12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

هل نحنُ هكذا؟ 

نصف درهم 

يحكى أن طفلًا فقيرًا كان يتسكع في الأزقةِ كل يوم ويقتاتُ على ما يجودُ عليه به أهلُ الإحسان من خبزٍ وتمر وينام في خربة في إحدى زوايا البلدة المهملة، وفي إحدى الأيام شد انتباهه رائحةً زكية لم يشمها من قبل، هزتْ أركانه وحركتْ جوعه بشكل غير مألوف، فتتبع أنفه ليدلهُ على مصدر تلك الروائح الزكية، فأخذه أنفه إلى دكانة الشِواء حيثُ تنبعث روائح اللحمَ المشوي، فتوقف هنيهة ثم لم يستطع أكثر فبادر إلى الشَّوّاء طالبًا قطعة لحم، ولكن الشَّوّاء ردهُ بقسوةٍ ونهرهُ بعنف لما رأى فيه آثار البؤس والفقر، ولكنّ رائحة الشواء للطفل أعطته الشجاعة ليسأل عن اللحم المشوي وثمنه، وهنا ضحك الشَّوّاء! من أين لك بنصف درهم قيمة سفودين (سيخين) من الشواء؟ والذي جعل الطفل تظهر عليه علامات الحزن والتأثر، فمن أين له بنصف درهم؟ والقوم إن جادوا عليه بربع قيراط (ربع عُشر الدرهم) فهو غني جدًا ذلك اليوم، ولكن رائحة الشواء لم تجعل له مقدار أنملة بعدم المبادرة والسعي بكلِ ما أوتي من قوةٍ وجهد وإرادة وعزيمة فكيف لا؟ والحصول على نصف درهم سيجعله يتذوق الشواء الذي تهفوا إليه نفسه، ولكن رد الناس حوله كان بقسوة وبعنف وهو ما ناله منهم، إلى أن دبَّ اليأس فيه ولكنَّ ألم الجوع بجانب ورائحة الشواء بجانب آخر باعد بينه وبين دخول اليأس إلى نفسه، فوثب وهو يرجو بما في قلبه البريء من تعلق بالقدرة الإلهية العليا لله سبحانه وتعالى أن ينال ما تمناه من تذوق اللحم المشوي، وهنا وقف أمامه شاب زاهي الثياب جميلها وراقيها، هي الفرصة أتته برجلها بعد أن وجد أن الشاب رق قلبهُ له وذلك بابتسامة عريضة بدت على محياه، فبادر لطلب المال منه فقام الشابُ بفتح صرة لديه وأخرج منها خمسة دنانير ودفعها للطفل الذي رفضها، فهو لم ير درهمًا في حياته فكيف بدينار، فهنا تعجب الشاب وعرف أن الطفل لا يريد مالًا وإنما شيء آخر.

فسأله ماذا تريد بالمال؟ قال أريد نصف درهم قيمةَ شواء لحم، هنا ضحك الشاب من طلب الطفل الذي رفض خمسة دنانير (خمسون درهم) وطلب نصف درهم، فسأله أين ذلك الشواء؟ فقال الطفل من هناك ذلك الشَّوّاء، فذهب الشاب مصطحبًا الطفل إلى دكان الشَّوّاء وطلب منه إعطاء الطفل بنصف درهم سفودين من اللحم المشوي، فلم يتمالك الطفل نفسه إذ إنَّ موجةً عارمةً من الفرح غمرته بحيث جلس ينظر إلى اللحم المشوي وجلس قريبًا منه ذلك الشاب وهو ينظر إليه، فأتى الشَّوّاء باللحم المشوي للطفل وقدمه إليه، الذي جعل الطفل يقلبه بين يديه ويشمه مرارًا وتكرارًا، ثم بدأ بتذوق قطعة منه وأحس معها أنه في جنان الخلد يأكل (مما يشتهون)، وأخذ يستمتع بالأكل دون استعجال أو تلهف، هنا عرف الشاب أن هذا الطفل ذو خلقٍ ومزايا وإنما ساقته الأقدار للشارع وخصوصًا بعد أن عرض عليه كمية إضافيةً ورفض أيضًا أن يطلب مالًا أو يقبل حينما أراد أن يعطيه الشابُ المال، بل شكر الشاب بكلمات تدلُ على الأدب والخلق الرفيع، هنا بادر الشاب لسؤال الطفل عن حاله ولم هو يتسكع في الأزقة؟ قال الطفل كان لي والدان وكانا يرعياني، ولكن أبي مات شهيدًا في إحدى المعارك، وأمي ماتت بحزنها عليه وبقيت يتيمًا لا أحد لي سوى الشارع.

فبادر الشابُ إليه قائلًا ما رأيك أن تأتي معي؟ فقال الطفل وهو على براءته نعم، إن كنت سأعمل لديك، ففطن الشابُ أن هذا الطفل مميز وأخذه معه وأعطاه عملًا في قصره وسكنًا وملابس نظيفة.

فسبحان الله نصف درهم نقل الطفل من الشارع إلى القصر.

فهل تكون القناعة والرضا والأدب والخلق الرفيع سلاح المؤمن في حياته؟ 


error: المحتوي محمي