12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

زعمتني شيخًا ولستُ بشيخٍ!

العنوان صدر بيت وعجزه قوله: "إنما الشيخ من يدبُّ دبيبا". صديق لم أره منذ نحو أربعين سنة، صادف أن زرت بلدَه وأحببتُ أن أراه. هاتفته فلم يردّ، ولما سألتُ عنه من يعرفه قالوا بأنهم رأوه منذ مدة قصيرة وقد شاخَ. إذا كان بإمكانكم مهاتفة الأصدقاء أو زيارتهم، فذلك أجمل من الرسائل، وإن كانت الرسائل أفضل من القطيعة. والأصدقاء أيضًا مراتب فمنهم من تجوز في حاله رسالة ومنهم مكالمة هاتفية ومنهم يستحق زيارة!  

معقول أن "الشيخ" هو من وصل سنّ الخمسين؟! القراء الكرام: أذا أنتم الآن بعد منتصف العمر - رجاءَ أن يطول عمركم فوق 100 سنة - هل تأسفونَ على سنواتِ الشباب وتعدونَها أثمن من غيرها؟ أم راضونَ ومتصَالحون مع مراحل تقدم العمر؟ ثمة سؤال آخر: هل شبّان وشابّات هذا الجيل يحترمون الكبير ويوقرونه؟

تكريم جميل عندما يناديني أحدٌ ما: يا عم! كله أدب وذوق لكنه يحمل بين طياته عنوان الشيخوخة وكبر السنّ ويذكرني بأني كبرت! كثيرًا ما يجري حوار بين من يناديني يا عم لأشكره وأذكره بأن من يناديني يا عم أو يعرض عليّ الجلوسَ والراحة فوق كرسي إذا رآني منتظرًا أنّي لست عجوزًا ينتظر الموت ثم القبر! رجلٌ ينادي العمرَ أين أنت؟ أين ذهبت؟ كم لعبنا معًا؟ كم مشينا معًا؟ مع ذلك متصالح مع الشيب ولا يبغضه:
تأسَّفَتْ جَارتي لمَّا رَأْتْ زَوَري
وعدَّتِ الشيبَ ذنبًا غيرَ مغتفرِ
تَرجُو الصِّبا بَعدمَا شابَتْ ذَوَائِبُها
وقدْ جرتْ طلقًا في حلبةِ الكبرَ
أَجارتي! إِنَّ شَيبَ الرَّأْسِ نَفَّلني
ذِكرَ الْغواني، وأَرضاني مِنَ القَدَرِ
لو كُنتُ أَرْكُنُ للدُّنيا وزِينتِها
إِذنْ بكِيتُ على المَاضِينَ مِن نَفَرِي

الحمد لله، لا يزال أغلب الشبان والشابات عندنا يحترمون ذا الشيبة، يجلونه ويقدّموه في كثيرٍ من المواقف. أما في المجتمعات الغربية - ويحصل عندنا أحيانًا - قد تستغل ثقة وبراءة كبار السنّ ويقعون في مصائد المحتالين والمبتزين! شيء عجيب جدًّا!

الشيخوخة حقيقة بيولوجية لها طريقتها الخاصة في الحدوث خارج سيطرتنا. بعضنا يعيش عمرًا طويلًا في صحة وعافية وبعضنا تظهر عليه الأعراضُ والأمراض. أهمّ ما في هذه المرحلة من العمر أن نتمكن من خدمة أنفسنا دون الحاجة لمساعدةٍ من أحد - أيًّا كان - وأما الضعف والتغير فذلك من شيمِ الزمان وهو علّة ما لها دواء:
لَقَد زَعَمَتْ أَنّي تغيَّرتُ بَعدَها
وَمَنْ ذَا الَّذِي يَا عَزَّ لَا يَتَغَيَّرُ
تغيَّر جسمي والخليقةُ كالَّذي
عَهِدْتِ ولم يُخْبَرْ بِسرِّكِ مُخبَرُ
أيادي سبا يا عَزّ ما كنتُ بعدكُمْ
فلمْ يحْلُ للعَيْنَيْنِ بعدَكِ مَنظرُ

غاية المرام: في النّاس من يشيخ جسدًا وروحًا وفي النّاس من يشيخ جسده وروحه تبقى شابّة طالما استمر في الحياة، منطرحين فوق فراش المرض إلا أنهم أعظم حياةً من شبّان وشابات في ريعان الصبا!


error: المحتوي محمي