أسترجع ذاكرتي وهي المليئة بصور الزمن الجميل المفعم بالحياة والذي لا يزال يعاودنا بالكثير من أحداثه العالقة بالشوق له والحسرة عليه.
أذكر الكثير منها حتى قبل أن أعرف الخروج من باب منزلنا الواقع بالفريق الشرقي وهو الاسم الذي يطلق على المنطقة التي كنت أقطنها في القديح، وقد اعتاد الناس قديمًا على تسمية مناطقها بأسماء الجهات الأربع وهي: الفريق الشمالي والجنوبي والغربي والشرقي وهو أشهرها حيث صخب الحياة التي تدب فيه وضجيج الناس صغارًا وكبارًا من أول النهار حتى غروب الشمس، حين يسكن عندها كل شيء ما عدا الأصوات القليلة الخارجة من بين العشش وجدران البيوت الحجرية والطينية.
كان منزلنا يقابل تقريبًا بيت السعف "عشة" حجي حسن جباره وهو عم صالح الحساوي والذي كان يسكن معه كونه زوج أمه، وبرفقة أخويه الملا علي وحجي عباس، وقد بقي حجي صالح بالمنزل بعد وفاة جميع من فيه، والذي أصبح منزلًا حجريًا لاحقًا، وكم تأذى منا الرجل ومن إزعاجنا اليومي ومعه بقية الجيران بسبب العدد الكبير من الأطفال سواء من فريقنا أو الفرقان "الفرجان" الأخرى الزاحفين لنا وقد أصبحنا مركز القرية down town رغم أننا في أحد أطرافها.
انتقلنا بعد ذلك لمنزلنا الجديد والذي يبعد نسبيًا ذلك الزمان، ولكن لم تنقطع علاقتنا بمركز التجمع وشطانتنا اليومية وأذية الجيران والذي كان يطاردنا بعضهم أو يفقع كورتنا التي نلعب بها.
تزوج الحجي صالح وقد كان في عمرٍ جاوز عمر الزواج المعتاد -على ما أظن-، ولكن لم يتضمن شريط ذكرياتي حقيقة تلك الفترة التي عاشها بعد زواجه من المرحومة أم محمد الحاجة المؤمنة أسدية آل درويش وهي المقصودة من حديثنا هنا، حيث بدأت تنقطع معاودتي للحارة قبل زواجه بها لظروف الحياة غير أنه قد أسعفني تأبين كتبه الحاج المؤمن محمد المطرود "أبو صادق" لأقتص منه خلاصة ما ذكره، حيث توفي المرحوم الحاج صالح بعد أن خلف الأبناء والبنات الصالحين والصالحات الذين تربوا على يديه ويدي الأم الكريمة أم محمد واستمرت في رعايتهم من بعده، وهي التي ذاع صيتها في القرية ثم في القرى والنواحي الأخرى من القطيف من خلال عملها في إكرام الموتى حين تصدت لهذا العمل الجليل تدفعها حميتها وغيرتها والتي برزت بجلاء في حادثة الحريق التي فُجعت بها القديح قبل أكثر من عقدين من الزمان وتشجعها في ذلك قريناتها وعلى رأسهن كبيرتهن المرحومة الحاجة أم علي مدن والتي ارتبطت بها لتحاكيها في خدمتها حتى تصدت المرحومة أم محمد آل درويش للمسؤولية على قلة المنتسبات لتلك الخدمة المهمة جدًا إلى ما قبل وفاتها بعد أن أقعدها المرض عن الاستمرار في أداء رسالتها التي نذرت نفسها لها من شبابها حتى وفاتها رغم انشغالها بأبنائها وبناتها ومنزلها.
إن فقد هذه المرأة الجليلة والنادرة يجعل المهمة صعبة في ظل الشح الذي تعاني منه لجان إكرام الموتى في الجانب النسائي وفي جميع مناطق القطيف رغم ما يبذلونه من جهود من أجل تشجيع المرأة للانخراط في هذا العمل الإنساني العظيم، حيث ندعو لهم بسد الفراغ الذي خلّفته الأسدية وقبلها الراحلة أم علي مدن، وغيرهما ممن انتقلن إلى رحمة الله تعالى.
كل ذلك لم يغيِّب سيرتها العطرة، بأخلاقها وطيبتها وعلاقتها مع الجميع، فضلًا عن خدمتها مجالس آل البيت عليهم السلام طوال حياتها.
نتمنى حقيقة أن يكون لدينا أسديات أخريات مشابهات لهذه الأسدية التي بفقدها فقدنا إنسانة يصعب سد فراغها الذي تركته، متمنين أن يحصل ذلك وتتصدى أخريات من المؤمنات لهذه المسؤولية العظيمة، وحتى ذلك الوقت سوف نظل نذكر ونحترم ونجل الدور التي كانت تقوم به أم محمد وقبلها المؤمنات اللاتي سبقنها سواء أم علي مدن أم غيرها، ونحن هنا مع لجنة إكرام الموتى نناشد المؤمنات أن يتقدمن للظفر بهذه الخدمة التي يندب لها الدين القويم ويشجع عليها.
رحم الله أم محمد وزوجها وجميع أمهاتنا المؤمنات اللاتي ضربن الأمثلة السامية في حياتهن رغم شظف العيش وقساوة الحياة، إلا أنهن أبين إلا أن يُخلَّدن بما سطرنه بمداد الإخلاص والتضحية للمكان والزمان والقريب والبعيد، وليبقين في الذاكرة التي تشيد بسيرهن العطرة التي لن تغيب مدى البقاء.



