12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

آخر ليلة «كريكشون» قبل الاعتزال.. من ذكريات الطفولة!

سواءً اعتبرتَها مظهرًا دينيًّا أو تقاليد وثقافة وعادة فهي ليلة خاصة في القطيف ونواحيها، ليلة النصف من شهر شعبان ثم النصف من شهر رمضان المبارك. ليلة يبتهج فيها الصغار والكبار على مذاق أنواع الحلوى والفول السوداني والألعاب البسيطة. كما أن عادات الاحتفَاء بهاتَين الليلتين تتشابه في مناطق أخرى غير القطيف.

تغير الزمن كثيرًا من آخر ليلة بقيت في ذاكرتي والتي توقفت بعدها عن الذهاب مع رفاقي الصغار. المحظوظون من الصغار يحملون أكياسًا من قماش رخيص "خريطة"، أما البقية -وأنا منهم- فبما تيسر من أكياس البلاستيك والورق، نطوف في أزقة غير مضاءة، ساعةً أو أكثر بقليل، ثم نعود لنتباهى أينا جمع أكثر من الفول السوداني. نصلي وندعو قبل أن ننام: يا رب يا رب أكون حصلت أكثر منهم كلهم، أكثر من إخوتي وأصحابي!

نأكل ما جمعنا ولا نرمي منه شيئًا. تحسنت حالة الناس الاقتصادية الآن وغير ضوءُ الكهرباء الكثير. الآن يوزع الناس في الليلتين أنواعًا كثيرة من الحلويات والنقود والفواكه والمشروبات والألعاب وغير ذلك من العطايا.

كنت أطول شيئًا ما من أقراني الأطفال، لاحظت ذلك إحدى الجارات، وهي تضع الفول السوداني في خريطتي، فقالت: حتى أنت؟! وأتبعتَها -رحمها الله- بوصف غير منصف لطولِ قامتي. حزنتُ بعد تلك الليلة حيث أدركتُ أنه حان الاعتزال مبكرًا!

ذكريات ليلة لم يكن فيها أي نوع من الإزعاج والعادات الطارئة الذميمة مثل طوابير الدراجات النارية وأصوات الموسيقى المزعجة من الشبّان في جماعات يجوبون الشوارع. ليلة من السلام والمحبة، ليلة أفراح لا يختلط بها الغثيث من العادات والتقاليد التي تحولها إلى بهرجة وكارنفال إزعاج.

بهجة لا يجوز أن يفسدها قلة المحافظة على السلامة والإزعاج، لكيلا تتحول إلى احتفال خالٍ من القيم الطيبة والمعاني السامية. نخاف أن يستيقظ الأحفاد ويقولون: كانت عادةً جميلة وإرثًا طيبًا عند أجدادنا واختفت! حتمًا، إذا اختفى الجانب الإنسانيّ والأخلاقي واختفت الآداب العامة والقيم ولم يبق إلا الجزء الظاهر -الاحتفالي- من التراث والموروث الشعبيّ فإنه ساعة إذٍ يكون في خطر!

في زمن الصور والتوثيق، هل أستطيع أن ألوم الذي يأخذ عني فكرةً خاطئة وفي ذات الوقت أنا أعطيه الفرص؟ كيف يكون؟ رحم الله تعالى جارتنا، فقط لأنني بدوتُ طفلًا طويلًا في نظرها لم ترض أن أدخل دارهم وأرى ما لم يكن مناسبًا أن أراه! هكذا كان مقدار الحشمة عندهم في ذلك الزمان!


error: المحتوي محمي