12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الأمّ.. الصمغ العجيب!

هذه الخاطرة ليست في مناسبة عيد الأمّ أو غيرها من المناسبات التي ظهرت حديثًا. إنما شعرت صباح اليوم بقوة تشدني للكتابة عن الأمهات. قوة شدتني نحو الكتابة عن العاطفة الخفيّة والغريبة التي تمثلها الأمّ! ربما لما رأيتُ من معاناة بعض الأمهات!

في اللغة الإنجليزية يقولون عن الأمّ بأنها الصمغ أو الغراء العجيب الذي يلصق أفراد العائلة مع بعضها. وإذا لم تكن في البيت أمّ يقولون عنه بيتًا مكسورًا أو خَرِبًا! الأمّ أمّ ودار وأرض وعرض وتاريخ وتراث ولمّة أحباب! عندما تحضر يحضر الجميع وعندما تغيب وإن حضر الجميع، الكلّ غائب!

الأمّ في الأرض، تفلح وتزرع وتروي وتثمر ورد وزهر. الأمّ دار تلمّ وتجمع وتربّي وتحمي من غدر الزمان. الأم عرض وغيرة وشهامة وشرف. الأمّ تاريخ وأصل وفصل. الأمّ لمّة وجَمعة وحضن. الأمّ تراث تجمعت فيه مواويل البحارة وناي الرعاة وأغاني الفرح. لا يوجد خير ليس له أمّ! تخيل مع هذا العلو الجنة تحت أقدامهنّ - عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "الجنة تحت أقدام الأمهات".

القراء الكرام: ماذا لو ضعفت الأمّ عن أن تكون المادة اللاصقة؟ ألا ترون أن الأسرة تتفكك؟ لذلك إذا أردت أن تهزّ عرش أسرة ابدأ بالأم! إذا أردت أن تطيح بكل هذا الجمال، فمن البنت والزوجة والأم فابدأ. اسلب منها قدرتها على الجمع واستبدلها بالقدرة على الطرح والقسمة والضرب.

هل يظن القارئ الكريم أن الأم حصلت على كل هذه الأوسمة والحقوق والنياشين فقط لأنها حملت ثم ولدت في عملية بيولوجية مع أن الولادة ضرورية للحياة؟ كلا! الأم مخلوقة من أجل نجاح مشروع الله في الكون!

"فَحَقّ أُمّكَ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنّهَا حَمَلَتْكَ حَيْثُ لَا يَحْمِلُ أَحَدٌ أَحَدًا وَأَطْعَمَتْكَ مِنْ ثَمَرَةِ قَلْبِهَا مَا لَا يُطْعِمُ أَحَدٌ أَحَدًا وَأَنّهَا وَقَتْكَ بِسَمْعِهَا وَبَصَرِهَا وَيَدِهَا وَرِجْلِهَا وَشَعْرِهَا وَبَشَرِهَا وَجَمِيعِ جَوَارِحِهَا مُسْتَبْشِرَةً بِذَلِكَ فَرِحَةً مُوَابِلَةً مُحْتَمِلَةً لِمَا فِيهِ مَكْرُوهُهَا وَأَلَمُهَا وَثِقْلُهَا وَغَمّهَا حَتّى دَفَعَتْهَا عَنْكَ يَدُ الْقُدْرَةِ وَأَخْرَجَتْكَ إِلَى الْأَرْضِ فَرَضِيَتْ أَنْ تَشْبَعَ وَتَجُوعَ هِيَ وَتَكْسُوَكَ وَتَعْرَى وَتُرْوِيَكَ وَتَظْمَأَ وَتُظِلّكَ وَتَضْحَى وَتُنَعّمَكَ بِبُؤْسِهَا وَتُلَذّذَكَ بِالنّوْمِ بِأَرَقِهَا وَكَانَ بَطْنُهَا لَكَ وِعَاءً وَحَجْرُهَا لَكَ حِوَاءً وَثَدْيُهَا لَكَ سِقَاءً وَنَفْسُهَا لَكَ وِقَاءً تُبَاشِرُ حَرّ الدّنْيَا وَبَرْدَهَا لَكَ وَدُونَكَ فَتَشْكُرُهَا عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ وَلَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلّا بِعَوْنِ اللّهِ وَتَوْفِيقِهِ".. الإمام زين العابدين عليه السلام.

غاية الكلام: البنيّات والفتيات الصغار يصبحن عرائس ثم أمهات! وما الزوجة والأم إلا انعكاس للبيت الذي كبرت فيه - بيت الأب والأم. من هناك نبني الكون أو نهدمه! من هناك يبدأ النجاح والفشل!

الرحمة لمن مات من الأمهات والعمر المديد المملوء بالصحة والنشاط للأحياء منهنّ، قولوا: آمين يا ربّ العالمين.


error: المحتوي محمي