12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

تحيّة وشكر لكلّ مهتمّ بالتراث القطيفي

تمر فترة وتظن أنك نسيتَ التراث القديم وتاريخه وكيف عاش آباؤك وأجدادك، وبعضًا مما تركوا خلفهم؛ من بقايا حياتهم، من فنونهم وعاداتهم وآدابهم وعلومهم. ثم يقفز من يحفز الذاكرة ويعيدها عشرات السنين للوراء. في هذه الخاطرة القصيرة أشدّ على أيدي كلّ مهتمّ بالتراث - القطيفيّ - وغيره، ومن الأفضل أن أقول تراث الإنسان أينما يعيش. ومن هؤلاء الأشخاص، الأستاذ إسماعيل بن عبد الله هجلس. سوف يلاحظ القارئ الكريم أنني لم أضع تعريفًا له ولم أذكر اختصاصَ الأستاذ إسماعيل المتنوع وذلك خشية أن أبخَسه حقه!

في عصر يوم السبت، 16 آذار/مارس 2024م الموافق للخامس من شهر رمضان المبارك 1445 هجرية، قررنا أن نذهب إلى منزل الأستاذ إسماعيل، نعطل مشواره الحركي -أنا وصديقي العزيز أيمن أبو السعود- ونقف معه في جولة بديعة في داره ومشغلِه، وكم شدّنا ما ضمته داره من أعمالٍ شخصيّة ومقتنيات رائعة. بعض المقتنيات تكاد تسمعها تتنفس؛ باب الخشب القديم يُطرق في حلقاته ومساميره المدورة الكبيرة، ماكينة الخياطة العتيقة تغرز غرزتها بيد الجدة، والأطفال ينظرون من النوافذ الخشبية نحو الحارات وبيوت الجيران القريبة من بعضها. 

من المتيقن أن من يريد أن يعرف منحنى تمسك مجتمع ما بأرضه فما عليه سوى أن يعرف كم هو -ذلك المجتمع- ملمّ بتاريخه وفنونه وكم يعتني بها. فإذا رآه متمسكًا بها ويهواها فهو يستحق الأرض. أما إذا وجده غريبًا عنها فسوف يدرك أنه تحول إلى قطعةٍ أثرية جامدة فارغة من التاريخ والتطور والحضارة يمكن اجتثاثه واقتلاعه بسهولة.

يا لحسن حظ مجتمعنا فهو غنيّ بتشكيلة كبيرة من الفنانين في كلّ مجال! وغنيّ أيضًا بمن يحافظ على الفن بأنواعه، تدوينًا وتصويرًا ونشرًا. التصوير والتدوين والنشر لا يقل أهمية عن أصل العمل فهو يعرف الآخرين بمن نحن ويقدمنَا بصورة إيجابية نحو العالم الأوسع، خارج مجتمعنا ومنطقتنا.

رأيتُ واجبًا عليّ أن أقدم الشكر في العلن للأستاذ هجلس، ولكل المهتمين بالتراث والتاريخ. قبل هذه الزيارات والاستطلاعات غالبًا ما يراودني سؤال وشكوك: ماذا عسى أن أرى في هذا المكان؟ هل ما سوف أراه مهمّ لهذه الدرجة؟ ثم لا تلبث هذه الشكوك أن تتبدد ويأتي اليقين أن الماضي يسهم في صنع الحاضر والمستقبل يستنشق حياته من الحاضر، ومن لا يقدر قيمة الماضي والحاضر لا يحظى بمكان يليق به في المستقبل.

شكرًا لك حضرة الأستاذ -إسماعيل هجلس- على ساعةٍ جميلة، شكرًا على حسن الضيافة ودماثة الخلق. شكرًا على الحفاظ على آثارٍ ومقتنيات كنا نظنها اختفت ونسيها الناس. ساعة ذكرتني شخصيًّا بباب دارنا القديم وبصندوق أمي رحمها الله تعالى. دون ريب أنتَ ومن هم على شاكلتك من المهتمين بالتراث تقدمون خدمةً اجتماعية وإنسانية من النمط الراقي الجميل.


error: المحتوي محمي