أصدرت الكاتبة طاهرة خالد آل سيف باكورة أعمالها القصصية "رسائل متأخرة"، الصادر عن دار يسطرون في جدة، والذي يتكون من 36 نصًا قصصيًا متنوعًا، بين جنس القصة القصيرة، والقصيرة جدًا وجاء في 91 صفحة.
ويحملها الهدهد
واستهلت آل سيف الإصدار بعنوان "رسائل متأخرة"، مبينة أن هذه الرسائل جاءت متأخرة تحاول اللحاق بالزمن عبر جاذبية الحاضر والمستقبل، مبينة رمزية العنوان بقولها: "لطالما سمعنا في الأثر خبرًا عن هدهد متأخر، لكنه يحمل رسالة في غاية الأهمية، ترتئي المجموعة القصصية أن لكل شخص هدهدًا أيضًا؛ لذا جاء العنوان رسائل متأخرة، ومن خلال القصص يستطيع القارئ أن يقلب مرآتها نحو ذاته أو الآخرين إذا شاء؛ ليرى الرسالة الضمنية المهمة".
وأشارت إلى أن الإصدار احتضن بين دفتيه جنس القصة القصيرة الأدبية، والقصيرة جدًا، ومواضيعه جاءت متنوعة، وذلك في محاولة لطرح القضايا بوجهها الآخر من خلال مرآة معاكسة، وذكرت أنها أحيانًا كثيرة ترى أننا بحاجة إلى قلب الصورة؛ لنصدم الاعتياد، ومن ثم نشعر بمدى أهمية الصورة المعتدلة والكلمة الأخرى، قائلة: "لذلك قد تكون القصص قاسية مرّة، مستفزة وجريئة، فهي تتطرق إلى مشكلات الأسرة وتعرضها تحت عناوين تتأثر بها بالدرجة الأولى، كالفقد، والخيانة، والطلاق، واليتم، وكبر السن، والمرض، وبعضها يتجه نحو مشكلات العصر كالعزلة، والشهرة، والعنصرية، والحب، والوحدة".
وأفادت بأنها ًحاولت في المجموعة طرح تلك المواضيع بأسلوب يبتعد عن اللغة الخطابية والوعظية، واكتفت بدلالات وإشارات تستدر السؤال وتقبل التأويل.
وأجابت خلال حديثها لـ«القطيف اليوم» عن سؤال مفاده ماذا يعالج الإصدار؟ بقولها: إنني أعتقد أن الأدب ليس بالضرورة يقدم الإصلاح وللكاتبة الفرنسية آني إرنو رأي جميل أجد أنني أتفق معها فيه؛ إذ تقول: "ليس وظيفة الكتابة أو نتاجها طمس جرح أو علاجه، إنما إعطاؤه معنًى وقيمة، وجعله في النهاية لا ينسى".
الكاتب والآخر
وبين علاقة الكاتب بالآخر، سواء أكان هذا الآخر إنسانًا أو مواقف حياتية، أو جغرافية المكان، والتي تختصرها البيئة بكل ألوانها، تشير إلى أنه لا يستطيع الكاتب أن يكتب بمعزل عن الآخرين سواء أكانوا قريبين منه أو بعيدين عنه، كما ليس بمقدوره أن يسلخ نفسه من نصه، سيما إذا كانت الأحداث المعروضة تتقاطع مع جزء من تجربته أو مشاعره، وعليه أن يمزج كل ذلك بذكاء مدروس، حتى يجيد قواعد اللعبة، ثم لن يكون لزامًا عليه أن ينكر معرفته بالأحداث أو الأشخاص أو يثبتهم.
وأضافت أن الشخصيات في درامية القصص تأتي تباعًا من الحياة بمجمل فصولها وتفاصيلها، حيث تقول: "الناس الذين يراوغون الثوابت يلوون أيدي القدر ويلتفون حول ذاتهم وما يحقق لهم رغبتهم فقط، تستفزني حكاياتهم، فأجدني أحفر في جذورهم حتى أصل إلى الدوافع الفعلية، وإلى التأثير الذي يتركونه من ألم أو معاناة فيمن حولهم"، وأردفت: "أما الآخرون فهم البسطاء الذين خلقهم الله، ليأتوا على دنيانا خفافًا ويذهبون خفافًا، أبحث في أعينهم عن الحياة، أحب أن أرى انعكاسها في حدقاتهم، كيف يتيهون في صرامتها، كيف يحملون ثقلها، سيما المتوحدون والمتراجعون ذهنيًا، والذين كثيرًا ما وجدت أني أصادفهم أو أن الله يسوق قصصهم إلى طريقي، فأحتفظ بتفاصيل تخصهم في ذاكرتي".
بدايتها الأبجدية
وفي ذات السياق تحدثت الكاتبة آل سيف عن حيثيات بدايتها في عالم الكتابة وخاصة كتابة القصة، حيث قالت: "إذا تكلمنا عن الكتابة الأدبية الجادة أستطيع أن أقول إنها بدأت فعليًا منذ زمن قريب، وما كان قبلها، فهي قصاصات مختبئة في أدراجي، لم أشأ لها الخروج، لكني أدين لها باختمار التجربة، فنشأت منذ أن راودت الأفكار، وصرت أُذكي جذوتها بالقراءة، فإن استفزتني كتبت عنها مقالًا، وإن أمتعتني كتبت عنها قصة، وأنا أقرأ أكثر مما أكتب، وأرسم الوجوه على الورق وأهرب منها في الواقع، وأحب اقتناء دفاتر المذكرات واللوحات".
حكايات أمي
وعن اختيارها هذا الفن من الكتابة القصصية أجابت بأنها تشعر أن الكتابة القصصية تشبهها، فهي شديدة التركيز، قليلة الجمل، موجزة الفكرة، تطلب المعنى، تشذب نفسها باستمرار وإلا فلن تنجح، منوهة بأنها قلقة إزاء روح العصر، وتلاحق سرعته قدر ما تستطيع.
وبيّنت أن القصة التي جرّت القصة، تأتي من خلال أمها، وقالت: "لايزال يتردد في مسمع المرء صوت أمه، وهي تسرد له الحكايات مهما بلغ من العمر، فكيف إذا بها حكاية الحياة كلها، هذه الحكاية التي جعلت من سعيد بنكراد يقول حينما يذكر جدته: لقد أدركت بالحكاية وحدها سر الكون"، وأضافت: "أمي لديها ملكة سرد مدهشة، إنها تجعل من المشوار القصير مشهدًا تقتنص منه حكمة في الحياة، ومن السفر في عطلة صيفية ارتحالًا عبر رواية من فصول، ولن تتخيل كم أشتهي أن أكتب قصة بعد أن تنتهي أمي من تعليمي وصفة غداء شهية، وكم أتوق لكتابة سيرة بعدما تجري الذكريات البعيدة على لسانها بشكل دقيق".
وأكملت حديثها عن أمها قائلة: "تمنح أمي للأشياء التي تمر بها التفاصيل، كأن تشير بإصبعها إلى الأرصفة المهملة، وتدعوني لأنظر إلى شقوقها التي تنبثق منها زهرات نوير صغيرة، أو تضع بيدي علبة عطر بداخلها نقود أدفع بها إلى أحدهم قد لاحظت حاجته من شكل ملابسه، أمي دائمًا ترفع نظرها للسماء لا لتدعو فقط، بل لتنظر في جمال المدن، والأماكن، والآفاق البعيدة، والطيور التي ترقد في أكناف الشجر، وتحكي لي ذلك، وتشدد على حضور ذهني"، وأكدت أنها لم تقم بإحضارها للحياة كجسد مادي، بل أحضرت كل حواسها وجعلتها يقظة.
وأوضحت أن أمها لم تكن حكاءة وكفى، لكنها تستقرئ الحدث والموقف ومآلاته بذكاء وحكمة، وعلى الرغم من أنها أرادت لها أن تكون طبيبة منذ أن كانت صغيرة، لكن بعد كل الذي فعلته، لا يمكن أن يورث هذا في نفس طفلة لها قابلية على الكتابة إلا أن تكتب قصصًا.
وعن علاقتها بالقراءة، وكيف تجدها كعامل مثرٍ له فاعليته على الكاتب؟ ذكرت أن الحديث عن القراءة حديث طوله بطول عمرها إن شاءت أن تصفه، وأما ما يخص فاعليته على الكتابة فتجد أنه يجب على القارئ الجيد أن يصنع لنفسه شخصية قرائية -إن صح التعبير-، عن طريق تدوين رأيه الخاص فيما قرأ والعمل على مناقشتها، وإملاء آرائه وتساؤلاته عليها.
وعلقت قائلة: "لقد تعلمت ذلك من والدتي، حيث كان لها رف في مكتبتها خاص بتدويناتها حول التسجيلات الصوتية التي تسمعها أو الكتب التي تقرأها وتضمينها ملاحظاتها وأفكارها، في وقت متسارع يسرقنا من كل شيء حتى القراءة التي نقرأها تغادر مع الانشغالات، لقد وجدت أن هذه الطريقة هي المثلى في أن تعمل القراءة فاعليتها على ما أكتب".
المنتج الإبداعي
وترى الكاتبة آل سيف أن كل نص ناجح وقادر على أن يصل للقارئ بمتعته ومغزاه ولغته ويتقاطع مع أفكاره هو نص مؤثر، وبالنسبة لها فهي لا تنظر كثيرًا في الأسماء، إنما يهمها المنتج الإبداعي، فبه تتأثر ومنه تتعلم.
ويتسلل إلى آل سيف الإلهام من الحالة الشعورية التي تنتابها بعد أن يدور حوار فكري بينها وبين أحدهم حول كتاب جميل أو أن يكون ذلك في أمسية ثقافية جادة، أو بعد أن تنتهي من مشاهدة لقاء مع شخصية أدبية ناجحة، وقالت: "كثيرًا ما تقفز أصابعي إلى لوحة المفاتيح بعد أن ألتقي نماذج لشخصيات أدبية سواء من مجتمعي أو من العالم العربي، والتي تسعى لنشر الثقافة والأدب وتعليمه بصدق وإخلاص، فهؤلاء الشخصيات إنما يشعلون بداخلك حب الأدب وجدواه، حينها تشعر بأهمية رسالتك في الحياة، وعليك أن تذهب وتحققها بالفعل، إن ثمة شعور يصفه أرسطو بالتطهر أو التنقية ينتابنا إزاء لوحة فنية أو قصيدة أو معزوفة ما، أنا أشعره في المواقف".
الإحباط والتردد
وكشفت أنها لم تتعرض لموقف جعلها تشعر بالإحباط، إلاّ أن هناك أمرًا واحدًا كان يسرب لها التردد باستمرار تجاه ما تنشر وتكتب، وهو حينما تنتهي من قراءة كتابة متقنة على مستوى الفنيات والفكرة والرسالة تجد نفسها وكتابتها كنجمة صغيرة في مجرة ساطعة يستحيل عليها مجابهة الضوء، وقالت: "لكنني سرعان ما أهدأ حين أقرأ عن بدايات الكُتّاب، وكيف بدأت رحلتهم، كيف أنهم يجدون الكتابة عملًا شاقًا، يتأتى بالدربة والتجريب، وهو عمل يستدعي المعاناة من أجل أول ومضة في الطريق".
وأردفت قائلة: "قال لي أحد الأدباء ذات لقاء، هي خطوة عليكِ أن تخطيها بكل ثغراتها التي تظنين، وعليكِ أن تستمري في الكتابة، فهذه الخطوة هي التي ستعلمكِ كيف ترتقين بقية السلم، ومن هذا وذاك حاولت التغلب على التردد أو الإحباط".
وتكلمت عن اللحظة التي أرادت أن ترى فيها أوراق إصدارها على هذه الأرفف قائلة: "على الرغم من تشجيع كل من حولي لي بأن أخرج إصدارًا قصصيًا أو مقاليًا منذ أن بدأت الكتابة والنشر على صفحاتي الإلكترونية، ومن بعدها أقيمت لي أمسيات قصصية، لكن لم يكن همي إلا أن أتحرر من زهوة الأرفف والاسم، ثم يكون الإصدار بمثابة جواز ثقافي صالح للعبور إلى عالم الكتابة الجادة، لذا كان عليّ أن أتريث حتى هذا الوقت الذي شعرت أنه مناسبًا؛ ليعانق الضوء وأرجو أن أكون قد وفقت في ذلك".
طموح ونصيحة
وأكدت أن كلمتي الطموح والحدود كلمتان لا تتقطاعان أبدًا وأن طموحها يمتد مع امتداد أيامها، وتحاول دائمًا أن تدرسه بخطوات متريثة، وبشكل جيد، وذكرت أن الإصدار الأول قد يكون عتبة الوصول الأولى، سائلة الله التوفيق والسداد في القادم.
ونصحت كل يراع سواء أكان في بدايته أو مستغرقًا في خطواته في عالم الإبداع بالحرص على الفهم الجيد، واستيعاب عملية الكتابة من خلال أداوتها، ومداخلها ومخارجها الفنية، والقراءة مطولًا في الكتب التي تعلم فن الكتابة، وأوضحت أنها أشبه بورشات مصغرة، والقراءة في منتجات هذه الكتابة، والقدرة على الحذف والإعادة ثم الكتابة من جديد، منوهة بأن الاعتماد على الموهبة وحدها لا يكفي، بالنسبة للمبتدئ، أما المستغرق فلا يأخذه العجب، وتزكية قلمه على الآخرين، وعلى القراءات المختلفة.
كغيمة ماطرة
وفي ختام حديثها، ذكرت الكاتبة طاهرة آل سيف أن الكثير سألوها لماذا لم ترسمي غلاف الكتاب بنفسك كونها رسامة، وكانت لها تجارب في رسم أغلفة كتب وأفكار، موضحة أنها اختارت غلاف الكتاب من لوحات الفنانة السعودية مهدية آل طالب من ضمن مجموعتها الفنية التي أسمتها "رسائل أمي"، وقالت: "المجموعة لفتت انتباهي لعوالمها السردية، وتعالقها مع فضاءات تخص الذاكرة والتراث والخيالات الملهمة، لذا لم أستطع في الحقيقة تخطي هذه اللوحة لما وجدت بها من انعكاس لكثير من أفكار المجموعة القصصية، فأكرمتني الفنانة مهدية بقبول طلبي، وغمرتني بتواضعها وحفاوتها ورفعة أخلاقها".
وبعثت آل سيف المنحدرة من مدينة صفوى بمحافظة القطيف شكرًا خاصًا لكل من رأى نورًا بين أحرفها وأراها إياه لتتبعه إلى طريق الكتابة والنشر.
ويحملها الهدهد
واستهلت آل سيف الإصدار بعنوان "رسائل متأخرة"، مبينة أن هذه الرسائل جاءت متأخرة تحاول اللحاق بالزمن عبر جاذبية الحاضر والمستقبل، مبينة رمزية العنوان بقولها: "لطالما سمعنا في الأثر خبرًا عن هدهد متأخر، لكنه يحمل رسالة في غاية الأهمية، ترتئي المجموعة القصصية أن لكل شخص هدهدًا أيضًا؛ لذا جاء العنوان رسائل متأخرة، ومن خلال القصص يستطيع القارئ أن يقلب مرآتها نحو ذاته أو الآخرين إذا شاء؛ ليرى الرسالة الضمنية المهمة".
وأشارت إلى أن الإصدار احتضن بين دفتيه جنس القصة القصيرة الأدبية، والقصيرة جدًا، ومواضيعه جاءت متنوعة، وذلك في محاولة لطرح القضايا بوجهها الآخر من خلال مرآة معاكسة، وذكرت أنها أحيانًا كثيرة ترى أننا بحاجة إلى قلب الصورة؛ لنصدم الاعتياد، ومن ثم نشعر بمدى أهمية الصورة المعتدلة والكلمة الأخرى، قائلة: "لذلك قد تكون القصص قاسية مرّة، مستفزة وجريئة، فهي تتطرق إلى مشكلات الأسرة وتعرضها تحت عناوين تتأثر بها بالدرجة الأولى، كالفقد، والخيانة، والطلاق، واليتم، وكبر السن، والمرض، وبعضها يتجه نحو مشكلات العصر كالعزلة، والشهرة، والعنصرية، والحب، والوحدة".
وأفادت بأنها ًحاولت في المجموعة طرح تلك المواضيع بأسلوب يبتعد عن اللغة الخطابية والوعظية، واكتفت بدلالات وإشارات تستدر السؤال وتقبل التأويل.
وأجابت خلال حديثها لـ«القطيف اليوم» عن سؤال مفاده ماذا يعالج الإصدار؟ بقولها: إنني أعتقد أن الأدب ليس بالضرورة يقدم الإصلاح وللكاتبة الفرنسية آني إرنو رأي جميل أجد أنني أتفق معها فيه؛ إذ تقول: "ليس وظيفة الكتابة أو نتاجها طمس جرح أو علاجه، إنما إعطاؤه معنًى وقيمة، وجعله في النهاية لا ينسى".
الكاتب والآخر
وبين علاقة الكاتب بالآخر، سواء أكان هذا الآخر إنسانًا أو مواقف حياتية، أو جغرافية المكان، والتي تختصرها البيئة بكل ألوانها، تشير إلى أنه لا يستطيع الكاتب أن يكتب بمعزل عن الآخرين سواء أكانوا قريبين منه أو بعيدين عنه، كما ليس بمقدوره أن يسلخ نفسه من نصه، سيما إذا كانت الأحداث المعروضة تتقاطع مع جزء من تجربته أو مشاعره، وعليه أن يمزج كل ذلك بذكاء مدروس، حتى يجيد قواعد اللعبة، ثم لن يكون لزامًا عليه أن ينكر معرفته بالأحداث أو الأشخاص أو يثبتهم.
وأضافت أن الشخصيات في درامية القصص تأتي تباعًا من الحياة بمجمل فصولها وتفاصيلها، حيث تقول: "الناس الذين يراوغون الثوابت يلوون أيدي القدر ويلتفون حول ذاتهم وما يحقق لهم رغبتهم فقط، تستفزني حكاياتهم، فأجدني أحفر في جذورهم حتى أصل إلى الدوافع الفعلية، وإلى التأثير الذي يتركونه من ألم أو معاناة فيمن حولهم"، وأردفت: "أما الآخرون فهم البسطاء الذين خلقهم الله، ليأتوا على دنيانا خفافًا ويذهبون خفافًا، أبحث في أعينهم عن الحياة، أحب أن أرى انعكاسها في حدقاتهم، كيف يتيهون في صرامتها، كيف يحملون ثقلها، سيما المتوحدون والمتراجعون ذهنيًا، والذين كثيرًا ما وجدت أني أصادفهم أو أن الله يسوق قصصهم إلى طريقي، فأحتفظ بتفاصيل تخصهم في ذاكرتي".
بدايتها الأبجدية
وفي ذات السياق تحدثت الكاتبة آل سيف عن حيثيات بدايتها في عالم الكتابة وخاصة كتابة القصة، حيث قالت: "إذا تكلمنا عن الكتابة الأدبية الجادة أستطيع أن أقول إنها بدأت فعليًا منذ زمن قريب، وما كان قبلها، فهي قصاصات مختبئة في أدراجي، لم أشأ لها الخروج، لكني أدين لها باختمار التجربة، فنشأت منذ أن راودت الأفكار، وصرت أُذكي جذوتها بالقراءة، فإن استفزتني كتبت عنها مقالًا، وإن أمتعتني كتبت عنها قصة، وأنا أقرأ أكثر مما أكتب، وأرسم الوجوه على الورق وأهرب منها في الواقع، وأحب اقتناء دفاتر المذكرات واللوحات".
حكايات أمي
وعن اختيارها هذا الفن من الكتابة القصصية أجابت بأنها تشعر أن الكتابة القصصية تشبهها، فهي شديدة التركيز، قليلة الجمل، موجزة الفكرة، تطلب المعنى، تشذب نفسها باستمرار وإلا فلن تنجح، منوهة بأنها قلقة إزاء روح العصر، وتلاحق سرعته قدر ما تستطيع.
وبيّنت أن القصة التي جرّت القصة، تأتي من خلال أمها، وقالت: "لايزال يتردد في مسمع المرء صوت أمه، وهي تسرد له الحكايات مهما بلغ من العمر، فكيف إذا بها حكاية الحياة كلها، هذه الحكاية التي جعلت من سعيد بنكراد يقول حينما يذكر جدته: لقد أدركت بالحكاية وحدها سر الكون"، وأضافت: "أمي لديها ملكة سرد مدهشة، إنها تجعل من المشوار القصير مشهدًا تقتنص منه حكمة في الحياة، ومن السفر في عطلة صيفية ارتحالًا عبر رواية من فصول، ولن تتخيل كم أشتهي أن أكتب قصة بعد أن تنتهي أمي من تعليمي وصفة غداء شهية، وكم أتوق لكتابة سيرة بعدما تجري الذكريات البعيدة على لسانها بشكل دقيق".
وأكملت حديثها عن أمها قائلة: "تمنح أمي للأشياء التي تمر بها التفاصيل، كأن تشير بإصبعها إلى الأرصفة المهملة، وتدعوني لأنظر إلى شقوقها التي تنبثق منها زهرات نوير صغيرة، أو تضع بيدي علبة عطر بداخلها نقود أدفع بها إلى أحدهم قد لاحظت حاجته من شكل ملابسه، أمي دائمًا ترفع نظرها للسماء لا لتدعو فقط، بل لتنظر في جمال المدن، والأماكن، والآفاق البعيدة، والطيور التي ترقد في أكناف الشجر، وتحكي لي ذلك، وتشدد على حضور ذهني"، وأكدت أنها لم تقم بإحضارها للحياة كجسد مادي، بل أحضرت كل حواسها وجعلتها يقظة.
وأوضحت أن أمها لم تكن حكاءة وكفى، لكنها تستقرئ الحدث والموقف ومآلاته بذكاء وحكمة، وعلى الرغم من أنها أرادت لها أن تكون طبيبة منذ أن كانت صغيرة، لكن بعد كل الذي فعلته، لا يمكن أن يورث هذا في نفس طفلة لها قابلية على الكتابة إلا أن تكتب قصصًا.
وعن علاقتها بالقراءة، وكيف تجدها كعامل مثرٍ له فاعليته على الكاتب؟ ذكرت أن الحديث عن القراءة حديث طوله بطول عمرها إن شاءت أن تصفه، وأما ما يخص فاعليته على الكتابة فتجد أنه يجب على القارئ الجيد أن يصنع لنفسه شخصية قرائية -إن صح التعبير-، عن طريق تدوين رأيه الخاص فيما قرأ والعمل على مناقشتها، وإملاء آرائه وتساؤلاته عليها.
وعلقت قائلة: "لقد تعلمت ذلك من والدتي، حيث كان لها رف في مكتبتها خاص بتدويناتها حول التسجيلات الصوتية التي تسمعها أو الكتب التي تقرأها وتضمينها ملاحظاتها وأفكارها، في وقت متسارع يسرقنا من كل شيء حتى القراءة التي نقرأها تغادر مع الانشغالات، لقد وجدت أن هذه الطريقة هي المثلى في أن تعمل القراءة فاعليتها على ما أكتب".
المنتج الإبداعي
وترى الكاتبة آل سيف أن كل نص ناجح وقادر على أن يصل للقارئ بمتعته ومغزاه ولغته ويتقاطع مع أفكاره هو نص مؤثر، وبالنسبة لها فهي لا تنظر كثيرًا في الأسماء، إنما يهمها المنتج الإبداعي، فبه تتأثر ومنه تتعلم.
ويتسلل إلى آل سيف الإلهام من الحالة الشعورية التي تنتابها بعد أن يدور حوار فكري بينها وبين أحدهم حول كتاب جميل أو أن يكون ذلك في أمسية ثقافية جادة، أو بعد أن تنتهي من مشاهدة لقاء مع شخصية أدبية ناجحة، وقالت: "كثيرًا ما تقفز أصابعي إلى لوحة المفاتيح بعد أن ألتقي نماذج لشخصيات أدبية سواء من مجتمعي أو من العالم العربي، والتي تسعى لنشر الثقافة والأدب وتعليمه بصدق وإخلاص، فهؤلاء الشخصيات إنما يشعلون بداخلك حب الأدب وجدواه، حينها تشعر بأهمية رسالتك في الحياة، وعليك أن تذهب وتحققها بالفعل، إن ثمة شعور يصفه أرسطو بالتطهر أو التنقية ينتابنا إزاء لوحة فنية أو قصيدة أو معزوفة ما، أنا أشعره في المواقف".
الإحباط والتردد
وكشفت أنها لم تتعرض لموقف جعلها تشعر بالإحباط، إلاّ أن هناك أمرًا واحدًا كان يسرب لها التردد باستمرار تجاه ما تنشر وتكتب، وهو حينما تنتهي من قراءة كتابة متقنة على مستوى الفنيات والفكرة والرسالة تجد نفسها وكتابتها كنجمة صغيرة في مجرة ساطعة يستحيل عليها مجابهة الضوء، وقالت: "لكنني سرعان ما أهدأ حين أقرأ عن بدايات الكُتّاب، وكيف بدأت رحلتهم، كيف أنهم يجدون الكتابة عملًا شاقًا، يتأتى بالدربة والتجريب، وهو عمل يستدعي المعاناة من أجل أول ومضة في الطريق".
وأردفت قائلة: "قال لي أحد الأدباء ذات لقاء، هي خطوة عليكِ أن تخطيها بكل ثغراتها التي تظنين، وعليكِ أن تستمري في الكتابة، فهذه الخطوة هي التي ستعلمكِ كيف ترتقين بقية السلم، ومن هذا وذاك حاولت التغلب على التردد أو الإحباط".
وتكلمت عن اللحظة التي أرادت أن ترى فيها أوراق إصدارها على هذه الأرفف قائلة: "على الرغم من تشجيع كل من حولي لي بأن أخرج إصدارًا قصصيًا أو مقاليًا منذ أن بدأت الكتابة والنشر على صفحاتي الإلكترونية، ومن بعدها أقيمت لي أمسيات قصصية، لكن لم يكن همي إلا أن أتحرر من زهوة الأرفف والاسم، ثم يكون الإصدار بمثابة جواز ثقافي صالح للعبور إلى عالم الكتابة الجادة، لذا كان عليّ أن أتريث حتى هذا الوقت الذي شعرت أنه مناسبًا؛ ليعانق الضوء وأرجو أن أكون قد وفقت في ذلك".
طموح ونصيحة
وأكدت أن كلمتي الطموح والحدود كلمتان لا تتقطاعان أبدًا وأن طموحها يمتد مع امتداد أيامها، وتحاول دائمًا أن تدرسه بخطوات متريثة، وبشكل جيد، وذكرت أن الإصدار الأول قد يكون عتبة الوصول الأولى، سائلة الله التوفيق والسداد في القادم.
ونصحت كل يراع سواء أكان في بدايته أو مستغرقًا في خطواته في عالم الإبداع بالحرص على الفهم الجيد، واستيعاب عملية الكتابة من خلال أداوتها، ومداخلها ومخارجها الفنية، والقراءة مطولًا في الكتب التي تعلم فن الكتابة، وأوضحت أنها أشبه بورشات مصغرة، والقراءة في منتجات هذه الكتابة، والقدرة على الحذف والإعادة ثم الكتابة من جديد، منوهة بأن الاعتماد على الموهبة وحدها لا يكفي، بالنسبة للمبتدئ، أما المستغرق فلا يأخذه العجب، وتزكية قلمه على الآخرين، وعلى القراءات المختلفة.
كغيمة ماطرة
وفي ختام حديثها، ذكرت الكاتبة طاهرة آل سيف أن الكثير سألوها لماذا لم ترسمي غلاف الكتاب بنفسك كونها رسامة، وكانت لها تجارب في رسم أغلفة كتب وأفكار، موضحة أنها اختارت غلاف الكتاب من لوحات الفنانة السعودية مهدية آل طالب من ضمن مجموعتها الفنية التي أسمتها "رسائل أمي"، وقالت: "المجموعة لفتت انتباهي لعوالمها السردية، وتعالقها مع فضاءات تخص الذاكرة والتراث والخيالات الملهمة، لذا لم أستطع في الحقيقة تخطي هذه اللوحة لما وجدت بها من انعكاس لكثير من أفكار المجموعة القصصية، فأكرمتني الفنانة مهدية بقبول طلبي، وغمرتني بتواضعها وحفاوتها ورفعة أخلاقها".
وبعثت آل سيف المنحدرة من مدينة صفوى بمحافظة القطيف شكرًا خاصًا لكل من رأى نورًا بين أحرفها وأراها إياه لتتبعه إلى طريق الكتابة والنشر.



