12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

أكواخ الأمس أم قصور اليوم؟!

السماءُ تمطر بشكل جيّد، صباح يوم الاثنين، 20 تشرين الثاني/نوفمبر، عندما كنت أخطّ هذه الكلمات. ذكرني هذا المطر - هدية السماء - بماضي الزمان؛ البيئة وأحوال الناس، الفقراء في بيوتٍ من جريد النخل والأغنياء من الطين والآجر. بيوت لا تحمي ساكنيها عند نزول المطر، كيف عاشوا السنوات الصعبة؟ الدور القديمة، أو ما بقي منها في منطقتنا، كيف سكنَها أهلها وعاشوا فيها على بساطتها؟ وكيف نعيش نحن اليوم؟

ليس عندي إجابة شافية! إنما وإن كان الماضي بئيسًا في كثيرٍ من جوابه، إلا أن العلاقات الاجتماعيّة فيه أقرب من الآن. ما كانت العلاقات صافية وكاملة، إنما بحكم واقع الحالة الاقتصاديّة والاجتماعيّة آنذاك، كانت أفضل! البيوت الخاوية كانت العلاقات فيها أمتن وأقرب.

أما المساكن - القصور - الحديثة، وأقول عنها "قصور" مقارنة بالدور القديمة، فالحياة فيها أقل تقاربًا! تنتقل من حيّ قديم إلى حيّ آخر وتعيش عشر سنوات تمامًا مثل الغربيين، لا تعرف جارك ولا يعرفك! هو في حالهِ وأنت في حالك! النساء في الحيّ القديم يعرفن بعضهنّ والصبية في الحيّ القديم يعرفون بعضهم ويلعبون حتى تغيب الشمس، والرجال كذلك يعرفون بعضهم! 

ما يميّز أكواخ الأمس عن قصور اليوم هو الجيرة الطيّبة والعلاقات الاجتماعيّة التي تمكنت من التغلب على قسوة الحياة في ظل غياب الرخاء والرفاهية. الحياة القديمة يومًا فيومًا تختفي ويحل مكانها أناس يسكنون بيوتًا كبيرة وعمائر من عدة طوابق، لا يعرف فيها الجار جاره! يذكرني هذا النمط من الحياة بالفترة التي قضيتها في الغرب! سنوات لا تعرف اسم جارك، إذا التقيت معه في مواقف السيارات تهزّ رأسك بالتحية ويكفي. لا تدعوه ولا يدعوك إلا في حال حصل مشكل يستدعي الحديث.

لم يكن الماضي جميلًا في كلّ نواحيه! كان قاسيًا وصعبًا! لكن فيه عادات ومشاهد اجتماعيّة كان بالإمكان نقلها وحملها إلى الحاضر وليس رميها والتخلص منها! واحد من هذه المشاهد حسن الجوار! عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "ما زال جبرئيل عليه السلام يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه". وفي الجار يقول مسكين الدارمي:
نارِي ونارُ الجارِ واحدةٌ
وإليه قبلي تُنْزَلُ القِدْرُ
ما ضرَّ جاري إذ أجاوِرُه
أن لا يكونَ لبيتِه سِتْرُ
أَعمى إذا ما جارتي خرجتْ
حتّى يُوَارِيَ جارتي الخِدْرُ
وأَصمُّ عمّا كان بينَهُما
سمعي، وما بي غيرَه وَقْرُ

يمكن للجيران أن يؤثروا في سعادة المرء. وفقًا لدراساتٍ موثقة فإن 61% من البالغين الذين تبلغ أعمارهم 45 عامًا فما فوق والذين لم يتحدثوا أبدًا مع أحد الجيران يشعرون بالوحدة، مقارنة بـ33% من أولئك الذين تحدثوا إلى أحد الجيران.

كان الجار قديمًا يربّي ويحرس ويهتم ويستر! الحقّ يقال، لا تزال دنيانا بخير. في الجيران الآن من تسعد بجيرتِه وغيرته على جاره وإن بَعُد التواصل! الله أعلم كيف يكون الحال في المستقبل! كما يقول الإمام عليّ عليه السلام في الشعر المنسوب له:
عَجَباً لِلزَمانِ في حالَتَيهِ
وَبلاءٌ ذَهَبتُ مِنهُ إِلَيهِ
رُبَّ يَومٍ بَكَيتُ مِنهُ فَلَّما
صُرتُ في غَيرِهِ بَكَيتُ عَلَيهِ


error: المحتوي محمي