت على جبهة الثور ومد رقبته جرًا ورفعها عاليًا حسب دوران الخب وإن عاند أو تردد في المشي زجر باللعن والشتم والركل (يزگره) بالركب على أوراكه، أحيانًا من شدة شموخ الجازرة وأنين المنجور، يجفل الثور من منظرها والصوت، بينما الرجل الماسك ذيله يعاجله بركبته ضربة إثر ضربة في مؤخرته لدفعه سيرًا للأمام، عندها ينتاب العجل حالة من الارتباك الشديد فيخرج فضلاته دفقة قوية في وجه الرجل وعلى صدره، يتناثر الروث والضحك والشتائم.
إن شدة التأديب المكثف الذي يمارس وقت "العصاري" بعد أن يفرغ المزارعون من أعمالهم اليومية، يتهيؤون للعجل سواء أكان سريع التعلم أو بطيء الاستجابة، كل منهما يعامل بطريقة معينة وأسلوب مغاير عن الآخر، عندما يستكمل العجل مرحلة التدريب ويكون جاهزًا للمسير، لا يلزم كسر بيضة على سنامه فقد اعتاد على سحب ماء الدلو كاملًا وبات جلد سنامه (ميتًا) أي (متيبس) فلا يخاف عليه من التجرح، أما العجول المتوانية المتعبة تأديبًا لكسل زائد عن حده فتحتاج لصبر بزيادة أيام التدريب.
وأثناء فترات التأديب لا تخلو من طرائف وغرائب، فقد ربض عجل المسماة (اعجل لزبيري) ظل لفترة طويلة غير مستجيب للنهوض، لا الوكز أفاقه ولا الدفع زحزحه من مكانه، كأنه صخرة لحم قاسية ملتصقة بالأرض،بعد أن أعيت كل الحيل الحاج رضي علي العقيلي، أخذ منجلين وسخنهما على النار، حتى أصبح كل منصاب حاميًا وضعهما على (أفطحه- أوراك العجل)، لكنه لم ينهض من لسعة الحرارة الشديدة، ولم يحرك ساكنًا!، هذا العجل "يحگه" أي خواف من رؤية منظر الجازرة وصوت المنجور يقلقه، يتسلل هذا الخوف حين زج به عنوة في الإشراب لحرث الأرض أي تقليب التربة، يأخذه التباطؤ مأخذه، كما جرت محاولات لتأهيله للعمل مرات ومرات، لكن دون فائدة، يقال عنه؛ "هالعجل ميؤس منه، ما يهتدي، بس بطين، حده شبعة بطنه، ما يبغى يسوي شيء"، والأغرب عزمه محدود عند وطء الإناث، وبحسب كلام الأولين "إذا اعجل عاجز عن السگاي والحراث ولتشبي، وراعيه قطع الأياس منه، مامنه دبره، سچين القصاب تنحر رقبته، چم وچم من ثور سقى بجلد ولده"!
مع اكتمال فترة تدريب الثيران التي تستغرق بين 15 إلى 20 يومًا يبقى رجلان يقودان العجل بدلًا من الأربعة؛ واحد يسحبه من (رسنه) من الأمام والثاني يدفعه من الخلف وعند مرور شهر وبضعة أيام يكون الصبي قادرًا على قيادة العجل بمفرده بيسر وسهولة ولا يخشى من أذى يصدر عنه، خصوصًا إذا وضعت (السفه) في منخريه بشكل صحيح دون ارتخاء أو زيادة في الشد، فالشد المبالغ فيه يتعبه بل يعيقه عن الحركة ويؤلمه أيضًا، (السفة المضبوطة) التي تخترق منخريه من الجانبين هي ما تجعله هادئًا مطيعًا مستسلمًا، (ما يخور )، حبال السفة تتحكم في حركته، تشبه إلى حد ما فرامل السيارة، فالعجل (المخزم بوزنية عدله) تحيده عن أي انفعال مباغت أو غضب مفاجئ، ويصبح قليل النطح إلا فيما نذر، عند ذلك يسير به الصبي في أمن وطمأنينة.
كم يأنس المزارع حين يرى الثور في كامل لياقته، يردح في الخب بأشواط وأشواط لمتح الماء، عندها ترتقي الجزارة بديناميكية عالية نظرًا لتسارع وخفة الثور.
فالعجل (هاب ريح) يسعد صاحبه، يعتز به أيما اعتزاز، بل يكون ذخرًا له سواء أبقاه للعمل عنده أو صرفه بيعًا عندها تكون قيمته عالية جدًا. يحكى أن عجلًا عجيبًا يضرب به المثل تداول أخباره أهل الدواليب، فقد ولد عجل جديد لعائلة أبو رضي العقيلي في زريبة بيتهم الكائن بحي الخارجية، فقد لوحظ أنه مجاور لأمه بشكل دائم، وهي أيضًا لا تفارقه، تحنو عليه وتداريه طوال الوقت أكثر من لي مولود أنجبته! ثمة إحساس خفي بينهما، إن روح التواشج بين الأم وصغيرها لا يدرك حجمه وقيمته إلا مربو الحيوانات، فهم يدركون تمامًا حجم الارتباط الوثيق بين الاثنين، ولو أخذ الصغير من جوار أمه، وأمام ناظريها وأبعد عنها قسرًا بإخفاء طال زمنه ولو لساعات، فإنها تزمجر و(تنظر بالعين الحمراء) لمن أخذه وتزداد توحشًا برفس ونطح لمن يقترب منها، ولا تكف عن الخواء إلا حين عودة صغيرها!لكن تخف ردة فعلها كلما كبر، وحين يشتد عوده بعد عدة أشهر لا تدير بالًا له كما كان صغيرًا سواء راح أو حضر، ويطمئن أصحاب الحلال إذا أخرجوه من زريبة منزلهم إلى حظائر دواليبهم المكشوفة، فهو يستطيع الدفاع عن نفسه ضد انقضاض (العواوي)، التي لا تكف أثناء الليل عن العواء بحثًا عن قن الدجاج أو عجل رضيع لا حول له ولا قوة، لم يزل بدنه (رورو، طري) أي رخو، سهل الافتراس، لكنهم يهابون رؤية العجل الممتلئ جسمًا بل يخشون الاقتراب منه، ولو تحرش به أحدهم تكون نهايته.
بعد أن كبر العجل الجديد لعائلة العقيلي وأصبح ابن سنتين، أخرجه أبو رضي من زريبة بيتهم لأول مرة، وأثناء السير يمسد على رأسه ويتأمل جسمه المفتول، ضامر الخصر، منتصب القوائم، ذي مشية مهيبة أشبه بمشية فرس، قاده مسرورًا من منطقة الخارجية إلى دولابه الجويزرة، وبينما يعبر به الدروب الظليلة وإذا بالعجل يصطدم (بالكدران) وهي كومة نخلة غير مشذبة ملتفة عليها فسائلها، وبعد خطوات يحك جنبيه بأسوار النخيل (لحضار) بشكل متكرر، توقف أبو رضي عن السير في وسط الدرب متعجبًا والشكوك تحوم حول رأسه بعلامة استفهام وحيرة، عاين وجه العجل الجميل، واختبره توهيشًا بيديه أمام عينيه، لكن العين الواسعة لا يرمش لها جفن،(مبحر بعياوينه) اللامعة، وكرر المحاولة تلو الأخرى، حينها أدرك أن هذه العيون البراقة لا تبصر بتاتا، فاقدة للرؤية، عجل ولد بعيب خلقي لاختلال جيني يسمى (عمى سمچ)، لكن بنيته تسر الناظر، يتميز بالطول الفارع والجمال الأخاذ (صدر وتفر)، ذو همة عالية. فقد أصبح سريع التعلم في الخب، صلبًا لا يستكين في مراوحات الجازرة، لا يكل ولا يتعب، اعتبرت حركته تساوي نهضة ثورين، وعند حراث الأرض ذو عزم لا يلين وأعظم من ذلك لا يشبع من "التشباة" أي وطئ الأبقار، "يشبي" ما طاب له من رغبات حتى لو كان مجهدًا أو منهكًا!، يأخذه أبورضي شرقًا لتلقيح الأبقار في السنابس ويتجه به تارة شمالًا إلى الزور حيث الأبقار تعيش في المنازل، يدور به من بيت لبيت، فرائحة الأنثى تأسره بشكل دائم، فحل ابن فحل.
ذات مرة قضى وطره بعدد وافر من أبقار في دارين وعند الرجوع أكمل همته المتجددة مع بقر في الوقف والديرة، ولم يظهر عليه لا تعب ولا إجهاد يمشي واثق الخطوة عابرًا سوق تاروت، وما إن وصل لعبور الجسر الواصل بين منطقتي (الجفرة والدشة) إلا ويداه ورجلاه تهويان في "اللبو" -مجرى ماء عريض وعميق-، لكنه قفز سريعًا وخرج منه كالغزال، منتشيًا يلعب بذيله ويهز رقبته كالمنتصر، عجل في كل موضع لا يشق له غبار، فاقد البصر لكنه حاد البصيرة جسور لا يهاب.
يستدل على طعامه اليومي عبر إيقاع معتاد، طرق باليد على سطح الماء الموضوع داخل حوض قطعة مقصوصة من جذع نخلة يسمى (مطعم) وبجواره أيضا مطعم آخر يوضع فيه (الفخارة) ومنثور عليه البرسيم، ينادى عليه (تعال اعمى) وكأنه فهم ذاته يأتي ليأكل بنهم، وحين ينتشي يهز رأسه، من حالة الشبع التي تغمره سعادة بمثابة تحية لمن أطعمه! تعايش مستدام وتراكم خبرة طويلة يملكها الأخوان حجي رضي وحجي علي العقيلي الماهران في تربية الحيوانات العارفان بمزاج كل نوع من الأنواع التي تزخر بها حظيرتان يملكانهما واحدة في منزلهما والكبرى في الدولاب حيث تضمان أصنافًا عديدة من الثيران والأبقار والماعز والخراف.
دولابهم (لجويزرة) مقصد للقصابين والفلاحين وأصحاب الجوازر، لسمعتهم الطيبة في الغراسة والفراسة بحسن تربية العجول والثيران، جاءهم ذات صباح الحاج عبدالله ابن الشيخ والد محمد تقي آل سيف يطلب منهم عجلًا لدواليبه المتجاورة جنوب وغرب مقبرة المصلى، دولاب الغوص ودولاب لصحين ودولاب الگوع ودولاب لسهومه، دواليب متعددة بين عمال وصبيان كثر من ضمنهم محمد حسين آل سالم وعبدالله الشواي، بعد التحية والسلام، طلب منهم أن يشتري عجلًا قويًا، في البدء فتحوا له الحظيرة ليختار منها ما يشاء، قال لهم التجربة خير برهان، وضعت العدة على ظهر ثور يغري الناظر من الوهلة الأولى وحين أبصره في خب الجازرة لم ترق له حركته "يتخمع في مشيته.. متهطل، وني" أشبه بمشية عجوز، بطيء في "لسگاية" خاطبهم بعبارة كررها كثيرًا عليهم "شوفوا لي عجل عدل ما أطلع إلا بواحد قوي وأقول عنه خوش اعجل". نادى الأخوان على أخيهما محمد علي المبتلى بمرض الصرع يجايلهما في العمل عندما يكون في قمة عافيته، يدلعانه تلطفا وتحننا "ياحمد ياحمد جيب الثور البطل" هو يعرف أي عجل هو المقصود، أتى به وسيره في خب الجازرة وإذا بالعجل يسابق حمد من حيويته "دلو يسفگ دلو.. ظل يفلت ادلل" حركتة ناهضة لا تعرف التوقف ولا السكون، سر الحاج عبدالله ابن الشيخ وتهللت أساريره انشراحًا، أوضحوا له بصدق: "ترى هالفور اللي جاز لك ما يشوف، أعمى"، رد عليهم بصوت فيه خنخنة: "أبغاه، أبغاه" ولسان حاله "چم من أعمى أحسن من أهدى"! ثور أعمى سر الناظرين، وفي حراك الجازرة خير معين، أفاض بالماء تدفقًا، بغمر زروع الدواليب، في فترات قياسية.
هل ينطبق عليه المثل: (كل ذي عاهة جبار)؟ لا غضاضة وإن كان القول مستلًا من عالم الإنسان. همة النفس وصحة الأبدان ترفد الحيوية بحركة مضاعفة يشار إليها بالبنان، ثور أعمى كثر مادحوه، يعزى للتأصيل أولًا وحسن تربية وتأديب من قبل عائلة الأخوين العقيلي الوارثين مهارات أجدادهما والمجددان في طرق رعاية الثيران واكتشاف الأصيل من غير الأصيل، أضحى دولابهم أحد ساحات اختبار جودة العجول المعتبرة. تناهى للقاصي والداني عن امتلاكهم عجلًا أطلقوا عليه (ضبيان) يشبه الظبي في تناسق جسده وخفة حركته الناهضة، في الحرث والسقاية و(التشباة)، تنافس عليه المتنافسون لشرائه وفي النهاية ظفر به الحاج علي بن عبدالله الشيخ آل سيف القادر على المزايدة، أخذه بمبلغ مغري، شد عليه ليس في الزرع كما هو معتاد بل أدخله للبحر لجلب أطنان من سمك الحضور و"أمنان الروبيان" عبر "گاري" عجلاته من حديد تشبه عربة الخيل قيل بأنها مجلوبة من البحرين ورأي آخر يؤكد أنها من صنع حدادين البلد، معظم الثيران تجفل من رؤية أمواج البحر إلا (ضبيان) لم يرعبه شيء، شجاع، جسور، لا يهاب ولا يجزع، ذو أنفاس عالية بجر الحمولات، عضلاته مفتولة، تفوق على الحمير القاطعة وحدها صخب البحر، لكن الخدمة المتواصلة والجهد المضاعف أنهكته، هكذا اعتقد صاحبه؟
شوهد صباح يوم ربيعي أن حركته ليست طبيعية؛ (أعجز عن الطبة، طلعته للجازرة بطيئة، يمشي ويتخمع)، بسبب تقرح جلدي بين أضلافه نتيجة تشبعه بالماء (خرس الماي) يسمى (نگبة الحافر) تصاب به كثير من الحيوانات، ضاق ذرعًا الحاج عبدالله بن علي بوضعية الثور وحاله البائس، بينما حضراته في بحر شمال جزيرة تاروت ممتلئة بالأسماك، توجه بالسؤال للعاملين في دواليبه وقال: "يا محمد حسين ويش نسوي ويا لعجل ضبيان"؟ رد عليه ببرود: "يا نوخذة هذه غير نگبة" - عند أهل لول ليست بشيء -، قال له والشرر يتطاير من عينيه انفعالًا بخنخنة: "زين نگبة ونگبة ما ليها دواء.. ما ليها شيء، بس تتعطل علينا أيام على هالنگبة" رد عليه أبوجاسم "ما عليه يا نوخذة بنعالجه، ما يصير خاطرك إلا طيبًا".
أقبل العاملون بحبل سميك على تكتيف العجل في جذع نخلة، أشبه بالمصلوب، وتم ربط رجله المصابة بحبل آخر ملفوف على ظهره منعًا لحركته، جهزوا دواء شعبيًا خاصًا بالثيران يختلف عن علاج قوائم الحمير، يسمى (مغليات) خليط من أعشاب وملح وزيت، وعكف أحد الرجال (بنبر النگبة) بواسطة (مسلاة) -إبرة طويلة تستخدم لخياطة الحصر والسمين- لاستخراج الدم الأسود "الدم المچتم"، وهي عملية استبدالية، نزع كتلة الدم الفاسدة ورميها جانبًا وحفر في اللحم لتدفق الدم الجديد، ثم ينظف الجرح بالماء، هذه (النگبة) تشبه (أم اسليچ) التي تصاب بها أرجل الإنسان، يوضع على حواف الجرح تمر لمنع تسرب الدواء، ثم تصب (المغليات) بتؤدة، بينما العجل ينتفض جسمه رعشة تلو أخرى من شدة الألم، يلف الجرح بقطعة قماش إلى أن يطيب، بعد أسبوعين تقريبًا فتحت اللفائف وعاد ظبيان إلى سابق عهده يجوب ربوع الزرع ويمخر عباب البحر.
أهل الدواليب ليس كلهم على دراية بعالم الحيوانات وما يعتريها من مرض وتبدلات الزمن، فيلجأون لذوي الخبرة الذين أحسنوا صنعًا في تربية العجول والثيران كعائلة العقيلي أبو رضي وإخوانه واشتهروا أيضًا بحسن ترويض العجول وتهيئتها لمضمار الجازرة، مهارة اكتسبوها من لدن خالهم حسون بن سالم أستاذ الترويض.
رجل يتمتع بمهابة وقوة عضل ويتحلى بروح النكتة وخفة الدم. تستحضر الذاكرة مشهدًا غابرًا صار حكاية يتندر بها أصحاب الدواليب. ذات يوم مر بطريق دولابه (البدع) الحاج محمد الصايغ (أبومنصور) وهو قصاب مشهور ومربي حيوانات، وبينما يرعى أغنامه على أطراف حشائش الدواليب، سمع شتمًا وسبًا بصوت حسون، موجه لعجل يقوم بتأديبه على الخب، ويهوي على ظهره ورقبته بعصاة غليظة، ضرب متتال وزفير متشنج: (لأبوك لأبو اللي حوفرتك، لأبو اللي غمزتك، لأبو اللي قصت سرك) ضربات على (أفطحه) أوراكه، ورجل آخر يدفعه بشدة من مؤخرته وشتم حسون يتعالى مع تباشير الغروب. رق قلب أبو منصور لحال العجل المغلوب على أمره، مناديًا على ابن سالم: (ما تخاف الله يا حسون، ما هو زين عليك اللي تسويه في العجل، سبه ولهيبه وطايح فيه جمع ورفسة وضرب بالعصاة)! توقف حسون برهة ملتفتًا لمصدر الصوت، مستوضحًا من الرجال الذين يساعدونه في مهمة التدريب (هذا منهو)؟ لأن نظره بات ضعيفًا نتيجة خدمة وتعب السنين، قالوا له: (هذا أبو منصور الصايغ، القصاب)، ترك حسون العجل وتوجه صوب القبلة رافعًا كفيه نحو السماء وهو يتلو بكلام غايته المداعبة: (إلهي تقلب الصايغ عجلًا وأأدبه أنا، أنت اذبحهم ما تخاف الله، لكن أنا أأدبهم لأجل يظلوا چم سنة في الخدمة)! اختلط صوت الضحك مع تزايد ثغاء الماعز والخراف وكأن القطيع العابر بين الجوازر أحس ما يحاك ضده، فحتمًا سائر إلى حتفه ذات يوم، وسيراق دمه على أرض ظلت مقصدًا للأطماع، خضبت باللون القاني على سفوح الركايا، تلاشت أخبارها عبر السنين كمرايا من ضباب، لكن أبصرتها عيون على مسرح الدواليب الضاجة بفصول ثرائية وأخرى درامية، متلونة بين الكوميديا والتراجيديا، والبوح بها نذر يسير!
سار الركبان بقوافل الحكايات
وتركوها إرثًا على ألسنة الرواة.




