12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

هل كل الموروث الديني صحيح؟!

في مقالي الفائت (المصفقون ونقد الموروث) كتب لي أحد الأعزاء سؤالًا يقول: وهل كل الموروث صحيح؟!، والجواب هو: لا، في هذا السياق ماذا ينبغي لي أن أفعل وأنا أجد موروثًا دينيًا مختلفًا عليه؟!، لا بد للإجابة عن هذا السؤال معرفة حقيقة أن العلوم ليست نسخًا ثابتة، توجد عادة نسب عالية من الاتفاقات بين العلم الواحد كما توجد نسبة من الاختلافات، السؤال هو: ماذا ينبغي أن نفعل وهناك اختلاف بين أعلام هذا العلم؟!.

الإجابة عن السؤال السابق هي: البحث عن الصحيح، يمكنني هنا عوضًا عن هذه الإجابة أن أقول: في مدرسة أهل البيت -عليهم السلام- لا يستطيع عالم الدين أن يقول: أنا أرى، إلا إذا بلغ مرتبة الاجتهاد، درجة الاجتهاد هي درجة يصل إليها طالب العلم بعد تفوقه في مناهج كثيرة تبني فيه القدرة على الاستنباط، تصل إجمالي سنوات هذه الدراسة لما يزيد على العشرين سنة، ثم ماذا؟! ثم إن مقام المرجعية وهو الذي يخول هذا العالم للإفتاء ويجيز للناس العمل بفتواه لا بد بحسب رأي أغلب المراجع أن يكون الأعلم فقهًا وأصولًا، انطلاقًا من ذلك فإن هؤلاء هم بحسب المنتمين لهذه المدرسة الفقهية المأمونين بالاتباع، وهم الذين يصححون ما يُنقل من روايات تتضمن الدين من فقه وعقيدة، ومع ذلك فإن اختلاف هؤلاء في الفقه أمر محتمل بل واقع ولا ضير فيه، لذا فتقليد أحدهم بعد توفر البينة غير المعارضة يبرئ الذمة وهو بحسب كل الموازين العقلية أمر منطقي، إذن: ماذا نفعل حين الاختلاف؟! الجواب: نتبع من توفرت البينة غير المعارضة على أعلميته فقهًا وأصولًا.

هذه الاجابة الطويلة ليست حلًا حقيقيًا وجذريًا لهذا التساؤل لأن القضية هي سلسلة غير متوقفة من الإشكالات، الحل كما أعتقد هو في أن يدرك الإنسان ضرورة تعلم طريقة (البحث عن الحقيقة)، في زمن ليس ببعيد وتحديدًا في التسعينيات كنت طالبًا في الجامعة، كان إعداد البحث يحتاج لمراجع وكانت المكتبة هي مصدر تلك المراجع، مستوى المشقة في إعداد البحث كان كبيرًا لهذا السبب، أما الآن فيمكن للقوقل وفي بضع دقائق أن يمنح الباحث ما يريد، معظم طلاب الثانوية الذين يريدون الدراسة في الغرب يمنحون أنفسهم الكثير من الوقت والجهد لمعرفة الجامعة والتخصص اللذين ينبغي اختيارهما، لم يوح لهم العلم، هم باختصار تعلموا كيف (يبحثون عن المعلومة الصحيحة)، لذا فجواب السؤال: ماذا ينبغي لي أن أفعل حين الاختلاف هو: أن تتعلم البحث المضني عن الحقيقة، أن تبحث في القوقل وجميع وسائل البحث الإلكتروني عن رواد هذا العلم وأفذاذه غير المختلف على علو قدرهم ومنزلتهم العلمية، أن تسأل أهل هذا التخصص عن أعلام هذا العلم وأعاظمه، أن تقصدهم وتسألهم، أن تقرأ ما يكتبونه، أن تضع الهوى جانبًا وتتقبل نتيجة الحقيقة وإن خالفت ما تعتقد صحته، حينئذ ستجد إجابات أسئلتك وإشكالاتك التي كنت تظن أنها معقدة في حين قد تكون غاية في البساطة.

من الضرورة بمكان أن يتعلم الإنسان طرق البحث الصحيحة عن الحقيقة، فضاء الثقافة واسع، وستجد كثيرين يثرثرون في علوم لم يدرسوها، يملكون من جمال اللسان وبلاغة القلم الشيء الكثير، كل هؤلاء لا ينبغي أن يمنحوك اطمئنانًا بعلم صحيح، لن تصل إلى العلم إلا إذا أدركت الفرق بين العالم والمثقف، بين العالم والقارئ، بين العالم والمتعيلم، حينها ستعرف كيف تحصل على إجابات أسئلتك.


error: المحتوي محمي