20 , فبراير 2024

القطيف اليوم

النخلة الجدة

ماتت النخلة الجدة خلف منزلنا، وماتت معها ذكريات الطفولة، وقفت عمرًا شامخة ورأسها مرفوع نحو السماء، وقبل سقوطها، رأيتها في ذلك المساء وهي تسند جذعها على جدار منزلنا، وكأنها تنظر لي مباشرة، وكأنها تريد أن تقول ما حدث لها عبر السنين الماضية، وهذا كان آخر لقائنا، وحدها جفت ويبست وسقطت بهدوء في منتصف الليل، ولم يشعر بها أحد إلا أنا، هكذا كانت جدتي داخل منزلنا تداري خواطر الجميع، كل تلك السنين التي مضت، كانت جدتي تنشر الخير والحب والحنان حولها، كل من رآها أو جلس معها يشعر بالأمان والسعادة، كانت تنقل لنا حكمة الأيام ونصائحها الثمينة التي تستمد من تجاربها بالحياة، كنت أتذكر كيف كنت أجلس بجانبها، أمسك بيدها الناعمة وأنظر إلى عينيها المليئتين بالحكمة والحنان، ولكن بمرور الوقت، بدأت صحتها تتدهور، تعب جسدها، وأصبحت لا تستطيع القيام بالأعمال اليومية بسهولة، كما كانت تفعل في السابق، كنت أشعر بالقلق والحزن لأنني رأيتها تتلاشى أمام عيني، وهي في حفظ الله تعالى وبين يدي رحمته، ولا يمكنني فعل شيء غير الدعاء.

وفي ذلك المساء الأخير، عندما رأيت النخلة الجدة وهي تسند جذعها على جدار المنزل، شعرت بأنه تعبير عن حالتها الحقيقية، كانت ترغب في أن تقول لي بأنه قد حان وقتها للراحة، أنها قد قدمت ما في وسعها وأنها ستغادرنا قريبًا، وفي تلك اللحظة، أحسست بالحزن العميق ورغم أني أرغب في الإمساك بيد جدتي وأن أبكي على فقدانها المحتوم، إلا أنني تذكرت ما قدمته لنا طوال تلك السنوات، قررت أن أحمل ذكريات جدتي معي، لأستمر في نشر الخير والسعادة كما فعلت هي.

بعد أيام قليلة، رحلت النخلة الجدة وأحسست بفراغ كبير داخل المنزل، ولكن قررت ألا أدع ذلك الفراغ يملأ قلبي، بدأت أتذكر قصص جدتي التي فيها الكثير من الحكمة، وكيف أثرت في حياتي، وقررت أن أستمر في التواصل معها داخل قلبي، وأن أكون سفيرًا للخير والسعادة وأحمل روحها العطوفة معي حيثما أذهب.

ومنذ ذلك الوقت، أصبحت أنشر السعادة حولي بالطرق التي علمتني إياها جدتي، أساعد الآخرين وأشارك في المجتمع بإيجابية، أتذكر دائمًا أن الحياة قصيرة، وأننا يجب أن نترك أثرًا جميلًا خلفنا، وبعدها أدركت أن النخلة الجدة لم تمت حقًا، رغم أن جسدها قد مات، إلا أن روحها ما زالت تعيش في قلبي وفي أفعالي اليومية، وعندما أنظر إلى النخلة الجدة الآن، أراها أكثر من مجرد شجرة ماتت، أراها رمزًا للعطاء والحنان والحكمة التي تركتها خلفها، وفي كل منزل هناك النخلة الجدة، تقف شامخة تعطي بلا حدود وبلا مقابل، سأظل أتذكر روح جدتي وإرثها الذي لن يموت، وعلى الرغم من أنني أشتاق لها ولحكاياتها، إلا أنني ممتن لما أعطته لي وللعالم أجمع، إن قصة النخلة الجدة علمتني أن الحياة مليئة بالتغير والفقدان، ولكن يمكننا الاستمرار بتأثيرنا الإيجابي والخيري، حتى بعد رحيلنا، وقد تموت الأشياء المادية، ولكن الروح والذكريات تبقى خالدة، والآن، أنا هنا لأروي قصص جدتي وأنشر الخير والسعادة كما فعلت هي، ولكي أفعل ذلك، أحتاج إلى أن ازرع شجرة أخرى في حياتي، وأن تكون مثل النخلة الجدة التي تنمو وتمتد لتظلل وتمنح الحياة للآخرين، في نهاية الأمر، النخلة الجدة لم تمت، إنها ما زالت تعيش في قلبي، وفي قصتي، وفي قلوب كل من يستمع إليها، وفي قلب كل إنسان منا لا بد أن توجد في حياته النخلة الجدة.


error: المحتوي محمي