12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

نحن في ضيافة الله أيها الصائمون!

كثرت النصوص الدينية بشقيها من الآيات القرآنية والروايات الواردة في السُّنة النبوية المطهرة عن أهمية وخصوصية هذا الشهر الفضيل الذي يبتهج لقدومه العالم الإسلامي بمختلف طوائفه ومذاهبه الإسلامية، فترى كل بلد إسلامي له لون وشكل فلكلوري معين يستقبل فيه شهر رمضان المبارك ويعبّر أهله فيه عن فرحتهم وسعادتهم عند حلول الشهر الكريم عليهم. وقد يستغرب من ليس له خلفية معرفية ثقافية واضحة عن شهر رمضان المبارك حين يعلم أن شهر رمضان هو إمساك عن معظم ملذات الحياة فكيف للمسلمين في العالم كله أينما وجدوا أن يبتهجوا فرحًا وسرورًا بالامتناع عن تناول الأكل والشرب والأمور الأخرى طوال اليوم تقريبًا، بل لا يتوقف تعجب السائل واستغرابه عند هذا الحد فحسب، بل عندما يتعمق في هذه الفريضة الإسلامية يكتشف أن المطلوب من الصائمين في شهر رمضان تأديب أنفسهم من خلال ضبط الانفعالات النفسية والمزاجية الواردة من الإنسان المسلم في سائر شهور السُّنّة شهر رمضان تكون الجوارح في مجملها صائمة عن أي رذيلة فكيف يكون ذلك؟

وهذا الأمر في الحقيقة يشكل صعوبة بالغة أن يقوم به الإنسان المسلم! لكن في شهر رمضان تتحقق هذه السمة الإنسانية بل المعجزة الأخلاقية لأن الهدف الأساس من الشهر الكريم بلوغ هذه المرتبة الأخلاقية والإنسانية العالية، وبرغم هذه الصعوبات المتشكلة عند المتسائل يضيف كذلك المتسائل كيف للمسلمين أن يحتفلوا ويباركوا لبعضهم بعضًا عندما يحل شهر رمضان المبارك عليهم وهم يعلمون سوف يصبحون في حالة صوم وإمساك كامل لمدة قد تفوق في بعض البلدان إلى أكثر من ستة عشر ساعة عن أهم متع الحياة من تناول أجمل وألذ ملذات الطعام وبعض متع الحياة المباحة والمذكورة في الكتب الفقهية للمسلمين، فضلًا عن صوم الجوارح عن الغيبة والنميمة والكلام الجارح، باعتبار أن شهر رمضان يضفي على الصائمين روحًا من التسامح والعفو والصفح والمحبة والتآخي والتراحم والتعاضد.

الغريب أن بعض المسلمين حتى دون المستوى الثقافي الديني والعبادي المطلوب منهم تجدهم في شهر رمضان قد تحولت أرواحهم إلى أرواح ملائكية في أخلاقهم وتعاملهم مع الآخرين بغض عن النظر عن كون التعامل مع مسلمين أو غير مسلمين، بل حتى في التعامل مع الكائنات الأخرى تكون الأخلاق هي السمة البارزة وفي أسمى حيويتها، وهذا ما يعكسه شهر رمضان المبارك من تأثير واضح على سلوك المسلمين فكرًا وسلوكًا، ومن هذا المنطلق وغيره تنطلق الأفراح والابتهاجات بقدوم الشهر الكريم على الأمة الإسلامية والعربية وغير الإسلامية كذلك، لأن الآخرين كذلك يلمسون هذا التغيير الإيجابي الذي يطرأ على المسلمين، وقد يفوق بكثير ما يشاهدونه من اتباع الديانات الأخرى، وهنا تكمن عظمة وسر شهر رمضان المبارك.

ولكن ما يؤسف عليه أن نجد بعض المشاهد المخزية من بعض المسلمين عند حلول الشهر الكريم، وبالخصوص في نهار الشهر الكريم، ولا يبعد حتى في أوقات الإفطار من مشاكسات وما شابه كالشجار بين بعضهم بعضًا ورمي بعضهم بعضًا بأقدح الألفاظ السيئة، وقد يمتد الأمر إلى العراك بالأيدي والاعتداء الجسدي، وقد يصل إلى الإدماء وجميعهم صائمون، والمفترض أن يكون الصائم في حالة من الاسترخاء الفكري، والنفسي، والجسدي والروحي، وهم بذلك يقدمون نموذجًا إسلاميًا سيئًا؛ لأنهم عكسوا مضامين ومفاهيم الشهر الكريم الذي تتمثل فيه روح الإنسانية الشاملة من التسامح، والصفح، والعفو، والكرم والرحمة بين بعضهم بعضًا، والتنازل بالقدر الممكن عن غالب الحقوق لأجل تحقيق المكاسب العالية التي وعد الله عباده بها في هذا الشهر الكريم من الأجر والثواب وقضاء الحوائج في الدنيا والآخرة، لهذا ينبغي للصائمين أن يحرصوا على أن يكونوا في شهر رمضان المبارك في أحسن وأفضل وأجمل صورة مع أنفسهم ومع ربهم ومع الناس عامة.

قد تجد من بعض هؤلاء الصائمين السلبيين من يقدم بعض المبررات المتسببة بمثل هذه الأحداث السيئة في الشهر الكريم سواء ما تحدث في المنازل أو في الأماكن العامة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، التوقف عن ممارسة عادة يومية معينة، وهي بالطبع مبررات غير مقبولة لا شكلًا ولا مضمونًا، كتوقف مدة معينة عن التدخين، أو عدم تناول كوب القهوة الصباحي، أو بسبب زحمة الطرق، أو بسبب الجوع أو غير ذلك من الأسباب التافهة التي تفقدهم السيطرة والقدرة على التمكن من ضبط تفكيرهم وأعصابهم وسلوكهم، وبدورها تخلف نتائج سلبية فظيعة على الصعيد النفسي، والأسري والاجتماعي.

السؤال المهم الذي أريد طرحه على هؤلاء خاسري القيمة الرمضانية، ماذا حققتم من أهداف قيمية في الشهر الكريم على المستوى الديني، والثقافي، والروحي والأخلاقي، وعلى الصعيد السلوكي؟ وماذا أحدثتم من تغيير إيجابي خلال الشهر الكريم من نبذ الخلافات، والصراعات، والسجالات والمهاترات غير المجدية والنافعة، بل الضارة، على الصعيد الشخصي والديني والاجتماعي؟ أم أنكم كنتم بعيدين كل البعد عن الثقافة الرمضانية والنعمة الرمضانية وعن محتواها الحقيقي، وذهبتم وراء الشكليات والمظاهر الرمضانية وحرمتم أنفسكم من لب الشهر الكريم وتمسكتم بالقشور فكنتم بذلك من المحرومين! 

كما ورد في خطبة النبي الأكرم (ص) في استقبال شهر رمضان المبارك: (فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اَللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ).


error: المحتوي محمي