انبلج صباح ذلك اليوم من أيام أواخر شهر يونيو حيزران لعام ١٩٦٧ ونهض كالعادة الحاج عبدالله من منامه متثاقلًا، متململًا. وبعد أن شطف وجهه بما تبقى من ماء الجرة الفخارية، ومنها توضأ مرتبكًا واستدار متوجهًا إلى القبلة. استقام في وقفته وأفاض على نفسه من الخشوع، وكان يُطيل السجود مقرّبًا يديه من كتفيه وكأنه لا يرغب في الانتهاء من سجدته الطويلة. وعندما كان لا بُدّ من الانتهاء من الصلاة بالشكل التعبّدي اللائق، رفع يديه مختتمًا صلاته بتمتمات تضرعية طالبًا أن تمضي هذه الأيام على خير.
سمعته زوجته وهي تقدّم إليه فنجانًا كبيرًا من القهوة العربية شديدة السواد، قائلة له: الله يهدّي بالك ويصلح الحال وتعود الأمور إلى ما كانت عليه وأفضل.
أجابها: الله يصلح الحال ويسمع منك. ثم ساوى بين طرفي غترته وأحكم رباط إزاره، وتأكّد جيّدًا من ضبط ثوبه وانتصب بقامته الطويلة وسار في طريقه شاقًّا الدهاليز الرطبة والسوابيط المعتمة نحو السكة، وهو مجمع حوانيت ودكاكين وورش متعدّدة صغيرة للصناعات اليدوية المختلفة. أخيرًا أخرج مفاتيح باب مخيطته الصغيرة، وبسمل بصوت مسموع، وجال بنظره الثاقب يمنة ويسرى. كانت معظم الحوانيت مغلقة ولكنّ نفرًا من الباعة والمتسوقين وبعض النسوة كسر روتين السكون. شاركت خيوط الصباح المتسللة من بين بعض جوانب أسقف السكة حركة المرتادين وحركت معها التحايا المسموعة هنا وهناك: (صبحكم الله بالخير)، و (الله يجعلكم على القوة). ولم تخلُ نكات وتعليقات النكهة القطيفية من الحضور لتفرج الابتسامة وتنعش الصدور المزكومة من رطوبة شهر حزيران الحزين.
قال الحاج وهو يدلف إلى داخل دكانه: ها نحن في شهر ربيع الأول، وطلبات الثياب الجديدة في ازدياد، والقماش لا يكفي لسدّ حاجات الشيوخ، وآخرين من الجيران والأصحاب امتنعوا عن لَبْس الجديد، فحزيران كوى القلوب والأفئدة، وكسر الطموح مجاديف السفن، ولم تكتفِ رياحه من اقتلاع الأعمدة، بل وحطّمت ما تبقى من سواتر وظلال.
بعد أن ألقى التحية على صورته في المرايا الطولية المثبتة على يمين الجدار المواجه لباب الدكان، تجهّم قليلًا ورسم تقطيبة عفوية على جبينه وعقد بين حاجبيه وقال مخاطبًا نفسه: لقد طالت لحيتي البيضاء حتى باتت تلاصق أعلى صدري، وغادر الشباب وتبعته الكهولة وبرفقتهم ذهبت القوة والنشاط والحماس، فأخذ خرقة وأعاد مسح الزجاج ليتأكد من أنّ ما يراه هو ذاته، وجهة الأشيب، ولون يميل للاحمرار قليلًا وجفون متورمة ولكنها متهدّلة في الطرف السفلي منها.
قال مبتسمًا: الحمد لله على كلّ شيء، فلم يَبقَ في وجهي شحمة ولا لحمة، لن أكون مرغوبًا لدود الأرض في قبري، وقهقه قليلًا عندما رآه جاره وهو يتصفح تضاريس وجهة: لم يَبقَ على أكتافك يا حاج عبدالله إلّا بعض من العظام وسلسلة من الظهر القافزة، كيف ستحدّث ربك بالنعم وأنت على هذه الحال؟ فأطلق أبو عبدالله ضحكة لم تسمعها إلّا المرآة المنتصبة على جانبيه.
تناول إحدى طاقات القماش، ووضعها على طاولة خشبية مغطاة بنصف بطانية شبه بالية، وسحب مقصًّا كبيرًا، حرّك قبضتيه ليتأكد من فعاليتهما، ثم تناول درعًا حديديًا يقال له (وار) وأخذ يقيس به القماش المطلوب خياطته، خاطب نفسه، قائلًا: شيخ المعلمين يحتاج إلى ثلاثة وارات، ومع امتلاء كرشه في هذا الموسم سأضيف له ربع وار، بينما أبناؤه التسعة من زوجته الأولى سيحتاج الواحد منهم إلى وارين ونصف.
مهارته الفائقة وبديهيته الهندسية تتحرك في كلّ الاتجاهات، مسطرة وقلم رصاص ورشاقة أنامله، فالمقصّ وهو يطقطق مخترقًا القماش بكلّ سلاسة من الأسفل إلى الأعلى ومن الشمال إلى اليمين، متخيّلًا شكل شيخ المعلمين ومتذكرًا آخر مرّة أنجز ثوبًا له، فهو يعرف طوله وعرضه، سجل كلّ ذلك في ذاكرته التي يفخر بها أينما حلّ، فهو يتذكر مقاسات زبائنه وأولادهم، يضطر أحيانًا إلى تغيير خارطة الذاكرة كلّما حدث تغيير في بنية أحدهم، حينها يطلب مقاسات جديدة.
ترك المقصّ والمسطرة وقبل أن يجلس على كرسي مكنة الخياطة، راودته فكرة لا زالت تراوح مكانها منذ بضع سنين، خاطب نفسه: متى سأوفي بوعدي الذي قطعته على نفسي في إعادة خياطة طربال السكة، فقد أصبح مهترأ وفي حالة مزرية، تلك الأشلاء تتدلّى من تحت خشب الصندل، وأصبحت محلاتنا مكشوفة للهيب هذا الصيف القاسي! ألم يحن الوقت لأفاتح أصحاب العشرات من الدكاكين؟ سأخبرهم أنّ العمل والمجهود سأقوم به مع من يرغب من الخياطين والحدادين ونشرك أيضًا النجارين ونطلب منهم العمل بدون مقابل لوجه الله وخدمة للباعة والبلد وأهلها الطيبين.
ولكن قيمة قماش الطربال سنتعاون في جمعه، ومع هذا أعرف أنّ حالة معظمهم المالية بائسة، إلّا أننا بحاجة ماسة للمحافظة على هذا المجمع الذي يجمعنا لطلب الرزق، ويجمعنا على الكلمة الصافية النقية، ويلمّ شملنا، وجـَمعة المكان تؤنسنا وتزيد من حماسة العمل.
على وقع كلمة حماسة العمل، استدار إلى مكنة الخياطة من ماركة (سنجر) ومسح بقطعة قماش جسمها الأسود الصقيل بنعومة فائقة، وبعد أن تأكد من امتلاء بكرة الخيوط وحركة (طارة الحركة) الشبيهة بمقود السيارة، وضع قطع القماش ومررها من تحت الإبرة الرفيعة، وبدأ يحرّك دوسة المكنة برجله اليسرى، بينما يده اليمنى على أهبة الاستعداد لإيقاف طارة المكنة، أما يده اليسرى فكانت محرك مجرى الخياطة، وعندما بدأت سرعة الخياطة في ازدياد اشتركت اليدين، وأخذ يدير القماش ويثنيه كلّما تطلّبت الحاجة لذلك.
كان مزهوًّا وهو ينجز الثوب بهمّة ونعومة، أنهى ثوب الأب وتنفس الصعداء، ثم تناول القطع الأخرى، دخل عالمه وهو غارق في التصور والإبداع في قيادة آلته السحرية، تتراقص في مخيّلته صورة الشيخ وأبنائه وقد ارتدوا ملابسهم الجديدة من صنع يديه النحيفتين والصلبتين القويتين.
بعد أن أنهى ما بيديه، وقف منتصبًا وكأنه يختبر سلسلة عظام ظهره المتنملة، وقد سمع طقطقة ركبتيه، فأحسّ أنّ الدماء بدأت تتدفق داخل عروقه، قال في نفسه: يمكنني الآن أن أخطوَ نحو الكرسي، وهكذا فعل، جلس على الكرسي الخشبي العتيق، وأخرج علبة معدنية، ضغط على زرها فانفرج بابها، كانت تحتوي على تبغ وقراطيس بيضاء رقيقة يطلق عليها (كاغد)، سحب قرطاسة من تحت المشبك وتناول بعض من التبغ وبدأ يحشوها ويلفّها بشكل أسطواني، كان يفعل ذلك بمهارة وخفّة ساحرة، وبعد أن بلّلها بريقه، نظر إليها متغزلًا: ما أجملك من سيجارة فاتنة!.
أشعل سيجارته وأخذ يسحب نفسًا قويًا ولكنه هادئ وأدخل الدخان إلى أقصى مساحة في رئتيه، ثم بدأ يخرج الدخان ببطء، كان يخرج من فمه بشكل خيوط هلامية، يُحدّق في أشكالها وإبداعات ما يخرج من قفصه الصدري النحيل، يرافق كلّ نفس يخرج ابتسامة ود ٍّورضى إلى ما آلت إليه حياته .
يحادث نفسه: فرغم السنوات السبعين إلّا أنني ما زلت قادرًا على العمل والعطاء، وما زلت متحمّسًا لمشروع السكة، وتوسيع نشاطي، بهذا العام سأزيد البزّ وأنوّع من القماش، وسيكون عندي أنواع جديدة من الأصواف وقماش التترون، وأتزوّد من القماش الفاخر من ماركة البوسكي واللّاس والسلك، سيكون محلّي الأول في السكة، عندها ستكون ظروفي مهيئة لعمل صيانة في المنزل، يهمّني في البدء أن يكون عندي مجلس أستقبل فيه الضيوف.
الأفكار تتقافز مع كلّ نفس ويحلّق بأحلامه عاليًا، يرسم ابتسامات هادئة ويستعدّ للعودة مرة أخرى لإنجاز أعمال أخرى عديدة تنتظره، كان يشعر وكأنه في عالمه وحيدًا، وتصور وكأنه يملك هذا العالم والعوالم المحيطة به أيضًا.
وهو يستعدّ للعودة إلى المكنة، استعاد بشكل تدريجي العودة إلى ما يحيط به، فقد نبّهته حركة الباعة والمتسوقين، وجلبة غير معهودة، بما تشبه الفوضى، وهرج ومرج وأصوات عالية، وتوعد ووعيد، وما هي إلّا ثوانٍ حتى اقترب إلى دكانه رجلان، أحدهما بلباس الشرطة، والآخر موظف في البلدية يعرفه، وقد تبعهم من الخلف عدد من أصحاب المحلات وهم يولولون، عندها تقلّصت عضلات وجهه ومالت حواجبه إلى الأسفل وهو يخطو نحوهم خطوات المتردّد الفزع.
تقدّم إليه موظف البلدية، مادًّا يده بخطاب مغلق، بينما راح نفرٌ من المتجمهرين طالبين من الحاج عبدالله عدم استلام الخطاب، وقالوا له: هذا خطاب شؤم !
تحشرجت الكلمات بينما كان يهم بنطق القليل منها، ولكنّها تعثرت على قارعة أوتاره الصوتية، فقد تيبّس ريقه، ولفّت غمامة سوداء صغيرة رؤيته، فربط جأشه بحزم ومال ميله الواثق ورأى على البعد أعداد من الناس تتصايح بغضب، فأيقن أنّ الأمر لا يخصّه وحده؛ مما دفعه لمواجهة الشخصين بوجه أقلّ، وبينما سأل موظف البلدية الحاج عن اسمه الثلاثي، ردّ باستنكار وتعجب عن سؤاله هذا، قائلًا له: كأنك نسيت الأسماء: ألا تعرفني وتعرف أبنائي موجهًا سؤالًا حازمًا لذلك الرجل ذي الوجه المجعّد !
بلى أعرفك يا حاج عبدالله، ولكن هذه أوامر مدير البلدية لا بُدّ من سؤال الشخص المعني حتى أسلّمه الخطاب دون خطأ، ويجب الإسراع في استلامه حتى أتمكن من تسليم كلّ الخطابات التي بحوزتي.
عندها هدأ توتر الحاج، وارتخت تقلّصات حواجبه، وبدأ وكأنه يستعيد أنفاسه المتقطعة، وسأل عن فحوى الخطاب، فعرف من مندوب البلدية هذا، أنّ الذي يستلمه الآن هو إخطار لجميع أصحاب المحلات للتوجه للبلدية والتوقيع على إخلائها في غضون ستة أشهر؛ لأنّ البلدية ستقوم بنزع ملكيتها وتشقّ طريقًا يخترق المدينة، وهذه هي المرحلة الأولى .
وأين يذهب أصحاب المهن؟ وكيف يكون حال تجمعها؟ كيف نبيع ونشتري؟ ألم يجدوا غير هذه السكة لنزع ملكيتها؟
طرح هذه الأسئلة جملة واحدة، وعندما لم يجد الجواب الشافي استلم الخطاب، وطواه ثم أودعه في أحد جيوب ثوبه واستدار إلى ناحية مكنة الخياطة وأخذ قطعة من القماش، وانهمك بخياطة ثوب جديد، كان المتجمهرون ينتقلون إلى المحلّ المجاور ويكرّرون نفس الصيحات، ويعبّرون عن أشدّ الغضب والاستياء.
عندما فرغ من إنجاز ما بيديه، تسلّل إلى عتبة الدكان، وأخذ لفافة جديدة من التبغ وأشعلها بروية، ومع أول نفسٍ جال بنظره الثاقب يتأمل حال السكة والحركة المكتظة بمئات الأشخاص وهم يجولون ذهابًا وإيابًا، كلٌّ حسب غرضه.
عندما حان وقت صلاة الظهر، استوى الحاج واقفًا، أصلح إزاره ونظّف بقية رماد السيجارة من على ملابسه، ثم ارتدى سترته ورتب من وضع غترته البيضاء، نظر إلى المرآة وأخذ المقصّ وشذّب به بعض الشعيرات النافرة، عندما أنهى مهمة ترتيب هندامه، خاطب نفسه بينما راحت يداه تلقائيًا تغلق مزلاج باب الدكان المكون من أربع دفّات، عندما تأكد من إغلاقه المحكم أخرج بِشْتَهُ الصيفي الشفاف وساواه بطريقة أنيقة من على أكتافه النحيفة وتعمّد ألّا يُلقي بنظره إلى الخلف، أرخى من انتصاب قامته، ومال قليلًا من أكتافه كما يخفض الطير من جناحيه العاليين، رسم ابتسامة رقيقة على محيّاه، ألقى التحية كالمعتاد على زملائه في المهنة ومعارفه، دون أن يتوقف ولو للحظة وهو يُردّد في نفسه: دوام الحال من المحال .
سمعته زوجته وهي تقدّم إليه فنجانًا كبيرًا من القهوة العربية شديدة السواد، قائلة له: الله يهدّي بالك ويصلح الحال وتعود الأمور إلى ما كانت عليه وأفضل.
أجابها: الله يصلح الحال ويسمع منك. ثم ساوى بين طرفي غترته وأحكم رباط إزاره، وتأكّد جيّدًا من ضبط ثوبه وانتصب بقامته الطويلة وسار في طريقه شاقًّا الدهاليز الرطبة والسوابيط المعتمة نحو السكة، وهو مجمع حوانيت ودكاكين وورش متعدّدة صغيرة للصناعات اليدوية المختلفة. أخيرًا أخرج مفاتيح باب مخيطته الصغيرة، وبسمل بصوت مسموع، وجال بنظره الثاقب يمنة ويسرى. كانت معظم الحوانيت مغلقة ولكنّ نفرًا من الباعة والمتسوقين وبعض النسوة كسر روتين السكون. شاركت خيوط الصباح المتسللة من بين بعض جوانب أسقف السكة حركة المرتادين وحركت معها التحايا المسموعة هنا وهناك: (صبحكم الله بالخير)، و (الله يجعلكم على القوة). ولم تخلُ نكات وتعليقات النكهة القطيفية من الحضور لتفرج الابتسامة وتنعش الصدور المزكومة من رطوبة شهر حزيران الحزين.
قال الحاج وهو يدلف إلى داخل دكانه: ها نحن في شهر ربيع الأول، وطلبات الثياب الجديدة في ازدياد، والقماش لا يكفي لسدّ حاجات الشيوخ، وآخرين من الجيران والأصحاب امتنعوا عن لَبْس الجديد، فحزيران كوى القلوب والأفئدة، وكسر الطموح مجاديف السفن، ولم تكتفِ رياحه من اقتلاع الأعمدة، بل وحطّمت ما تبقى من سواتر وظلال.
بعد أن ألقى التحية على صورته في المرايا الطولية المثبتة على يمين الجدار المواجه لباب الدكان، تجهّم قليلًا ورسم تقطيبة عفوية على جبينه وعقد بين حاجبيه وقال مخاطبًا نفسه: لقد طالت لحيتي البيضاء حتى باتت تلاصق أعلى صدري، وغادر الشباب وتبعته الكهولة وبرفقتهم ذهبت القوة والنشاط والحماس، فأخذ خرقة وأعاد مسح الزجاج ليتأكد من أنّ ما يراه هو ذاته، وجهة الأشيب، ولون يميل للاحمرار قليلًا وجفون متورمة ولكنها متهدّلة في الطرف السفلي منها.
قال مبتسمًا: الحمد لله على كلّ شيء، فلم يَبقَ في وجهي شحمة ولا لحمة، لن أكون مرغوبًا لدود الأرض في قبري، وقهقه قليلًا عندما رآه جاره وهو يتصفح تضاريس وجهة: لم يَبقَ على أكتافك يا حاج عبدالله إلّا بعض من العظام وسلسلة من الظهر القافزة، كيف ستحدّث ربك بالنعم وأنت على هذه الحال؟ فأطلق أبو عبدالله ضحكة لم تسمعها إلّا المرآة المنتصبة على جانبيه.
تناول إحدى طاقات القماش، ووضعها على طاولة خشبية مغطاة بنصف بطانية شبه بالية، وسحب مقصًّا كبيرًا، حرّك قبضتيه ليتأكد من فعاليتهما، ثم تناول درعًا حديديًا يقال له (وار) وأخذ يقيس به القماش المطلوب خياطته، خاطب نفسه، قائلًا: شيخ المعلمين يحتاج إلى ثلاثة وارات، ومع امتلاء كرشه في هذا الموسم سأضيف له ربع وار، بينما أبناؤه التسعة من زوجته الأولى سيحتاج الواحد منهم إلى وارين ونصف.
مهارته الفائقة وبديهيته الهندسية تتحرك في كلّ الاتجاهات، مسطرة وقلم رصاص ورشاقة أنامله، فالمقصّ وهو يطقطق مخترقًا القماش بكلّ سلاسة من الأسفل إلى الأعلى ومن الشمال إلى اليمين، متخيّلًا شكل شيخ المعلمين ومتذكرًا آخر مرّة أنجز ثوبًا له، فهو يعرف طوله وعرضه، سجل كلّ ذلك في ذاكرته التي يفخر بها أينما حلّ، فهو يتذكر مقاسات زبائنه وأولادهم، يضطر أحيانًا إلى تغيير خارطة الذاكرة كلّما حدث تغيير في بنية أحدهم، حينها يطلب مقاسات جديدة.
ترك المقصّ والمسطرة وقبل أن يجلس على كرسي مكنة الخياطة، راودته فكرة لا زالت تراوح مكانها منذ بضع سنين، خاطب نفسه: متى سأوفي بوعدي الذي قطعته على نفسي في إعادة خياطة طربال السكة، فقد أصبح مهترأ وفي حالة مزرية، تلك الأشلاء تتدلّى من تحت خشب الصندل، وأصبحت محلاتنا مكشوفة للهيب هذا الصيف القاسي! ألم يحن الوقت لأفاتح أصحاب العشرات من الدكاكين؟ سأخبرهم أنّ العمل والمجهود سأقوم به مع من يرغب من الخياطين والحدادين ونشرك أيضًا النجارين ونطلب منهم العمل بدون مقابل لوجه الله وخدمة للباعة والبلد وأهلها الطيبين.
ولكن قيمة قماش الطربال سنتعاون في جمعه، ومع هذا أعرف أنّ حالة معظمهم المالية بائسة، إلّا أننا بحاجة ماسة للمحافظة على هذا المجمع الذي يجمعنا لطلب الرزق، ويجمعنا على الكلمة الصافية النقية، ويلمّ شملنا، وجـَمعة المكان تؤنسنا وتزيد من حماسة العمل.
على وقع كلمة حماسة العمل، استدار إلى مكنة الخياطة من ماركة (سنجر) ومسح بقطعة قماش جسمها الأسود الصقيل بنعومة فائقة، وبعد أن تأكد من امتلاء بكرة الخيوط وحركة (طارة الحركة) الشبيهة بمقود السيارة، وضع قطع القماش ومررها من تحت الإبرة الرفيعة، وبدأ يحرّك دوسة المكنة برجله اليسرى، بينما يده اليمنى على أهبة الاستعداد لإيقاف طارة المكنة، أما يده اليسرى فكانت محرك مجرى الخياطة، وعندما بدأت سرعة الخياطة في ازدياد اشتركت اليدين، وأخذ يدير القماش ويثنيه كلّما تطلّبت الحاجة لذلك.
كان مزهوًّا وهو ينجز الثوب بهمّة ونعومة، أنهى ثوب الأب وتنفس الصعداء، ثم تناول القطع الأخرى، دخل عالمه وهو غارق في التصور والإبداع في قيادة آلته السحرية، تتراقص في مخيّلته صورة الشيخ وأبنائه وقد ارتدوا ملابسهم الجديدة من صنع يديه النحيفتين والصلبتين القويتين.
بعد أن أنهى ما بيديه، وقف منتصبًا وكأنه يختبر سلسلة عظام ظهره المتنملة، وقد سمع طقطقة ركبتيه، فأحسّ أنّ الدماء بدأت تتدفق داخل عروقه، قال في نفسه: يمكنني الآن أن أخطوَ نحو الكرسي، وهكذا فعل، جلس على الكرسي الخشبي العتيق، وأخرج علبة معدنية، ضغط على زرها فانفرج بابها، كانت تحتوي على تبغ وقراطيس بيضاء رقيقة يطلق عليها (كاغد)، سحب قرطاسة من تحت المشبك وتناول بعض من التبغ وبدأ يحشوها ويلفّها بشكل أسطواني، كان يفعل ذلك بمهارة وخفّة ساحرة، وبعد أن بلّلها بريقه، نظر إليها متغزلًا: ما أجملك من سيجارة فاتنة!.
أشعل سيجارته وأخذ يسحب نفسًا قويًا ولكنه هادئ وأدخل الدخان إلى أقصى مساحة في رئتيه، ثم بدأ يخرج الدخان ببطء، كان يخرج من فمه بشكل خيوط هلامية، يُحدّق في أشكالها وإبداعات ما يخرج من قفصه الصدري النحيل، يرافق كلّ نفس يخرج ابتسامة ود ٍّورضى إلى ما آلت إليه حياته .
يحادث نفسه: فرغم السنوات السبعين إلّا أنني ما زلت قادرًا على العمل والعطاء، وما زلت متحمّسًا لمشروع السكة، وتوسيع نشاطي، بهذا العام سأزيد البزّ وأنوّع من القماش، وسيكون عندي أنواع جديدة من الأصواف وقماش التترون، وأتزوّد من القماش الفاخر من ماركة البوسكي واللّاس والسلك، سيكون محلّي الأول في السكة، عندها ستكون ظروفي مهيئة لعمل صيانة في المنزل، يهمّني في البدء أن يكون عندي مجلس أستقبل فيه الضيوف.
الأفكار تتقافز مع كلّ نفس ويحلّق بأحلامه عاليًا، يرسم ابتسامات هادئة ويستعدّ للعودة مرة أخرى لإنجاز أعمال أخرى عديدة تنتظره، كان يشعر وكأنه في عالمه وحيدًا، وتصور وكأنه يملك هذا العالم والعوالم المحيطة به أيضًا.
وهو يستعدّ للعودة إلى المكنة، استعاد بشكل تدريجي العودة إلى ما يحيط به، فقد نبّهته حركة الباعة والمتسوقين، وجلبة غير معهودة، بما تشبه الفوضى، وهرج ومرج وأصوات عالية، وتوعد ووعيد، وما هي إلّا ثوانٍ حتى اقترب إلى دكانه رجلان، أحدهما بلباس الشرطة، والآخر موظف في البلدية يعرفه، وقد تبعهم من الخلف عدد من أصحاب المحلات وهم يولولون، عندها تقلّصت عضلات وجهه ومالت حواجبه إلى الأسفل وهو يخطو نحوهم خطوات المتردّد الفزع.
تقدّم إليه موظف البلدية، مادًّا يده بخطاب مغلق، بينما راح نفرٌ من المتجمهرين طالبين من الحاج عبدالله عدم استلام الخطاب، وقالوا له: هذا خطاب شؤم !
تحشرجت الكلمات بينما كان يهم بنطق القليل منها، ولكنّها تعثرت على قارعة أوتاره الصوتية، فقد تيبّس ريقه، ولفّت غمامة سوداء صغيرة رؤيته، فربط جأشه بحزم ومال ميله الواثق ورأى على البعد أعداد من الناس تتصايح بغضب، فأيقن أنّ الأمر لا يخصّه وحده؛ مما دفعه لمواجهة الشخصين بوجه أقلّ، وبينما سأل موظف البلدية الحاج عن اسمه الثلاثي، ردّ باستنكار وتعجب عن سؤاله هذا، قائلًا له: كأنك نسيت الأسماء: ألا تعرفني وتعرف أبنائي موجهًا سؤالًا حازمًا لذلك الرجل ذي الوجه المجعّد !
بلى أعرفك يا حاج عبدالله، ولكن هذه أوامر مدير البلدية لا بُدّ من سؤال الشخص المعني حتى أسلّمه الخطاب دون خطأ، ويجب الإسراع في استلامه حتى أتمكن من تسليم كلّ الخطابات التي بحوزتي.
عندها هدأ توتر الحاج، وارتخت تقلّصات حواجبه، وبدأ وكأنه يستعيد أنفاسه المتقطعة، وسأل عن فحوى الخطاب، فعرف من مندوب البلدية هذا، أنّ الذي يستلمه الآن هو إخطار لجميع أصحاب المحلات للتوجه للبلدية والتوقيع على إخلائها في غضون ستة أشهر؛ لأنّ البلدية ستقوم بنزع ملكيتها وتشقّ طريقًا يخترق المدينة، وهذه هي المرحلة الأولى .
وأين يذهب أصحاب المهن؟ وكيف يكون حال تجمعها؟ كيف نبيع ونشتري؟ ألم يجدوا غير هذه السكة لنزع ملكيتها؟
طرح هذه الأسئلة جملة واحدة، وعندما لم يجد الجواب الشافي استلم الخطاب، وطواه ثم أودعه في أحد جيوب ثوبه واستدار إلى ناحية مكنة الخياطة وأخذ قطعة من القماش، وانهمك بخياطة ثوب جديد، كان المتجمهرون ينتقلون إلى المحلّ المجاور ويكرّرون نفس الصيحات، ويعبّرون عن أشدّ الغضب والاستياء.
عندما فرغ من إنجاز ما بيديه، تسلّل إلى عتبة الدكان، وأخذ لفافة جديدة من التبغ وأشعلها بروية، ومع أول نفسٍ جال بنظره الثاقب يتأمل حال السكة والحركة المكتظة بمئات الأشخاص وهم يجولون ذهابًا وإيابًا، كلٌّ حسب غرضه.
عندما حان وقت صلاة الظهر، استوى الحاج واقفًا، أصلح إزاره ونظّف بقية رماد السيجارة من على ملابسه، ثم ارتدى سترته ورتب من وضع غترته البيضاء، نظر إلى المرآة وأخذ المقصّ وشذّب به بعض الشعيرات النافرة، عندما أنهى مهمة ترتيب هندامه، خاطب نفسه بينما راحت يداه تلقائيًا تغلق مزلاج باب الدكان المكون من أربع دفّات، عندما تأكد من إغلاقه المحكم أخرج بِشْتَهُ الصيفي الشفاف وساواه بطريقة أنيقة من على أكتافه النحيفة وتعمّد ألّا يُلقي بنظره إلى الخلف، أرخى من انتصاب قامته، ومال قليلًا من أكتافه كما يخفض الطير من جناحيه العاليين، رسم ابتسامة رقيقة على محيّاه، ألقى التحية كالمعتاد على زملائه في المهنة ومعارفه، دون أن يتوقف ولو للحظة وهو يُردّد في نفسه: دوام الحال من المحال .



