12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

إني لأشعر برحمتك بالرغم من معاصيّ الكثيرة « وَآمَنُ سَخَطَهُ عِنْدَ كُلِّ شَرٍّ» (3)

- اقتراف الذنب وفعل الشر يبعثان الخوف في النفس اللوامة.

- تأخر العقاب واستمرار النعمة لا يخلقان الطمأنينة.

- دوام النعمة وسعة الرحمة يبعثان الأمن والأمان.

مدخل: يبحث الإنسان عن الخير لأنه يؤمّن له مشاعر الرضى والاستقرار وكلما اتسعت رحمة الله به كلما شعر بمزيد من الأمان، وتختلف نفسية الإنسان بين شعور بالأمن لنفسية مستقرة (النفس المطمئنة)، وأخرى تعيش بين الرجاء والخوف (النفس اللوامة)، وبين نفس تنحرف به عن مصدر نعمه وهدوئه فتنشأ حالة السهو والنسيان أو حالة الاضطراب والخوف وتوقع العقاب؛ فتقترب منه مشاعر الوحدة والخوف بين مصاعب الحياة وفقدان الأمل، وكلما شعر بوجود الله ورحمته كلما تنامى عنده الأمن من الشرور.

عندما يصدر الشر والمعصية من الضعيف الممكن فإنه يتوقع البطش والسخط والغضب من القوي، ويتوقع العاصي الضعيف كل صنوف العقاب والخسران، مما يبعث على الخوف في النفس نتيجة العصيان والغفلة،

وأنت يا ربي مع كل مخالفتي إياك وعصياني لك وكفراني لنعمك فإني أشعر بالأمن من سخطك وعقابك، لأن استمرار نعمك ثبتت في نفسي صورة مختلفة عن عموم المنعمين لأني تيقنت أنك أرحم الراحمين والرؤوف بعباده،

هذا الأمن والأمان هو نتيجة تراكمية لشعور متنامٍ عبر تجربة الإنسان الحياتية من استمرار النعمة رغم الكفران والمعصية،

وإن غاب الخوف من العقاب الذي هو شعور نفسي أيضًا لتجربة الإنسان الحياتية في حصول العقاب مع المخالفة للأمر إلا أن هناك ما أبعدَ الخوف وجعل في الإنسان شعورًا بالأمان لطول تجربته مع الله في عدم حصول العقاب المباشر للمخالفة.

بل إن بعض صور العقاب لا يقرأها الإنسان لسهوه عن ربط بعض تلك العواقب نتيجة للأخطاء المتكررة والغفلة حتى عن قراءة مصائب الآخرين فقد تكون تنبيهًا لنا أيضًا فنظن أنه عذاب لأولئك المنكوبين فقط إن كان ذلك نتيجة عقاب أو أننا آمنون من مثل تلك النكبات وما يشابهها فتنمو حالة النسيان والكفران بدل الوعي والانتباه. 

هذا الأمن نتيجة لتأخر العقاب واستمرار النعمة والحياة لكن استمرار ذلك دون تنبيه من فقدان النعمة ولو لفترات مختلفة ليوقظ الإنسان من سهوه وغفلته فتنشأ بذلك حالة الخوف الذي يكون لنعمة الخير أثرها في استمرار الطمأنينة والاستقرار النفسي.

ونرى ذلك واضحًا في قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} حيث إن الجوع والمصائب تخلق في النفس الخوف (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا) فيبحث عن الأمن ولن تستقر نفسه إلا إذا حلت النعمة التي تبعث في النفس حالة من الاستقرار النفسي والشعور بالأمان.

إذن الشعور بالأمن بالرغم من المعصية هو نتيجة خبرة تراكمية من غياب العقاب المباشر للذنب المقترف واستمرار الرحمة بنعمه المتواصلة على الإنسان "وَآمَنُ سَخَطَهُ عِنْدَ كُلِّ شَرٍّ".


error: المحتوي محمي