12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الشباب والمحاكاة!

في أول سنوات عمري أبي هو أعظم شخصية في حياتي، أحاول لبس غترته وعقاله وحذائه، تقليده ومحاكاته في أقواله وأفعاله وكل حركاته "ومَنْ يشابه أَبَه فما ظَلَمْ". ثم بعده أصدقائي في سنوات المراهقة، أحاكيهم ويحاكوني في قصّات الشعر، أي كتاب ومجلة نقرأ، أي موسيقى نسمع، أي مطعم نزور، أي لعبة نلعب! أشياء كثيرة يحاكي الشبّان والشابات فيها سلوك بعضهم بعضًا!

ثم محاكاة المشاهير! في قصّات شعرهم، ملابسهم، ماذا يسمعون وماذا يقولون؟ فضول كامل لمتابعَة شخص أو أكثر ربما فيه شيء وربما فارغ من كل شيء يستحق المحاكاة والمتابعة. فما قيمة ذلك؟ الطبيعة لا تقبل الفراغ  فلا بدّ لكل شاب من شخصية - قُدْوَةُ - يقلّدها ويحاكيهَا ويتّخذها مثلًا في حياته:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
ففيه دليلٌ عنه بالطبع تهتدي
ولا بدع في وفق الطباعِ إذا اقتدت
فكلّ قرينٍ بالمقارن يقتدي
وإن تصطحب قومًا فصاحب خيارهم
لتصبح في ثوب الكمالاتِ مرتدِي
وجانب قرينَ السوء يا صاح صحبةً
ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي

سوق مفتوحة، فيها الشخصيات الصالحة والقدوات الطيبة الغالية وفيها المتردية والنطيحة ومن لا يستحق السوم! فإذا ما كنت شابًّا في هذه الآونة سوف تتجاذبك أنماطٌ كثيرة من القدوات وعليك أن تسأل: هل هذا يصلح لي؟ هل هذه تصلح أن تكون قدوة؟ إما أن تقتدي بالحداد أو بائع المسك! عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "مثل الجليس الصالح والجليس السوء مثلَ صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك أو تجد منه ريحا خبيثة".

أخي الأب، أختي الأمّ لنجعل من شخصياتنا أفضل قدوة لأبنائنا وبناتنا ونقدم لهم نماذج عليا فلا يعودون يبحثون عن نماذج كرتونية فارغة يقتدون بها ويقلدونها. من الجناية عليهم أن نترك نوافذ عقولهم مفتوحة يعبث بها من هبّ ودب. نفحص قائمةَ أصدقائهم وصديقاتهنّ ونرى من يحاكون ومن يؤثر في حياتهم؟ فكما يقول أبو العلاء المعري:
مشى الطاووس يومًا باختيالٍ ** فقلّد مثل مشيته بنوه
فقال علامَ تختالون قالوا ** بدأتَ به ونحن مقلدوه
فخالف مشيكَ المعوجّ واعدل ** فإنا إن عدلتَ معدّلوه
أمَا تدري أبانا كلُّ فرعٍ * يجاري بالخُطى من أدبوه؟
وينشأ ناشيءُ الفتيانِ منا ** على ما كان عوده أبوه

عن الإمام علي عليه السلام: "الحكمة ضالة المؤمن، فاطلبوها ولو عند المشرك تكونوا أحق بها وأهلها". نأخذ ما ينفع أينما نجده وعند من نجده في الشرق أو الغرب غير ذلك نتركه عند أهله! من يستحق المحاكاة والتقليد مرحبًا به ومن لا يستحق نقول له سلامًا!


error: المحتوي محمي