امتزجت كلمات حفظهما الأولى بآيات كتاب الله؛ طفلان لم يتجاوز عمرهما عمر الروضة لكن ذاكرتهما كانت تختزن من آيات القرآن بين دفتيها أكبر من ذلك العمر، حتى كبرا وكبر معهما تعلقهما بما غرسته الأسرة في قلبيهما من الحب لحفظ القرآن، وعلى الرغم من أنه لا رباط قربى يجمع الشاب العقيل حيدر الزاكي بالشبل علي محمد آل هاني فإن القرآن الكريم جمعهما، ليس فقط تحت سقف جمعية تراتيل الفجر بصفوى ليكونا من الطلبة المنتسبين لها، وإنما في تتويجهما بتاج حفظه كاملًا.
وكبدايتيهما المتشابهتين تقريبًا في حفظ أولى سوره المباركة، تشابه أيضًا تاريخ إكمال حفظهما كتاب الله، وتقلدهما وسام ذلك الشرف، فقد جمعتهما ليلتان من ليالي القدر المرتقبة في شهر رمضان المبارك، فكانت ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان 1445هـ تاريخ تتويج الشبل علي آل هاني بحفظ القرآن كاملًا، وليلة السابع والعشرين من ذات الشهر هي ليلة الاحتفاء بالشاب العقيل الزاكي لإكماله حفظ كتاب الله.
ولابني صفوى رحلتان منفصلتان مع القرآن الكريم، تسرد في سطور معدودة كلماتها، متنامية حسناتها وخيراتها.
العقيل الزاكي.. حافظ في الروضة
العقيل واحد بين أربعة إخوة كان هو ثانيهم، ومنذ صغر سنه لاحظت عليه والدته كريمان يونس المسري أنه كلما كانت تقرأ له قصار السور كان ينهي حفظها بصورة سريعة ملحوظة، فأولت عنايتها هذا الجانب، وما انتهت مرحلة الروضة إلا وهو قد حفظ جزء عم.
تقول المسيري لـ«القطيف اليوم»: في طفولته كان يحب أن يستمع إلى القراء الكبار ويردد الآيات، وكانت أول شهادة حصل عليها في الروضة لحفظه سورة يس.
على مقعدي دراسة
لأن الزهرة لا تنمو وتزهر إلا بالرعاية والاهتمام فإن والديّ "الزاكي" قررا أن يتعهدا ملكَة الحفظ لدى صغيرهما بالاهتمام وتوجيهها في طريق يحبه الله ويحب سالكه، فألحقاه بجمعية تراتيل الفجر وهو ما زال في الروضة، وهناك تعلم على يد الأستاذ ثابت حسن الكاظم.
وحتى لا يتراجع مستواه الدراسي كانت والدته تنظم له وقته فتنهي مذاكرته بعد عودته من المدرسة، وفي العصر تتوجه به إلى جمعية "تراتيل" حتى يصقل حفظه لكتاب الله.
ثلث يومه مزهر
خصصت له أسرته برنامجًا يوميًا لتعزز لديه حب قراءة كتاب الله وحفظه وتشجعه على الاستمرار في الحفظ، توضح والدته ذلك بقولها: "كان برنامج ابني يبدأ بالذهاب إلى المدرسة، وعند عودته يحاول الانتهاء من أعماله وواجباته المدرسية، ثم يذهب إلى الجمعية، أما ساعات يومه فنصيب كتاب الله فيها يوميًا من ثلاث إلى أربع ساعات في القراءة والحفظ".
بين مفترقي طرق.. طالبٌ ومعلم
كبر الطفل وارتقى درجات عليا في حفظ القرآن الكريم، وبعد أن التحق بجمعية تراتيل الفجر طفلًا في أولى مراحل عمره الدراسية، تحول في العام الماضي (1444هـ) إلى مساعد معلم فيها، وفي هذا العام أصبح معلمًا في الجمعية.
وحتى يتأكد للكل أن كتاب الله أحد أسباب التوفيق لقارئه وحافظه، فقد اتضح ذلك في شخصية الحافظ العقيل، فهو اليوم طالب في الصف الثالث ثانوي (مسار صحي)، وتقديره امتياز بنسبة عالية، وهو يطمح أن يصبح طبيبًا بعد تخرجه.
من دعاء والديه
بعد تتويجه بتاج حفظ القرآن الكريم كاملًا، وجه له والداه كلمة عبر «القطيف اليوم»، قالا فيها: "يا مَن ملأت صدرك بنفحات القرآن ونوَّرتَ روحك بآيات الله بارك الله لك ختمتك، وأنعم عليك من فضله، ورزقك العلم النافع والعمل الصالح، هنيئًا لك يا حافظ القرآن؛ فقد استعملك الله لحفظ آياته في الأرض، فكنت ممن حقق الله بهم وعده".
من إنجازاته
يعد العقيل الزاكي الحافظ التاسع في جمعية تراتيل الفجر، وخلال رحلته في حفظ القرآن الكريم حقق عددًا من الإنجازات، منها: المركز الأول في مسابقة مزامير آل داوود بالأحساء في حفظ جزأين عام 1437، والمركز الأول في حفظ 8 أجزاء في مسابقة المجلس القرآني المشترك عام 1444، والمركز الأول في مسابقة مضاوي الذكير بالدمام في حفظ سورة لقمان عام 1445، والمركز الأول في حفظ 10 أجزاء في تصفيات مسابقة وزير الرياضة على مستوى فرع مكتب وزارة الرياضة بالقطيف، والمركز الأول في حفظ 5 أجزاء في تصفيات مسابقة وزير الرياضة، والتأهل لمسابقة المدينة المنورة مرتين، وتحقيق المركز الثامن على مستوى المملكة في حفظ 5 أجزاء في المدينة المنورة، والمركز الثاني في مسابقة دار القرآن الكريم بالقطيف في حفظ 4 أجزاء عام 1436، والمركز الثالث في مسابقة لجان ومبرات الكويت الخليجية في حفظ 3 أجزاء عام 1438، والمركز الثالث في مسابقة ربيع القرآن الخليجية بالبحرين في حفظ سورة البقرة عام 1444.
القرآن يعطِّر طفولة علي آل هاني
ولد علي عام 1431 لوالدين كانا مهتمين بأن يؤسسا لغة طفلهما منذ عامه الأول، وقد اختارت والدته فاطمة حسين آل جعفر التي تعمل معلمة موهوبات بالابتدائية الثانية في صفوى، قصار سور القرآن الكريم وآية الكرسي كلبنة أولى في سبيل تأسيس لغة طفلها التي لاحظت تميزها، فضلًا عن دقة حفظه على الرغم من أنه لم يتجاوز الثالثة من عمره.
تقول: "كنت أردد معه أذكار ما قبل النوم، وحينها لاحظت أنه يسبقني في الذكر، وكانت بدايتنا من سورة التوحيد والمعوذتين وآية الكرسي، ثم في كل مرة نضيف سورة من سور جزء عم".
وتضيف: "ما جعلني أهتم بذلك هو أننا لاحظنا أنه منذ نعومة أظفاره كان يعيد بالتفصيل الدقيق أي شيء يسمعه أو يشاهده، كما أنه كان كثير الأسئلة والاستفسارات وتقديم الملاحظات، ويبدي رأيه فيما يسمع ويقرأ".
وتستشهد بإحدى القصص: "أذكر في إحدى المرات وهو بالصف الأول أثناء متابعة الحفظ توقف ليقول: ماما آية: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ} جميلة في النطق لكن الناس يخشون الجحيم ولا يريدونها".
حافظ بموهبة ملحوظة
حظي علي وهو طفل بملاحظة والدته لموهبته، فأخذت تنميها بإثارة خياله وسرد القصص المتنوعة، وقد كان للقصص والأسئلة القرآنية النصيب الأكبر، كما أن ملاحظة والدته تآخت مع ملاحظة معلماته في سنوات الروضة والتمهيدي، حيث ذكرن مرارًا هذه الملاحظة، فكان يذكر الكلمات التي تعلمها ويربطها بكلمات من محيطه فضلًا عن الدقة في ترتيب الأحداث والكلمات والصور، وقد استمرت هذه الملاحظة مع معلميه منذ التحاقه بالمدرسة وحتى اليوم.
مخارج الحروف تبعده عن أولى المسابقات
بدأت علاقة علي بالمسابقات منذ أن كان في مرحلة الروضة، حيث التحق بمسابقة لسورة النبأ وحفظها جيدًا، إلا أنه استثني من المشاركة لأن مخارج الحروف لم تتضح عنده، وقد خلقت تلك الحادثة تحديًا في داخله على الرغم من صغر سنه، حيث قرر أن يتميز في المسابقات التي تليها، وهذا ما حدث بالفعل، ففي مرحلة التمهيدي شارك في حفظ سورة الملك وحصد المركز الثاني.
نبوءة
تذكر والدته حادثة خاصة به، حيث تقول: "قبل رحيل ابن عمه الأستاذ أمين آل هاني، شهيد القرآن، ربت على كتفيه وقال له: أنت المستقبل في رفع اسم العائلة، شد الهمة وكان لهذه الكلمات أثر في نفسه".
في "تراتيل"
قبل المدرسة التحق الطفل "آل هاني" بدورة تابعة للجنة "تراتيل الفجر" قبل التحاقه بالصف الأول، وأشعل معلمه سلمان الداوود الفتيل ليكمل ما بدأه علي في مرحلة الروضة، ثم انضم كطالب منتظم في جمعية "تراتيل الفجر" بعد التحاقه بالمدرسة.
تقول والدته "آل جعفر": "بعد التحاقه باللجنة لم نجد أي صعوبة في تنظيم وقته، فقد كان حضوره للمدرسة يغنيه، فلم يحتج إلى المذاكرة المركزة، وإنما إثراء للمعلومات، والنصيب الأكبر من وقته يكون لكتاب الله، كما أنه يقرأ يوميًا في مجالات متعددة ليشبع فضوله، وما تبقى من الوقت يمارس فيه أنشطة مختلفة".
وعن برنامجه اليومي مع كتاب الله، توضح "آل جعفر": "يمضي يوميًا ما لا يقل عن ثلاث ساعات؛ بين مراجعة وحفظ جديد للقرآن الكريم، وتطوير مهارات التجويد، وقد تصل في بعض الأيام إلى 5 ساعات".
معلمو كتاب الله
تتلمذ علي في لجنة "تراتيل الفجر" على يد المعلم سلمان الداوود، وهو أيضًا معلمه في المدرسة، مما ضاعف الحماس عنده، وأصبح جهده مركزًا، كما ضبطت مخارج الحروف وتعلم التجويد وتشجع على الحفظ.
وبرز دور معلم القرآن الكريم حسين آل إبراهيم من لجنة "تراتيل الفجر" أيضًا في المتابعة والتحفيز المستمر له كأحد طلاب اللجنة، ولا يغفل والداه الدور الذي يقوم به جميع المعلمين بالمركز في المتابعة المستمرة والتصويب من خلال الحلقات اليومية؛ ومن بينهم؛ ثابت الكاظم، وكاظم الأسعد، ومحمد الداوود، ومحمد علوي آل حسن، كما كان لدرس المعلم مؤيد الحميدي دور في تطوير أسلوب التلاوة لديه.
ويواصل "آل هاني" الدراسة في جمعية "خيركم" بجدة مثله في ذلك مثل بقية طلاب "تراتيل الفجر" الذين ينتسبون لها، تحت إشراف المعلم محمد علي حسن أحمد.
يسبق عمره
أولى الخطوات الحقيقية لـ علي في حفظ الأجزاء، كانت في نهاية الصف الأول الابتدائي، حيث أتم حفظ جزأين، واليوم يحفظ 13 جزءًا، أي ما يزيد على سنوات عمره، وأيضًا يستعد للاختبار في جمعية خيركم خلال شهر رمضان المبارك.
الأسرة البنَّاء الأول
لم يتعالَ بنيان علي مع القرآن بيد معلميه فقط، بل كان لأسرته دور واضح في تنمية تلك الملَكَة العظيمة التي يمتلكها على الرغم من أنه ابن أوسط بين أختين، إلا أن والديه يخصصان له جزءًا غير قليل من وقتهما، فقد كانا يشاركانه الحفظ والمتابعة، وما يميز متابعتهما له أنها مقترنة بتفسير الآيات، كما اتبع والداه معه في التحفيز نظام الكتاتيب سابقًا، فكلما أنهى جزءًا أقاما احتفالًا خاصًا بهذه المناسبة، لتبدأ الأسرة جميعها الخطوة التالية مع ابنها بحماس أكبر.
هوايات ومواهب
يعشق "آل هاني" البرامج التي تتعلق بالديناصورات وعالم الحيوان كما يسرد معلوماتها بتفاصيل دقيقة، ويملك هوايات مختلفة، ولديه مهارات الإلقاء الخطابي والشعري، وهو أيضًا "موهوب" بالمعنى الحرفي للكلمة، فقد اجتاز مقياس موهبة المستوى الأول لعام 1440هـ بأعلى درجة في المملكة 833.
ولشدة تعلقه بالقرآن الكريم، صمم لعبة لوحية للتنافس في حفظ جزء عمّ يجري العمل على تطويرها لتكون جاهزة للعرض.
كحلم أمه
تقول والدة علي: "كان هدفنا أن يختم حفظ القرآن في يوم ميلاده، لكن تأخرنا بسبب بعض الظروف، فخططنا أن يتم حفظه ليلة العيد ومع ذلك تأخرنا، وعندما بشرني بفوزه بالمركز الأول في مسابقة ربيع القرآن، قلت له فرحتي تكتمل عندما تلبسني تاج الكرامة في ليلة القدر، فقال لي أبشري، واجتهد مضاعفًا، والحمد لله تحقق الإنجاز".
من كلام والديه
عن إنجاز ابنهما، اختصر والدا علي مشاعرهما وتهنئتهما له بكلمات صاغاها عبر «القطيف اليوم»، يقولان: "إذا رأيتَ شخصًا ناجحًا، فاعلم أنك ترى فقط النجاح؛ ولكنك لا ترى كل التضحيات التي قدمها هذا الشخص ليصل إلى النجاح، لذا تجد ابننا مع حفظة جمعية تراتيل الفجر يرددون دائمًا: "وفي ذَلكَ فَلْيتنَافَسِ المُتنافِسُون" لتخطي العقبات، ولتدفعهم نحو المزيد من التميز، بمساندة كبيرة من أساتذتهم، لا سيّما الأستاذ حسين؛ فكلماته كالسحر، لا ترفع همهم فقط بل يشحذ هممنا معهم عاليًا بسعيه الحثيث، يلتفت ويهتم بكل صغيرة وكبيرة تُسهم في تطورهم والارتقاء بهم، لنكمل المسير معهم لينالوا الرفعة بحفظ القرآن الكريم كاملًا. وندعو الله الكريم أن يُديم ويُتم علينا فضله وتوفيقه؛ لنستمر في تمهيد الطريق لِـ علي ليعلو بالقرآن".
مشاركات وإنجازات
فاز آل هاني بالمركز الثاني في مسابقة أمير منطقة الرياض عام 1443 في فرع 5 أجزاء، كما مثل مكتب وزارة الرياضة بالقطيف في مسابقة وزير الرياضة لحفظ القرآن والحديث في الحرم النبوي بالمدينة المنورة وحقق المركز السادس على مستوى المملكة، وفاز بالمركز الأول في مسابقة التلاوة المرتلة للمجلس القرآني المشترك بالقطيف والدمام للأشبال تحت 16 سنة، والمركز الأول في مسابقة حفظ 15 و20 و25 جزءًا في مسابقة الحفظ للمجلس القرآني المشترك بالقطيف والدمام المفتوحة، والمركز الثاني في مسابقة الحفظ الدولية (ربانيين) عن بعد من مصر في حفظ 15 جزءًا، بالإضافة إلى فوزه بمراكز متقدمة عديدة على مستوى المنطقة وعلى المستوى الخليجي والعالم الإسلامي في حفظ القرآن الكريم، وفوزه بالمركز الأول في مسابقة الحفظ ربيع القرآن بالبحرين لسنتين متتاليتين.
ومن إنجازاته أيضًا أنه اختبر أجزاء القرآن من 1 إلى 25 جزءًا في جمعية خيركم بجدة وحصل على درجة 100% في الاختبارات، كما أنه قدم أكثر من مئة حلقة من برنامج بيان وتبيان بصوته في التعريف بمعاني كلمات القرآن الكريم، وقدم برنامج يتدارسونه في فهم بعض آيات القرآن الكريم، والآن يقدم برنامج موسى الكليم في 30 حلقة.
أتم "آل هاني" حفظ القرآن الكريم في ليلة القدر من عام 1445هـ. وقد ختم كل القرآن على يد أستاذه مشرف جمعية تراتيل الفجر الأستاذ حسين محمد آل إبراهيم بعد أن تدرج على يد الأساتذة الفضلاء: الأستاذ سلمان آل داؤود، الأستاذ ثابت الكاظم، الأستاذ سجاد محمد المادح، الأستاذ مؤيد الحميدي.
.
العقيل الزاكي











علي آل هاني












وكبدايتيهما المتشابهتين تقريبًا في حفظ أولى سوره المباركة، تشابه أيضًا تاريخ إكمال حفظهما كتاب الله، وتقلدهما وسام ذلك الشرف، فقد جمعتهما ليلتان من ليالي القدر المرتقبة في شهر رمضان المبارك، فكانت ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان 1445هـ تاريخ تتويج الشبل علي آل هاني بحفظ القرآن كاملًا، وليلة السابع والعشرين من ذات الشهر هي ليلة الاحتفاء بالشاب العقيل الزاكي لإكماله حفظ كتاب الله.
ولابني صفوى رحلتان منفصلتان مع القرآن الكريم، تسرد في سطور معدودة كلماتها، متنامية حسناتها وخيراتها.
العقيل الزاكي.. حافظ في الروضة
العقيل واحد بين أربعة إخوة كان هو ثانيهم، ومنذ صغر سنه لاحظت عليه والدته كريمان يونس المسري أنه كلما كانت تقرأ له قصار السور كان ينهي حفظها بصورة سريعة ملحوظة، فأولت عنايتها هذا الجانب، وما انتهت مرحلة الروضة إلا وهو قد حفظ جزء عم.
تقول المسيري لـ«القطيف اليوم»: في طفولته كان يحب أن يستمع إلى القراء الكبار ويردد الآيات، وكانت أول شهادة حصل عليها في الروضة لحفظه سورة يس.
على مقعدي دراسة
لأن الزهرة لا تنمو وتزهر إلا بالرعاية والاهتمام فإن والديّ "الزاكي" قررا أن يتعهدا ملكَة الحفظ لدى صغيرهما بالاهتمام وتوجيهها في طريق يحبه الله ويحب سالكه، فألحقاه بجمعية تراتيل الفجر وهو ما زال في الروضة، وهناك تعلم على يد الأستاذ ثابت حسن الكاظم.
وحتى لا يتراجع مستواه الدراسي كانت والدته تنظم له وقته فتنهي مذاكرته بعد عودته من المدرسة، وفي العصر تتوجه به إلى جمعية "تراتيل" حتى يصقل حفظه لكتاب الله.
ثلث يومه مزهر
خصصت له أسرته برنامجًا يوميًا لتعزز لديه حب قراءة كتاب الله وحفظه وتشجعه على الاستمرار في الحفظ، توضح والدته ذلك بقولها: "كان برنامج ابني يبدأ بالذهاب إلى المدرسة، وعند عودته يحاول الانتهاء من أعماله وواجباته المدرسية، ثم يذهب إلى الجمعية، أما ساعات يومه فنصيب كتاب الله فيها يوميًا من ثلاث إلى أربع ساعات في القراءة والحفظ".
بين مفترقي طرق.. طالبٌ ومعلم
كبر الطفل وارتقى درجات عليا في حفظ القرآن الكريم، وبعد أن التحق بجمعية تراتيل الفجر طفلًا في أولى مراحل عمره الدراسية، تحول في العام الماضي (1444هـ) إلى مساعد معلم فيها، وفي هذا العام أصبح معلمًا في الجمعية.
وحتى يتأكد للكل أن كتاب الله أحد أسباب التوفيق لقارئه وحافظه، فقد اتضح ذلك في شخصية الحافظ العقيل، فهو اليوم طالب في الصف الثالث ثانوي (مسار صحي)، وتقديره امتياز بنسبة عالية، وهو يطمح أن يصبح طبيبًا بعد تخرجه.
من دعاء والديه
بعد تتويجه بتاج حفظ القرآن الكريم كاملًا، وجه له والداه كلمة عبر «القطيف اليوم»، قالا فيها: "يا مَن ملأت صدرك بنفحات القرآن ونوَّرتَ روحك بآيات الله بارك الله لك ختمتك، وأنعم عليك من فضله، ورزقك العلم النافع والعمل الصالح، هنيئًا لك يا حافظ القرآن؛ فقد استعملك الله لحفظ آياته في الأرض، فكنت ممن حقق الله بهم وعده".
من إنجازاته
يعد العقيل الزاكي الحافظ التاسع في جمعية تراتيل الفجر، وخلال رحلته في حفظ القرآن الكريم حقق عددًا من الإنجازات، منها: المركز الأول في مسابقة مزامير آل داوود بالأحساء في حفظ جزأين عام 1437، والمركز الأول في حفظ 8 أجزاء في مسابقة المجلس القرآني المشترك عام 1444، والمركز الأول في مسابقة مضاوي الذكير بالدمام في حفظ سورة لقمان عام 1445، والمركز الأول في حفظ 10 أجزاء في تصفيات مسابقة وزير الرياضة على مستوى فرع مكتب وزارة الرياضة بالقطيف، والمركز الأول في حفظ 5 أجزاء في تصفيات مسابقة وزير الرياضة، والتأهل لمسابقة المدينة المنورة مرتين، وتحقيق المركز الثامن على مستوى المملكة في حفظ 5 أجزاء في المدينة المنورة، والمركز الثاني في مسابقة دار القرآن الكريم بالقطيف في حفظ 4 أجزاء عام 1436، والمركز الثالث في مسابقة لجان ومبرات الكويت الخليجية في حفظ 3 أجزاء عام 1438، والمركز الثالث في مسابقة ربيع القرآن الخليجية بالبحرين في حفظ سورة البقرة عام 1444.
القرآن يعطِّر طفولة علي آل هاني
ولد علي عام 1431 لوالدين كانا مهتمين بأن يؤسسا لغة طفلهما منذ عامه الأول، وقد اختارت والدته فاطمة حسين آل جعفر التي تعمل معلمة موهوبات بالابتدائية الثانية في صفوى، قصار سور القرآن الكريم وآية الكرسي كلبنة أولى في سبيل تأسيس لغة طفلها التي لاحظت تميزها، فضلًا عن دقة حفظه على الرغم من أنه لم يتجاوز الثالثة من عمره.
تقول: "كنت أردد معه أذكار ما قبل النوم، وحينها لاحظت أنه يسبقني في الذكر، وكانت بدايتنا من سورة التوحيد والمعوذتين وآية الكرسي، ثم في كل مرة نضيف سورة من سور جزء عم".
وتضيف: "ما جعلني أهتم بذلك هو أننا لاحظنا أنه منذ نعومة أظفاره كان يعيد بالتفصيل الدقيق أي شيء يسمعه أو يشاهده، كما أنه كان كثير الأسئلة والاستفسارات وتقديم الملاحظات، ويبدي رأيه فيما يسمع ويقرأ".
وتستشهد بإحدى القصص: "أذكر في إحدى المرات وهو بالصف الأول أثناء متابعة الحفظ توقف ليقول: ماما آية: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ} جميلة في النطق لكن الناس يخشون الجحيم ولا يريدونها".
حافظ بموهبة ملحوظة
حظي علي وهو طفل بملاحظة والدته لموهبته، فأخذت تنميها بإثارة خياله وسرد القصص المتنوعة، وقد كان للقصص والأسئلة القرآنية النصيب الأكبر، كما أن ملاحظة والدته تآخت مع ملاحظة معلماته في سنوات الروضة والتمهيدي، حيث ذكرن مرارًا هذه الملاحظة، فكان يذكر الكلمات التي تعلمها ويربطها بكلمات من محيطه فضلًا عن الدقة في ترتيب الأحداث والكلمات والصور، وقد استمرت هذه الملاحظة مع معلميه منذ التحاقه بالمدرسة وحتى اليوم.
مخارج الحروف تبعده عن أولى المسابقات
بدأت علاقة علي بالمسابقات منذ أن كان في مرحلة الروضة، حيث التحق بمسابقة لسورة النبأ وحفظها جيدًا، إلا أنه استثني من المشاركة لأن مخارج الحروف لم تتضح عنده، وقد خلقت تلك الحادثة تحديًا في داخله على الرغم من صغر سنه، حيث قرر أن يتميز في المسابقات التي تليها، وهذا ما حدث بالفعل، ففي مرحلة التمهيدي شارك في حفظ سورة الملك وحصد المركز الثاني.
نبوءة
تذكر والدته حادثة خاصة به، حيث تقول: "قبل رحيل ابن عمه الأستاذ أمين آل هاني، شهيد القرآن، ربت على كتفيه وقال له: أنت المستقبل في رفع اسم العائلة، شد الهمة وكان لهذه الكلمات أثر في نفسه".
في "تراتيل"
قبل المدرسة التحق الطفل "آل هاني" بدورة تابعة للجنة "تراتيل الفجر" قبل التحاقه بالصف الأول، وأشعل معلمه سلمان الداوود الفتيل ليكمل ما بدأه علي في مرحلة الروضة، ثم انضم كطالب منتظم في جمعية "تراتيل الفجر" بعد التحاقه بالمدرسة.
تقول والدته "آل جعفر": "بعد التحاقه باللجنة لم نجد أي صعوبة في تنظيم وقته، فقد كان حضوره للمدرسة يغنيه، فلم يحتج إلى المذاكرة المركزة، وإنما إثراء للمعلومات، والنصيب الأكبر من وقته يكون لكتاب الله، كما أنه يقرأ يوميًا في مجالات متعددة ليشبع فضوله، وما تبقى من الوقت يمارس فيه أنشطة مختلفة".
وعن برنامجه اليومي مع كتاب الله، توضح "آل جعفر": "يمضي يوميًا ما لا يقل عن ثلاث ساعات؛ بين مراجعة وحفظ جديد للقرآن الكريم، وتطوير مهارات التجويد، وقد تصل في بعض الأيام إلى 5 ساعات".
معلمو كتاب الله
تتلمذ علي في لجنة "تراتيل الفجر" على يد المعلم سلمان الداوود، وهو أيضًا معلمه في المدرسة، مما ضاعف الحماس عنده، وأصبح جهده مركزًا، كما ضبطت مخارج الحروف وتعلم التجويد وتشجع على الحفظ.
وبرز دور معلم القرآن الكريم حسين آل إبراهيم من لجنة "تراتيل الفجر" أيضًا في المتابعة والتحفيز المستمر له كأحد طلاب اللجنة، ولا يغفل والداه الدور الذي يقوم به جميع المعلمين بالمركز في المتابعة المستمرة والتصويب من خلال الحلقات اليومية؛ ومن بينهم؛ ثابت الكاظم، وكاظم الأسعد، ومحمد الداوود، ومحمد علوي آل حسن، كما كان لدرس المعلم مؤيد الحميدي دور في تطوير أسلوب التلاوة لديه.
ويواصل "آل هاني" الدراسة في جمعية "خيركم" بجدة مثله في ذلك مثل بقية طلاب "تراتيل الفجر" الذين ينتسبون لها، تحت إشراف المعلم محمد علي حسن أحمد.
يسبق عمره
أولى الخطوات الحقيقية لـ علي في حفظ الأجزاء، كانت في نهاية الصف الأول الابتدائي، حيث أتم حفظ جزأين، واليوم يحفظ 13 جزءًا، أي ما يزيد على سنوات عمره، وأيضًا يستعد للاختبار في جمعية خيركم خلال شهر رمضان المبارك.
الأسرة البنَّاء الأول
لم يتعالَ بنيان علي مع القرآن بيد معلميه فقط، بل كان لأسرته دور واضح في تنمية تلك الملَكَة العظيمة التي يمتلكها على الرغم من أنه ابن أوسط بين أختين، إلا أن والديه يخصصان له جزءًا غير قليل من وقتهما، فقد كانا يشاركانه الحفظ والمتابعة، وما يميز متابعتهما له أنها مقترنة بتفسير الآيات، كما اتبع والداه معه في التحفيز نظام الكتاتيب سابقًا، فكلما أنهى جزءًا أقاما احتفالًا خاصًا بهذه المناسبة، لتبدأ الأسرة جميعها الخطوة التالية مع ابنها بحماس أكبر.
هوايات ومواهب
يعشق "آل هاني" البرامج التي تتعلق بالديناصورات وعالم الحيوان كما يسرد معلوماتها بتفاصيل دقيقة، ويملك هوايات مختلفة، ولديه مهارات الإلقاء الخطابي والشعري، وهو أيضًا "موهوب" بالمعنى الحرفي للكلمة، فقد اجتاز مقياس موهبة المستوى الأول لعام 1440هـ بأعلى درجة في المملكة 833.
ولشدة تعلقه بالقرآن الكريم، صمم لعبة لوحية للتنافس في حفظ جزء عمّ يجري العمل على تطويرها لتكون جاهزة للعرض.
كحلم أمه
تقول والدة علي: "كان هدفنا أن يختم حفظ القرآن في يوم ميلاده، لكن تأخرنا بسبب بعض الظروف، فخططنا أن يتم حفظه ليلة العيد ومع ذلك تأخرنا، وعندما بشرني بفوزه بالمركز الأول في مسابقة ربيع القرآن، قلت له فرحتي تكتمل عندما تلبسني تاج الكرامة في ليلة القدر، فقال لي أبشري، واجتهد مضاعفًا، والحمد لله تحقق الإنجاز".
من كلام والديه
عن إنجاز ابنهما، اختصر والدا علي مشاعرهما وتهنئتهما له بكلمات صاغاها عبر «القطيف اليوم»، يقولان: "إذا رأيتَ شخصًا ناجحًا، فاعلم أنك ترى فقط النجاح؛ ولكنك لا ترى كل التضحيات التي قدمها هذا الشخص ليصل إلى النجاح، لذا تجد ابننا مع حفظة جمعية تراتيل الفجر يرددون دائمًا: "وفي ذَلكَ فَلْيتنَافَسِ المُتنافِسُون" لتخطي العقبات، ولتدفعهم نحو المزيد من التميز، بمساندة كبيرة من أساتذتهم، لا سيّما الأستاذ حسين؛ فكلماته كالسحر، لا ترفع همهم فقط بل يشحذ هممنا معهم عاليًا بسعيه الحثيث، يلتفت ويهتم بكل صغيرة وكبيرة تُسهم في تطورهم والارتقاء بهم، لنكمل المسير معهم لينالوا الرفعة بحفظ القرآن الكريم كاملًا. وندعو الله الكريم أن يُديم ويُتم علينا فضله وتوفيقه؛ لنستمر في تمهيد الطريق لِـ علي ليعلو بالقرآن".
مشاركات وإنجازات
فاز آل هاني بالمركز الثاني في مسابقة أمير منطقة الرياض عام 1443 في فرع 5 أجزاء، كما مثل مكتب وزارة الرياضة بالقطيف في مسابقة وزير الرياضة لحفظ القرآن والحديث في الحرم النبوي بالمدينة المنورة وحقق المركز السادس على مستوى المملكة، وفاز بالمركز الأول في مسابقة التلاوة المرتلة للمجلس القرآني المشترك بالقطيف والدمام للأشبال تحت 16 سنة، والمركز الأول في مسابقة حفظ 15 و20 و25 جزءًا في مسابقة الحفظ للمجلس القرآني المشترك بالقطيف والدمام المفتوحة، والمركز الثاني في مسابقة الحفظ الدولية (ربانيين) عن بعد من مصر في حفظ 15 جزءًا، بالإضافة إلى فوزه بمراكز متقدمة عديدة على مستوى المنطقة وعلى المستوى الخليجي والعالم الإسلامي في حفظ القرآن الكريم، وفوزه بالمركز الأول في مسابقة الحفظ ربيع القرآن بالبحرين لسنتين متتاليتين.
ومن إنجازاته أيضًا أنه اختبر أجزاء القرآن من 1 إلى 25 جزءًا في جمعية خيركم بجدة وحصل على درجة 100% في الاختبارات، كما أنه قدم أكثر من مئة حلقة من برنامج بيان وتبيان بصوته في التعريف بمعاني كلمات القرآن الكريم، وقدم برنامج يتدارسونه في فهم بعض آيات القرآن الكريم، والآن يقدم برنامج موسى الكليم في 30 حلقة.
أتم "آل هاني" حفظ القرآن الكريم في ليلة القدر من عام 1445هـ. وقد ختم كل القرآن على يد أستاذه مشرف جمعية تراتيل الفجر الأستاذ حسين محمد آل إبراهيم بعد أن تدرج على يد الأساتذة الفضلاء: الأستاذ سلمان آل داؤود، الأستاذ ثابت الكاظم، الأستاذ سجاد محمد المادح، الأستاذ مؤيد الحميدي.
.
العقيل الزاكي











علي آل هاني















