12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

مواجهة شرسة

ورد عن أمير المؤمنين (ع): العاقل عدو لذته (غرر الحكم 5957).

ما تلك اللذات التي يتخذ منها صاحب الفكر الواعي موقف الحذر والمواجهة والشراسة في التعامل والنظر فيها؟

إنها حالة الصراع والحرب المستمرة -ما دام الإنسان على قيد الحياة- بين عقله الرشيد الداعي إلى التأني والنباهة والنظر إلى عواقب الأمور قبل أن يتفوه بكلمة أو يقدم رجلًا في موقف أو اتخاذ قرار، وبين تحكم أهوائه وغرائزه في تسيير دفة أموره حين يكون مسلوب العقل وخاليًا من أي ممانعة في وجه المغريات، فتلك الغرائز والشهوات المتفلتة -بغض النظ لها بوجه ديني يمنعنا من السقوط في هاوية المحرمات والمخالفات الشرعية- نملك ميزانًا ومعيارًا صادقًا وواضحًا يعطينا النتائج الملموسة والمبينة للمعطيات التي نتعامل وفقها، إنه تاج العقل المحنك والناضج الذي يمثل دوره كقبس نور في دياجير ظلام الحياة فيقينا التعثر أو السقوط بسبب ضبابية الطريق، وهنا مفترق طرق عندما نريد تحديد موقف بين عقل ينير لنا دروب الحياة وكيفية مواجهة الصعاب والظروف القاهرة، وبين استجابة عمياء وسريعة لمشاعرنا والشعور بوهم الانتصار ونشوة تحقيق الذات الوهمية؛ لنتخذ من القرارات ما نندم بعده كثيرًا ونقف حينئذ على أطلال التوتر والقلق والانهيار النفسي.

والمهم في هذا البحث هو كيفية الانضواء خلف العقل الراجح والحكمة والهدوء النفسي وتحقيق ذلك على أرض الواقع، وهذه رحلة تمرينية وتدريبية تنطلق من تكوين الزاد العلمي والمعرفي من خلال القراءة والاطلاع على تجارب الآخرين، والاستماع لتلك الحكم والدرر التي تفوهت بها الشخصيات المتألقة ممن خبر الحياة، فأطلق بناء على ذلك مجموعة من التوجيهات والإرشادات في كيفية إدارة دفة أمورنا وحياتنا، والأمر الآخر هو التنبه إلى تلك العوامل والآفات التي تصبغ العقل بالغفلة والجهالة وتعطب دوره الوظيفي، فالإعجاب بالنفس -مثلًا- وانتفاخ الذات يبعدنا عن الحقائق ونعيش معه في أرض الأوهام البعيدة عن الحقائق، كما أنه يمنعنا من الاستفادة من خبرات الآخرين ومشوراتهم ونصائحهم (العقل الجمعي)، مما يجعلنا في معرض مهب ريح الصعاب وضعف القدرة على التحكم في قدراتنا والاتزان النفسي والوجداني، وكذا بالنسبة لبقية الآفات الأخلاقية كالأنانية والبخل وغيرها والتي تشكل نقاط ضعف تسقطنا في وحل النقيصة والمعايب.

والتعبير عن العلاقة مع اللذات المتفلتة بالعداوة تشييد لمبنى الاستعداد للقاء العدو بكل الأسلحة الممكنة، التي أهمها اليقظة والانتباه لما يؤدي إليه ارتكاب الموبقات من آثار وخيمة، كما أن حب النفس الإيجابي الذي ينطلق من مبدأ الثقة بالنفس بعد الاتكال على الله تعالى يعني شد الهمم وتقوية الإرادة لئلا أضعف في ساحة المواجهة مع المغريات والخطايا، ونصير المرء في تلك المواجهة التسلح بالصبر والنفس الطويل فلا يداخله اليأس يومًا إن سقط فإنه يعاود النهوض مجددًا.


error: المحتوي محمي