12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

كيف تحول مطبخنا الصغير إلى مطعمٍ كبير؟!

أيامنا تجري والعمر معها يجري فهذا شهر نيسان/أبريل 2024م انقضى ووصلنا اليوم الأول من شهر أيار/مايو 2024م وكان يومًا ماطرًا على غير العادة. أستغرب كثيرًا فلا أتذكر مطرًا بهذه القوة والغزارة في شهر مايو! أجواء يصلح فيها موقد وإبريق شاي واستراحة منزل. في مثل هذه الأجواء كنا نلعب ونجري في الشوارع والأزقة وبين النخيل أيام الطفولة ولا بأس ببعض الوحل والطين. زمنّ مرّ فلا من يبكي عليه ولكل زمان دولة ورجال!

في سنوات طفولتي وطفولة أغلب أبناء جيلي - إلا الأغنياء منهم وهم قلة - وجبة الأكل كانت دفعة واحدة. يجلس الذكور على سفرة والإناث على سفرة أخرى. الوجبة عادة ما تكون أرزًا مع إدام من اللحم أو السمك أو الدجاج. لا يفضل من الوجبة شيء والجميع يقوم نصف ممتلئ البطن. الكل يحضر ولا يعتذر أحد عن الأكل لأنه يعرف يقينًا أن نصيبه من الطعام يأكله فرد آخر. تتوقف كل المنازعات والمشاكسات خوفًا من الحرمان من الوجبة. لا يبقى من الصحن ولا حبة واحدة.

تحسن اقتصاد الأسرة حتى وصلنا إلى كلّ فرد له سفرة خاصة به. الأطفال: هذا يعجبني وهذا لا يعجبني، والكبار يأكلون متى ما حضروا. طعام "للدايت"، طعام لمن يحب اللحم، طعام لمن يحب الدجاج أو السمك وطعام من "الدليفري" من خارج المنزل.

انقلب مطبخنا الصغير رأسًا على عقب فصار مطعمًا يقدم خدمات الطعام الخاصة بذوق كل ساكن في الدار. تتعدد الأطباق وتتعدد الأذواق على سفرة فيها ما طابَ من ألوان الطعام. ومن المؤكد أن ما يزيد من الأكل شيء كثير، أكثر مما يؤكل في بعض الأحيان. يغير الاقتصاد أشياء كثيرة في المجتمعات وربما هو الأكثر سرعة في تغيير أنماط العيش. يغير العادات في الأكل واللباس والمسكن والمهن ومن يشك في تأثير الاقتصاد له أن يتصفح التاريخ، تاريخنا وتاريخ غيرنا، لكي يرى ضخامة تأثير الاقتصاد والمال.

ليست الفكرة مقارنة ماضٍ بحاضر أو تصحيح عاداتٍ غذائية، إنما التأكيد على أن الاقتصاد يؤسس لظهور عادات جديدة، ويساهم في موت أخرى. يؤثر في نومِ الناس ويَقظتهم وعلاقاتهم ببعضهم البعض وفي أسفارهم وما يركبون. يؤثر في ما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم ولا يستثني إلا القليل من الأفراد الذين لا يستطيع التأثير فيهم.

التغير في طريقة الأكل وفي كل شيء سُنّة كونية لكن لا يصل إلى حافة "البطر" وهي حالة يعتاد فيها الإنسان النعمة فلا تعود تسعده وتفرحه. إنما يأخذها مسلّمًا من المسلّمات واستحقاقًا من الاستحقاقات. على العاقل البصير ألا تبطره النعمة إنما تذكّره أن الأيام دول بين الناس؛ فقير الأمس غني اليوم، وغني اليوم الله وحده يعلم أين يكون في المستقبل!

الشكر والصلوات والدعوات لمن لم يجرفه تيار الغربة عن العادات السامية الجميلة.


error: المحتوي محمي