12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

إدمان الرفاهيّة!

لو طفتَ عدّة بلدان أو عمّرتَ عدّة أجيال لعرفت أن رفاهيّة أهل بلدٍ ما أقلّ أو أكثر من غيرهم من البلدان ورفاهية أهل جيل أقل أو أكثر من غيره من الأجيال. عسى أن من عاصروا جيلين مختلفين يدركون التباين في الرفاهية؟! 

في قاموس اللغة العربية معنى كلمة "رفاهيّة" هو رغد وسعة العيش. ليس الكلام عن - الإدمان - بمعنى العيش والتمتع في حدّ المعقول، إنما الحديث عن حالةٍ مبالغ فيها من الترف فترانا نهتمّ ونبَالغ في أشياء تزيدنا متعةً، وهي ليست ضرورة من ضروريات الحياة، وتأتي بمفاعيلَ عكسية حين تشكل حالةً من الإدمان السلبيّ. لعل "الترف" أقرب لما قصدت، وهو إشباع حاجة غير ضروريّة.

لكي لا يكون اللوم من نصيب فئة الشباب - وحدهم - لأن شابًّا يشتري كوب شاي - أو شطيرة -  مرّة واحدة في اليوم، يعدل مزاجه أو يشترك في نادٍ رياضي ويرفّه عن نفسه؛ اسألونا نحن كبار السنّ كم حاجةً نشتري ليس لنا فيها حاجة؟ رفاهيتنَا الفائضة أغلى من كوب قهوة أو وجبة في مطعم!

أدمنّا رفاهية الأكل فضاعت الصحة، أدمنّا رفاهية التواصل الاجتماعي فغاب الاتصال! أدمنّا الكسل فغاب النشاط والقوة! أدمنّا التبضع فأصبحنا مديونين! في أحد الأيام قصدتُ أربعة محال تجارية بحثًا عن سلعة ليست ضرورية أبدًا. لم أجدها وعدتُ في اليوم الثاني أبحث عنها حتى وجدتها. هي حالة قد تكونون قد مررتم بها - القراء الكرام - اعتدتم إدمان سلعةٍ من نوعٍ ما؛ أكل أو شرب أو لباس فصرتم لا تشترون سواها.

الرفاهية الفائضة - الترف - لا تدوم أبدًا وأكثر مثال يجسد واقعنا الحاضر هو علاقتنا بأنواع من المتع ندمنها ويضيق صدرنا إن لم نحصل عليها. نشهد اليوم أنماطًا كثيرة من المبالغة في الرفاهية من الصعب عدّها أو حصرها ويستطيع القارئ الكريم والقارئة الكريمة أن يشخص ذلك بنفسه؛ ما هو ضروري؟ وما هو مبالغة؟ عن الإمام علي عليه السلام: "إياك وإدمان الشبع، فإنه يهيج الأسقام ويثير العلل". 

السؤال هو: هل نُدمن على شكر الذي منّ علينا بالرفاهية لكي لا تزول؟ عن الإمام الصادق عليه السلام: مكتوبٌ في التوراة: "اشكر من أنعمَ عليك وأنعِم على من شكرك، فإنه لا زوال للنعماء إذا شكرت ولا بقاء لها إذا كفرت، والشكر زيادة في النعم وأمان من الغير".

أسألكم وأسأل نفسي: هل نساهم - الأهل - في خلق جوّ من الدعة والرفاهية وليونة مستقبلية عند الأبناء بدلًا من خلق حالة وسطية لا تحرمهم من المتعة وفي ذات الوقت تجعلهم يعرفون أين يضعون أقدامهم فوق الأرض؟


error: المحتوي محمي