12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

عندما تتحول العبادة والعلاقة مع الله إلى أنس معه {يا مَنْ اَرْجُوهُ لِكُلِّ خَيْر} (2)

مدخل: ما لم تتحول العبادة والعلاقة مع الله إلى أنس بالحديث معه وعبادته فإن الأمل لا يتحول إلى قيمة عملية تؤدي دورًا إصلاحيًا لمسيرة الإنسان وتحليقه في سماء الطاعة لأن الغاية والعمل والإرادة تصنع منظومة قوية لمواجهة حالة النكوص والتراجع عن طاعة الله.

وما لم تشحن النفس بطاقة كافية من الأمل والرجاء للوصول إلى الهدف الأسمى فإنه يتأرجح بين الذنب والطاعة النسبية.

الرجاء والقنوط
الرجاء هو الأمل والاسترحام ويضاده القنوط واليأس، فلقد رجوتُ الكثيرين غيرك ولم يوفوا لي رجائي ويكفي يا رب أنك رجائي لكل خير أحتاجه في حياتي ومماتي، فقد فتحتَ أبوابك لكل عبادك، ومن أجمل ما تجده في هذه الفقرة هو عنوانان متناسقان وهما "الرجاء والخير" فإن الرجاء هو توقع المطلوب مما يسر ويضاده الخوف مما يضر، فناسب لفظ الرجاء بلفظ "الخير" وهو مضاد للشر ومعنى الخير الإلهي هو الثواب والرضى وهو أكملها ثم لطفه بعباده من النعم وحفظ النفس والحياة والأمن من النوائب ويجمعها الاستقرار النفسي والأمن الحياتي.

الخير من المطلق لا حدود له ومن المحدود حسب قدرته وإمكانه الزماني والمكاني؛ فأنت تطلب من شخص مالًا أو حاجة هي بحدود قدراته ولكنك أمام الله لا تجد لطلبك حدودًا ولا لحاجتك وقتًا "وبابك مفتوح لطالبيك" وقد نستكثر طلب عفوه لسنين من الذنوب والمعاصي فنقع في دائرة القنوط واليأس من مغفرته سبحانه، ولمَ القنوط؟ وهو يقول: {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.

ولعلنا نواجه أشكالًا في حصر الخير منه سبحانه حينما يتعلق عموم الجار والمجرور بالرجاء وكأنه لا يوجد أي خير من غيره سبحانه بينما نجد خيرات كثيرة من الناس في عطائهم ونفعهم؟

وإن نظرنا إلى سلسلة العطاء فإنها مهما امتدت فإنها تنتهي إلى موجد الكون ومالكه ومفيض النعم ولا يوجد مصدر للخير حقيقة إلا هو سبحانه وإلا فكل أطراف الخير هي إضافات تنتهي إليه سبحانه واهب الخير والحياة.

نعم قد يجد الإشكال مكانًا له لو كان التعبير "لا أرجو الخير إلا منه" فيكون حصرًا خاصًا به ومع ذلك فإننا أمام خير سببي ومسببي، والخير السببي الحقيقي الذي ينتهي له كل سبب لا يكون إلا منه سبحانه لأنه هو فيض الخير والنعم والحياة واقعًا، وما يأتي في سلسلة الأسباب والمسببات تنتهي إليه سبحانه لأنه هو مفيض الحياة والنعم ومهما كان الممكن سببًا في خير فإنه يرجع في الأخير إليه سبحانه وتعالى، ومهما كان نوع المنعمين فإن الممكن في وجوده وعطائه هو بفيض المنعم المطلق سبحانه وتعالى واهب الحياة والوجود.


error: المحتوي محمي