12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

حدثيني يا أمَاهُ..

أحمد ذلك الطفل اليافع، والذي يبلِغُ من مسافات عمره اثني عشر ربيعًا، علاقتَهُ وطيدَةٌ بأمه، يراها مثلهُ الأعلى، والقدوةُ الحسنة، لما تمتلكهُ من شخصية مُلهمة، تتمتَعُ بالجدية التي لا تخلو من الأريحية، والمُلاطفة الفُكاهية التي لا تُفقِدُها الرَّصانة في الحديث والسُّلوك.

في هذا العصر الذي اكتسحت فيه التكنولوجيا وقنوات التَّواصل الاجتماعي الأسرة، حيث لا يتصرَمُ الوقْتُ إلا وقنواتُ التَّواصُل مقصدٌ لأفرادها باختلاف فئاتهم العُمرية، ولكن فاطمة لم تكُن تتعامَلُ معها كالجُزء الأكبر من يومها، إنَّها تتفاعَلُ معها بمنطقية خلابَةُ بالغَةُ الدّقة، تقرأ ما تحتويه من فائدة، بالإضافة إلى التَّواصُل مع الآخرين، ولكن نظام الأولويات له أهميَةٌ كبيرَةٌ بالنّسبة لها.

بهذه الطريقة، بهذا الأسلوب كانت تُربي ابنها أحمد، هي تُؤمِنُ بأنَّ التربية لا تقتصر على التوجيه اللَّفظي، والدَّعوة إلى السّلوك الأخلاقي إلى امتداد كُلّ جميل، ولكن التربية تراها لا تُؤتي أكلها إلا بالتزامن مع الفعل السّلوكي للمُربي؛ ليكُون القدوة الحسنة، التي تُقدِمُ المفاهيم السّلوكية من خلال تصَرُفاتها، فإنَّ هذا الفعل السّلوكي له الأثر الكبير في تربية الأبناء بالتعاضد مع التوجيه اللَّفظي في عملية تكاملية.

في مساء الجُمعة، كان أحمَدُ يُذاكر دُروسه، وبعد الانتهاء جلس بالقُرب من أمه، حيث إنَّه قد بقي على دخُول صلاة المغرب قُرابة العشْر دقائق.   

نظر إليها مُتأملًا، وهي تفترِشُ سجادتها قبل الأذان، تستعِدُ لأداء الصَّلاة بتلاوة آيات من القُرآن الكريم، كعادتها في كُلّ فريضة.

لم يقتصر ذلك على الفريضة، ولكنَّها لا تُفارق آياته في دقائق يومها، لذا فإنَّها تختِمُ القُرآن الكريم في العام أكثر من مرة.

سألها أحمد:
ما سِرُّ تعلقك بالقُرآن الكريم، واهتمامكِ الكبير بأداء الصَّلاة في أول وقتها؛ لتكُوني على سجادتكِ قبل الأذان بوقت، وتهجُدكِ ليلًا؟

إذا استيقظ فجرًا، كان يراها من خلف باب حُجرتها، ليقف يُصغي إلى صوت مُناجاتها، فقد علَّمته أن يضع المُنبه على وقت صلاة الصُّبح؛ ليستيقظ من النَّوم، ويُؤدي الصَّلاة في أول وقتها.

حدَّقت في عينيه، احمرت وجنتاها، أشرقت ابتسامَةٌ على شفتيها منحتها جمالًا، يُعانِقُ رُوحها في سكينة روحانية، يستشعِرُها أحمَدُ عبر انجذابه العفويّ لها.

كان أبي حريصًا على أداء الفرائض في وقتها، سواء أكان صيفًا أو شتاء، ولم يكُن يؤديها إلا في المسجد، ولا يتخلف عنه إلا في الظّروف الخارجة عن إرادته.

كان أبي دائمًا يُوجهنا إلى الاهتمام بالصَّلاة، مُنذ كنَّا صغارًا، بالإضافة إلى أنَّنا كنَّا نُبصِرُ هذا الاهتمام يتجسَدُ في سُلوكه عمليًا، وهذا الشيء الذي زرعَهُ فينا، ها أنت ترَاهُ بعينيك فيَّ.

حدثيني أكثر يا أمَاهُ عن جدي "رحمَهُ الله":

لقد أخذتني بُني إلى تلك الأيام التي بيننا كان أبي، كانت أجمَل أيام، ليتها ترجع، ونكُون بين أحضانه، نُصغي إلى كلماته، ونلمَسُ الحنان في عينيه، حنانَهُ الذي كان أشبه بحنان الأمهات.

بُني، ذات يوم، رُبما كنْتُ في الرابعة عشرة من عمري، في شهر رمضان صباحًا، وقبل أذان الفجر، من عادتي كنْتُ أقرأ القُرآن بصُوت عالٍ، وإذا بأبي واقِفٌ يُصغي إليَّ، نظراتُهُ تشي بما لا أستطيع وصفَهُ إليك، وبعدها قال لي:

بُنيتي، أحِبُّ القُرآن بين يديكِ، أحِبُّ سماعكِ، وأنتِ تصدحين بالتلاوة، لصوتُكِ راحَةُ قلب، استئنَاسُ رُوح، ابتهَاجُ أب ينظِرُ إلى ابنته، ثمَّ يتوجَهُ إلى المسجد؛ ليُصلي..

كانت نظراتَهُ لي كلُّها محبة وحنان، وهو يهِمُ بالذَّهاب إلى المسجد، كم اشتقْتُ إلى ذلك الوجه الحاني، أبي كان لا يشبههُ أحَدٌ يا بُني، هكذا أرَاهُ، إنَّه أبي.


error: المحتوي محمي