من قُديح "الخُط" إلى جزيرة تاروت، كان ابن العاشرة يرافق والده ممسكًا بقوة بشيء لا يرتبط بالطفولة، لكنه يتمسّك به وكأنّه أغلى ألعابه وأحبّها، فقد كان "المجزّ" الآلة التي لا تبارح محمد أحمد الخاطر إلا حين نومه، وكانت تلك المرافقة لسواحل تاروت وسنابس رحلة أواخر البرد التي ينتظرها بفارغ صبره؛ ليمكث هناك مع أبيه ما يزيد على الأسبوع حامليْن معهما زادهما وما يحتاجانه، حيث يكون "نبات أسل" تاروت المميز في انتظارهما؛ لجزّه والاستفادة منه في صناعة المديد التي تحاكي"الموكيت"في عصرنا الحاضر، تلك الحرفة الزراعية التراثية القديمة والأصيلة التي كان يمتهنها والده وجدّه لأبيه وأعمامه، وانتقلت إليه بالوراثة.
وعلى الرغم من صغر سنّ الخاطر وقتها، فقد كان والده يتعامل معه تعامل الرجال ويغرس فيه صلابتهم، حيث كان الابن الأوحد لأبيه في ذلك الوقت، ممّا أكسبه البراعة والتميز في هذه الصنعة؛ ليبقى ممتهنًا نسج المديد لـ20 عامًا من عمره كمهنة أساسية لا تساعدها مهنة أخرى.
تسيّدتْ زمنًّا
يتحسّر الحرفي صانع المديد "أبو جعفر" على مهنتهِ التي أوشكت على الاندثار بعد أن تسيّدتْ زمنًا من الأزمنة؛ كون "المَدّة" وهي المفرد من"المديد" سيدة الموكيت المنزلي وغير المنزلي أيضًا في زمنٍ مضى متجاوزًا الـ6 عقود، فقد كانت تستخدم كبساط في المنازل ومطلبًا ضروريًا وجماليًا في موسم الأعراس لدور العرسان التي كانت عبارة عن "عشة" مصنوعة من سعف النخيل، وتؤخذ لها القياسات المطلوبة لتغطية أرضها، كما كانوا يغطون بها أرضية المساجد والحسينيات والمجالس للمقتدرين، وبساطًا يجمع المزارعين في مزارعهم، وقد كانت مهنة يدوية تلبي حاجات الناس ولا غنى لهم عنها.
سوق خميسنا القديم
بقي الخاطر محافظًا ومتمسكًا بتراث ومهنة جده وأبيه وأعمامه لـ20 عامًا، كانت فيها صناعة المديد مصدر دخله الأساسي، قضى معظمها مع والده في هذه الصناعة الدقيقة التي تتطلّب اهتمامًا بالوقت والجهد والدقة في العمل، فمنذ أن كان في السابعة من عمره وعينه لم تكن ترى أمامها سوى والده وهو يعمل في هذه الحرفة، حتى أصبح مدفوعًا إليها وكأنها ورثٌ تورّثهُ من أبيه، فكان يعمل بكل دأبٍ ونشاط مع أبيه من يوم الجمعة حتى يوم الأربعاء من كل أسبوع في إنجاز المديد المختلفة في مقاساتها، حتى إذا جاء يوم الخميس رافق والده في أحيانٍ كثيرة إلى سوق الخميس القديم لبيع مديدهما في المكان المخصص لبيع الأدوات التراثية مقابل صيدلية المهنا.
عوّدها الوصال
بعد أن تغيّرت الظروف والأحوال، وتطوّرت صناعة السجاد، ودخل السجاد الصناعي إلى المنازل، تراجعت صناعة المديد بصورة كبيرة، فلم يعد سوقها رائجًا، ولم تعد دخلًا يُعتنى به، ممّا اضطر ابن القديح لهجر مهنة أجداده وأبيه، والالتحاق بالعمل الحكومي في جامعة الملك فهد كموظف حكومي، وبقي عاملًا فيها إلى نحو 33 سنة، حتى تقاعد منها قبل 20 عامًا؛ ليجد نفسه تواقًا إلى مهنته المهجورة، فيعود إليها واصلًا، لا لدخلٍ مادي بالتأكيد؛ فهي مهنة لم تعد تؤتي ثمارها، ولكنه رغب أن يعود من خلالها لإحياء تراثٍ ينبغي أن يُعتنى به، فمن المؤسف لديه وبقوة أنّ هذه المهنة اندثرت كليًا فلم يعد حرفيٌ من القطيف يمارسها غيره، مع الحرفي أحمد عبد الحسين أبو خليل من أهالي القطيف.
أسل تاروت
يسترجع الخاطر ذكرياته مع المديد في حديثه لـ«القطيف اليوم» بكل حسرة قائلًا: "اكتسبتُ هذه المهنة من والدي الذي عاش سني حياته معها حتى بعد أن تركت العمل معه والتحقت بالعمل الحكومي، ومع أنني فارقتها زمنًا طويلًا فإنني رجعتُ إليها مستظهرًا جميع تفاصيل العمل فيها وكأنني لم أفارقها أبدًا، وقد بذلتُ قصارى جهدي مع أولادي كي يتعلموها، إلا أنها بالنسبة لهم عالم غريبٌ جدًا ولا يرغبون الولوج فيه".
ويكمل: "على الرغم من أنّ الحصول على الأسل الذي نصنع منه المديد أصبح صعبًا بعد منع جزّه من وزارة البيئة، وبعد أن كان أسل تاروت هو الأسل الأعلى جودة لكونه بحريًا، فإنني لم أتنازل عن البحث والتحري للحصول عليه وممارسة مهنتي التي أعشقها حبًا فيها وفي القطيف، حتى توصلت إلى منطقة في الجبيل استطعت الحصول منها على الأسل المطلوب والاستمرار في مهنتي الأم".
حرفة وصبر
تتطلّب صناعة المديد الكثير من الحرفية والإتقان والصبر قبل ذلك كله، فهي صناعة تمر بمراحل عديدة إلى حين العرض والبيع، وصناعة المدة كما يرويها أبو جعفر رحلة تبدأ من الذهاب في سيارة أجرة قاصدي تاروت وسنابس ومنطقة "الجامعيين" في وقتنا الحاضر في شوارع غير مسفلتة كوقتنا الحاضر، مع عشرة أنفار يسلمون صاحب السيارة 5 ريالات عن مشوارهم، وكان الخاطر يدفع نصف ريال فقط كنصف رجل، وما إن يحطوا رحالهم في تلك المناطق القريبة من البحر حتى تبدأ المرحلة الأولى في صناعة المديد بجز ما يمكنهم جزّه من الأسل الأخضر الذي يكون شائك الأطراف ومتشعب الأغصان مما يصعب جزّه، ثم تأتي المرحلة التالية بعودتهم إلى ديارهم وتجفيف الأسل تحت أشعة الشمس بعد تنظيفه، ويحتاج غالبًا إلى 15 يومًا حتى يجف تمامًا ويصبح أصفر اللون.
سجادة ملونة
ويستكمل الخاطر رحلة صناعة السجاد في المرحلة الثالثة التي تتمثل في صف الأسل ورصه باستخدام الحبل المصنوع من الليف والذي يُستقدم من بلاد الهند، ثم تتم صناعة السجاد يدويًا بحسب المقاس المطلوب باستخدام آلة خشبية تسمى (الحف) يمتد على طول الآلة ثقوب كثيرة تتخللها الحبال، ويمكن من خلالها التحكم في تماسك (المدّة)، وتختلف أطوال المديد بحسب الرغبة، فقد تقصر إلى المتر والنصف وقد تطول إلى الـ4 أمتار.
ألوان جاذبة
تفنّن الخاطر مع غيره من حرفيي المديد في ذلك الوقت كعائلة الحيراني في القديح، والبحراني في باب الشمال في القطيف، وأبناء "أبو خليل"، وعائلة نويدر في صناعة المديد وصبغها بالألوان المختلفة والتي هي عملية أخرى تضاف إلى العمليات السابقة؛ لإعطاء المدة جمالًا ورونقًا، حيثُ يُغلى الماء في درامات كبيرة ويوضع فيه بودرة صبغية تُباع في محلات العطّارة ويتم نقع الأسل بعد بلّه بالماء حتى لا يتكسّر، ثم يغلي لمدة ربع ساعة؛ ليترك بعدها في الماء المغلي الملون 8 ساعات؛ لإعطاء ”المدّة“ ألوانًا مختلفة كالأزرق الغامق والأخضر والأحمر، ومن المهم إضافة الملح البحري حتى يحتفظ الأسل باللون المطلوب.
السوقي والممتاز
كان المديد يسعر قديمًا حسب السوقي المطلوب بكثرة أو الممتاز الذي يكون بتوصية، والفارق بينهما هو الرص الدقيق في الممتاز، والذي يحتاج إلى أسل أكثر، فكان سعر المتر للممتاز 5 ريالات، بينما يسعر السوقي بـ3 ريالات.
أما الآن فقد اختلفت التسعيرة تمامًا نظرًا لمنع جزّ الأسل وصعوبة الحصول عليه، وارتفاع سعر الحبل المستقدم من الهند إلى 300 ريال لكل 8 كيلو جرامات فقط، في حين كانت تباع الحبال قديمًا بوزن 100 كيلو جرام، حيث تصل سعر المدة حاليًا بمتر ونصف إلى 500 ريال، ولا تطلب إلا للأماكن التراثية أو من يستهويه التراث.
مسجد صفوى
كان القيومون على المساجد يستخدمون المديد لفرشها، وهم يعمدون أحيانًا إلى طلب الجوز من المديد حتى تكفي سعة المسجد، فمنها جوز أبو 2، و 6، و8، ويستذكر الخاطر موقفًا حصل له مع القيوم على أحد المساجد في صفوى وهو الحاج سلمان بن داوود، حينما طلب منه أن يقدم لأخذ القياس بالحبل على المسجد كما هو معتاد حينها، لعمل مديد له، ليتفاجأ بأن جدران المسجد ليست مستقيمة، أوكما تسمى باللهجة العامية"مشوطرة" أي ليست على خط واحد مستقيم، لتكون مدة المسجد التي صنعها أغرب مدة بمقاس متر ونصف في بدايتها، وانتهاءً بـ80 سم فقط.
ليلًا في كراجه
يصنع أبو جعفر الآن مديده الحبيبة في كراج بيته ليلًا حينما يبرد الجو، وهو يعلم تمام العلم أنّ مهنته هذه لم تعد مهنة مطلوبة أو مرغوبة أو حتى لها رواجها بين الناس، ومع أن العمر أيضًا أتعبه وأخذ الكثير من صحته وقوته؛ فإنّ المحافظة على التراث وحب القطيف كالروح الأخرى التي تجعله متمسكًا بها، فتراث القطيف في قلبه كما يقول ومن حقهِ علينا أن يبقى، والزمن الجميل أولى بنا أن نحافظ على تراثه، فمن لا ماضي له لا حاضر له.










وعلى الرغم من صغر سنّ الخاطر وقتها، فقد كان والده يتعامل معه تعامل الرجال ويغرس فيه صلابتهم، حيث كان الابن الأوحد لأبيه في ذلك الوقت، ممّا أكسبه البراعة والتميز في هذه الصنعة؛ ليبقى ممتهنًا نسج المديد لـ20 عامًا من عمره كمهنة أساسية لا تساعدها مهنة أخرى.
تسيّدتْ زمنًّا
يتحسّر الحرفي صانع المديد "أبو جعفر" على مهنتهِ التي أوشكت على الاندثار بعد أن تسيّدتْ زمنًا من الأزمنة؛ كون "المَدّة" وهي المفرد من"المديد" سيدة الموكيت المنزلي وغير المنزلي أيضًا في زمنٍ مضى متجاوزًا الـ6 عقود، فقد كانت تستخدم كبساط في المنازل ومطلبًا ضروريًا وجماليًا في موسم الأعراس لدور العرسان التي كانت عبارة عن "عشة" مصنوعة من سعف النخيل، وتؤخذ لها القياسات المطلوبة لتغطية أرضها، كما كانوا يغطون بها أرضية المساجد والحسينيات والمجالس للمقتدرين، وبساطًا يجمع المزارعين في مزارعهم، وقد كانت مهنة يدوية تلبي حاجات الناس ولا غنى لهم عنها.
سوق خميسنا القديم
بقي الخاطر محافظًا ومتمسكًا بتراث ومهنة جده وأبيه وأعمامه لـ20 عامًا، كانت فيها صناعة المديد مصدر دخله الأساسي، قضى معظمها مع والده في هذه الصناعة الدقيقة التي تتطلّب اهتمامًا بالوقت والجهد والدقة في العمل، فمنذ أن كان في السابعة من عمره وعينه لم تكن ترى أمامها سوى والده وهو يعمل في هذه الحرفة، حتى أصبح مدفوعًا إليها وكأنها ورثٌ تورّثهُ من أبيه، فكان يعمل بكل دأبٍ ونشاط مع أبيه من يوم الجمعة حتى يوم الأربعاء من كل أسبوع في إنجاز المديد المختلفة في مقاساتها، حتى إذا جاء يوم الخميس رافق والده في أحيانٍ كثيرة إلى سوق الخميس القديم لبيع مديدهما في المكان المخصص لبيع الأدوات التراثية مقابل صيدلية المهنا.
عوّدها الوصال
بعد أن تغيّرت الظروف والأحوال، وتطوّرت صناعة السجاد، ودخل السجاد الصناعي إلى المنازل، تراجعت صناعة المديد بصورة كبيرة، فلم يعد سوقها رائجًا، ولم تعد دخلًا يُعتنى به، ممّا اضطر ابن القديح لهجر مهنة أجداده وأبيه، والالتحاق بالعمل الحكومي في جامعة الملك فهد كموظف حكومي، وبقي عاملًا فيها إلى نحو 33 سنة، حتى تقاعد منها قبل 20 عامًا؛ ليجد نفسه تواقًا إلى مهنته المهجورة، فيعود إليها واصلًا، لا لدخلٍ مادي بالتأكيد؛ فهي مهنة لم تعد تؤتي ثمارها، ولكنه رغب أن يعود من خلالها لإحياء تراثٍ ينبغي أن يُعتنى به، فمن المؤسف لديه وبقوة أنّ هذه المهنة اندثرت كليًا فلم يعد حرفيٌ من القطيف يمارسها غيره، مع الحرفي أحمد عبد الحسين أبو خليل من أهالي القطيف.
أسل تاروت
يسترجع الخاطر ذكرياته مع المديد في حديثه لـ«القطيف اليوم» بكل حسرة قائلًا: "اكتسبتُ هذه المهنة من والدي الذي عاش سني حياته معها حتى بعد أن تركت العمل معه والتحقت بالعمل الحكومي، ومع أنني فارقتها زمنًا طويلًا فإنني رجعتُ إليها مستظهرًا جميع تفاصيل العمل فيها وكأنني لم أفارقها أبدًا، وقد بذلتُ قصارى جهدي مع أولادي كي يتعلموها، إلا أنها بالنسبة لهم عالم غريبٌ جدًا ولا يرغبون الولوج فيه".
ويكمل: "على الرغم من أنّ الحصول على الأسل الذي نصنع منه المديد أصبح صعبًا بعد منع جزّه من وزارة البيئة، وبعد أن كان أسل تاروت هو الأسل الأعلى جودة لكونه بحريًا، فإنني لم أتنازل عن البحث والتحري للحصول عليه وممارسة مهنتي التي أعشقها حبًا فيها وفي القطيف، حتى توصلت إلى منطقة في الجبيل استطعت الحصول منها على الأسل المطلوب والاستمرار في مهنتي الأم".
حرفة وصبر
تتطلّب صناعة المديد الكثير من الحرفية والإتقان والصبر قبل ذلك كله، فهي صناعة تمر بمراحل عديدة إلى حين العرض والبيع، وصناعة المدة كما يرويها أبو جعفر رحلة تبدأ من الذهاب في سيارة أجرة قاصدي تاروت وسنابس ومنطقة "الجامعيين" في وقتنا الحاضر في شوارع غير مسفلتة كوقتنا الحاضر، مع عشرة أنفار يسلمون صاحب السيارة 5 ريالات عن مشوارهم، وكان الخاطر يدفع نصف ريال فقط كنصف رجل، وما إن يحطوا رحالهم في تلك المناطق القريبة من البحر حتى تبدأ المرحلة الأولى في صناعة المديد بجز ما يمكنهم جزّه من الأسل الأخضر الذي يكون شائك الأطراف ومتشعب الأغصان مما يصعب جزّه، ثم تأتي المرحلة التالية بعودتهم إلى ديارهم وتجفيف الأسل تحت أشعة الشمس بعد تنظيفه، ويحتاج غالبًا إلى 15 يومًا حتى يجف تمامًا ويصبح أصفر اللون.
سجادة ملونة
ويستكمل الخاطر رحلة صناعة السجاد في المرحلة الثالثة التي تتمثل في صف الأسل ورصه باستخدام الحبل المصنوع من الليف والذي يُستقدم من بلاد الهند، ثم تتم صناعة السجاد يدويًا بحسب المقاس المطلوب باستخدام آلة خشبية تسمى (الحف) يمتد على طول الآلة ثقوب كثيرة تتخللها الحبال، ويمكن من خلالها التحكم في تماسك (المدّة)، وتختلف أطوال المديد بحسب الرغبة، فقد تقصر إلى المتر والنصف وقد تطول إلى الـ4 أمتار.
ألوان جاذبة
تفنّن الخاطر مع غيره من حرفيي المديد في ذلك الوقت كعائلة الحيراني في القديح، والبحراني في باب الشمال في القطيف، وأبناء "أبو خليل"، وعائلة نويدر في صناعة المديد وصبغها بالألوان المختلفة والتي هي عملية أخرى تضاف إلى العمليات السابقة؛ لإعطاء المدة جمالًا ورونقًا، حيثُ يُغلى الماء في درامات كبيرة ويوضع فيه بودرة صبغية تُباع في محلات العطّارة ويتم نقع الأسل بعد بلّه بالماء حتى لا يتكسّر، ثم يغلي لمدة ربع ساعة؛ ليترك بعدها في الماء المغلي الملون 8 ساعات؛ لإعطاء ”المدّة“ ألوانًا مختلفة كالأزرق الغامق والأخضر والأحمر، ومن المهم إضافة الملح البحري حتى يحتفظ الأسل باللون المطلوب.
السوقي والممتاز
كان المديد يسعر قديمًا حسب السوقي المطلوب بكثرة أو الممتاز الذي يكون بتوصية، والفارق بينهما هو الرص الدقيق في الممتاز، والذي يحتاج إلى أسل أكثر، فكان سعر المتر للممتاز 5 ريالات، بينما يسعر السوقي بـ3 ريالات.
أما الآن فقد اختلفت التسعيرة تمامًا نظرًا لمنع جزّ الأسل وصعوبة الحصول عليه، وارتفاع سعر الحبل المستقدم من الهند إلى 300 ريال لكل 8 كيلو جرامات فقط، في حين كانت تباع الحبال قديمًا بوزن 100 كيلو جرام، حيث تصل سعر المدة حاليًا بمتر ونصف إلى 500 ريال، ولا تطلب إلا للأماكن التراثية أو من يستهويه التراث.
مسجد صفوى
كان القيومون على المساجد يستخدمون المديد لفرشها، وهم يعمدون أحيانًا إلى طلب الجوز من المديد حتى تكفي سعة المسجد، فمنها جوز أبو 2، و 6، و8، ويستذكر الخاطر موقفًا حصل له مع القيوم على أحد المساجد في صفوى وهو الحاج سلمان بن داوود، حينما طلب منه أن يقدم لأخذ القياس بالحبل على المسجد كما هو معتاد حينها، لعمل مديد له، ليتفاجأ بأن جدران المسجد ليست مستقيمة، أوكما تسمى باللهجة العامية"مشوطرة" أي ليست على خط واحد مستقيم، لتكون مدة المسجد التي صنعها أغرب مدة بمقاس متر ونصف في بدايتها، وانتهاءً بـ80 سم فقط.
ليلًا في كراجه
يصنع أبو جعفر الآن مديده الحبيبة في كراج بيته ليلًا حينما يبرد الجو، وهو يعلم تمام العلم أنّ مهنته هذه لم تعد مهنة مطلوبة أو مرغوبة أو حتى لها رواجها بين الناس، ومع أن العمر أيضًا أتعبه وأخذ الكثير من صحته وقوته؛ فإنّ المحافظة على التراث وحب القطيف كالروح الأخرى التي تجعله متمسكًا بها، فتراث القطيف في قلبه كما يقول ومن حقهِ علينا أن يبقى، والزمن الجميل أولى بنا أن نحافظ على تراثه، فمن لا ماضي له لا حاضر له.













