12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

أمي من فريق الأطرش «43»

هي الأرض باتساعها وانقباضها قبضة من تراب، كف فلاح تبسطها كل البسط، يداريها بعرقه ويرعاها بالسهر والحمى. تناوب قبل طلوع الفجر للسقي وردع المعتدي، ارتواء زرع على ظهور الثور، ثنائية نغم تسمع في الأصداء، زفير وزبد يتطاير، وصرير منجور "نين نين بف".

على امتداد مساحات القطيف الخضراء لم تحظ أرض بغناها الزراعي مثل جزيرة تاروت، وبالأخص في حيزها الشمالي! ثمة قرائن واستدلالات طرقت سمعي تعجبًا، أمعقول أن أرض هذه الجزيرة حباها الله بميزات تفوق غيرها إنتاجًا ونوعًا. إني أتنفس الخيال واقعًا ملموسًا وكأني أراه متجسدًا أمامي من دقة وصف الحاج عبد الله العقيلي "أبو حسن"، جلسات مطولة تحت ظلال مجلس نخلة "مخزيمه" العامر بالوجوه الطيبة وسط مزارع فريق الأطرش، كلما استرسل في السرد ضعت في غياهب الوصف حاولت أن ألملم مخزون ذاكرته المتناثرة يمينًا وشمالًا وعمقًا قدر المستطاع، لقد حلق بي عبر أزمنة خلت، شاهد عليها وأخرى لم يدركها أخذها عن أجداده، ذاكرته ممتدة حتى جده السادس فهو الحاج عبد الله بن علي بن علي بن عبد الله بن رضوان بن محمد بن عباس العقيلي.

كلما فتح باب مشهد هالني ما أراه سمعًا، ضياء من حبور وأنفاس ترد الروح، وأخرى قاتمة بالمرار والعبوس، ومن بين حكاياته استوحشت حين أخذني نحو باب صلد بمجرد فتحه وقفت حيرانًا فاغر الفاه بين ركام مشاهد فظيعة، لم أكن أصدق أنها وقعت، فاستحسنت أن أوصدها إلا من تسريبات أخف وطأة في البوح، جعلت الباب مواربًا حسب مقتضيات القادم من السرد وليس مفتوحًا على مصراعيه فمن الصعب تدوين كل ما أخبرني به.

في البدء سأتلو عجائب أرض مخضرة طوال العام، فزرعها بمثابة سلة غذاء لقرى وبلدات القطيف لأزمان مضت حسب وصفه. معلوم أن عموم الواحة تشتهر بأشجار النخيل واللوز والموز والبمبر والبابيا والكنار والتين والعنب والرمان والليمون، لكن ما يميز أرض جزيرة تاروت فضلًا عن هذه الأشجار، كثرة محاصيلها من الحشائش المتنوعة والخضراوات، زروع على مد البصر يضمهم أكثر من 400 دولاب، أغلبها في الجزء الشمالي والشمال الغربي من الجزيرة.

وقبل الخوض في غمار الأحداث الملونة بألوان الخضار من بهجة وعنف ومسرات وعلو همة، ثمة توضيحات عن ماهية الدولاب والفرق بينه وبين النخل.

تعريف بستان النخل: النخل قوامه الرئيس أشجار النخيل بأنواعها، مع وجود الأشجار المذكورة أعلاه، في العادة يسقى النخل بواسطة ماء "عين العودة" وهي عين طبيعية ملاصقة للبرج الشمالي من قصر تاروت ولها مخرجان ناحية الشمال وآخر باتجاه الغرب ثم ينحرف ناحية الجنوب، ماؤها يصل لجميع نخيل تاروت الجنوبية والغربية وجزء من الشرقية.

أما الجهة الشمالية فيصل الماء عند حدود البساتين التي تحيط بمنطقة الخارجية شمالًا، من ضمنها: نخل المفضلي، نخل بيودة، وبالكاد تسقى قطعة نخل الزهراء وقطعة نخل آياس ونخل الخطيب ويتوقف الماء عند بداية دولاب التناكيب، وهذا عائد لسببين. الأول: دافعية الماء تقل بعد قطع مسافة كيلو. الثاني: طبيعة ميل أرض الجزيرة حيث الارتفاع شمالًا والانحدار جنوبًا. إن انكفاء الماء عند تلك الحدود حفز المزارعين لاستثمار البراري الشاسعة فقاموا باستصلاحها دون النخيل إلا فيما ندر فأصبحت دواليب على مد البصر.

تعريف الدولاب: هو حيز مفتوح، تكثر فيها "الضواحي" وتسمى أيضًا "المشاريب" أو "لشروب" وهي مساحة مقسمة على شكل مستطيلات، تفصلها عن بعض حواجز ترابية تسمى "كواري" بعرض شبر وبارتفاع قدم، تزرع فيها العديد من الحشائش: بقل، فجل، جرجير، كزبرة، بقدونس، كرفس، حندبان، فرفخ، بربير، ريحان، نعناع، حلوة، بالإضافة "للگت" البرسيم، وكل "ضاحية" مخصصة لنوع معين من هذه الحشائش، وقد تأتي ثلاث ضواحي متشابهة الزرع أو أقل أو أكثر من نوع واحد حسب رؤية المزارع وحاجته، وكذا مساحة الدولاب، والذي لا يقتصر فقط على الحشائش سواء كبر الدولاب أو صغر، فالنصف الآخر مخصص لزراعة الخضراوات:
البصل، الباذنجان، الجزر، الطماطم، البامية، القرع الأخضر، والبوبر -اليقطين أو القرع العسلي-، والفلفل الحار، والهندال ولطروح، والبطيخ، والجح المدور، وقد لا تجتمع كل هذه الخضراوات في كل دولاب، بل تتفاوت فيما بينها تقل عند دولاب وتكثر في دولاب آخر.

الفاصل بين الدواليب من الجهات الثلاث "خندق مائي" يسمى"مرمى" ويجاوره أحيانًا شريط مرتفع من تراب الحفر نفسه، أما الجهة الرابعة يربطها طريق ضيق بعرض "باع" تقريبًا متر ونصف المتر، يكفي لعبور ثور أو حمار، بعض الدواليب تزرع في إحدى جهاتها أو إحدى زواياها بضع نخيلات صغيرات الحجم تسمى "نشو" أي نخيل غير "معربين" ليست من فئة النخيل المعتبرة مثل الخلاص أو لخنيزي وتزرع بمبرة أو سدرة رغبة في الظلال.
عند بداية تأسيس أي دولاب وقبل نثر البذور يطلق عليه اسم، فيعرف عند المزارعين والأهالي بقولهم: "عائلة العقيلي قايمين على دولاب لجويزرة" أو "عائلة آل سليم قايميمن على دولاب الأمير"، "لازگ ملتزگ في كل شيء لازگ" هو الاسم يستدل به القاصي والداني لأي دولاب يقصده، عادة يتم اشتقاق الاسم من حدث ما أو شيء معين، أو صفة تميز الدولاب عن غيره، الاسماء لا تلقى جزافًا بل تحمل في طياتها حكاية ما وبعضها يخفي أسرارًا مدفونة.

ومن أشهر الدواليب وأكثرها إنتاجًا وازدهارًا التي تقع في الشمال والشمال الغربي لجزيرة تاروت، دواليب عديدة كانت عامرة لقرون خلت ومن رآه قبل سبعين سنة يشبهها بسجادة خضراء متحركة حين تداعبها نسمات الربيع. ذاكرة الحاج عبد الله العقيلي ريانة بذكر أسمائها وتحديد أماكنها على أرض الواقع الحالي: دولاب الخيس شرق بريد تاروت، دولاب أم سنورة بجانب الخيس ودولاب الجوزيرة ودولاب الأمير شرقيهم. دواليب: خشار، معيط، الچبير، اخليف، تفالوه مخيزيمه، فلية الحلال، وفلية الحرام، أم الشعير، أبو لعظامه، الحواري كلهم تقع في الجزء الجنوبي من مزارع فريق الأطرش حاليًا وجميعها متلاصقة مع بعضها بعضًا إلا من دروب ضيقة.

دولاب أبو ذيب جهة بيت آل حبيب شمالًا، البدايع، ولگويصد شرقي بيت آل زرع، دولاب البيت جنوب لقويصد، دولاب التناكيب عند (ماي البيدر) شمال الخارجية، دولاب البدايع مكان مسجد الباقر وسط فريق الأطرش، دولاب الصبخة حدوده عند دوار البريد جنوب غرب تمامًا محل الدعبل والبنچري، وجنوب شرق الدوار "عكرة الزهراء"، الدولاب الشمالي محل الزين للخضار، يحده شمالًا دولاب "فلية الحرام"، ومن الجنوب الدولاب الجنوبي.

ويقع دولاب الساحوري بجوار مدرسة البنات الابتدائية محل ورشة أبو كريم الدرازي، دواليب الخضر (2) غربي بيودة مكان مدرستي البنات الابتدائية والمتوسطة بتاروت، أما دولاب لحبيبين مكان بابا حماد، وشرق لحبيبين، دواليب لبيبيدات وعددهم (3)، أما دولاب الگوع (2)، واحد غرب دولاب مخيزيمه وآخر يقع شرقًا مكان محل الحاج علي بن جاسم لبيع الأخشاب بالقرب من ملعب نادي الهدى.

دولاب الشريط- مكان بريد تاروت- وشماله لمشهيدي على الطريق ويجاوره دولاب الحجامة، ودولاب المگطنة، دولاب المسرح شرق مسجد الباقر "الجوال"، ودواليب البدع شمال مقبرة الدهر يفصلهما شارع ضيق، ودواليب الدهر ملاصقون للمقبرة وعددهم أربعة باتجاه غرب جزيرة تاروت.

رأس مال هذه الدواليب حشائش وخضار تروى من ماء بئر مربع الشكل تسمى "الركية" حفرت يدويًا ونظرًا لعدم ارتفاع منسوب الماء للأعلى ووقوفه عند مستوى أقل من مستوى سطح الأرض بمترين تقريبًا، ابتكر المزارعون آلية معينة لاستخراج الماء بواسطة "الجازرة " وهي تشبه مضخة الماء، عملها أسهم كثيرًا في وفرة الماء للدواليب وزيادة إنتاج المحاصيل بعكس "الغرافة" بسيطة التكوين والتي يلجأ إليها غير المقتدرين من المزارعين وأحيانًا لزيادة تدفق الماء حتى مع وجود الجازرة.

وصف الغرافة: تتكون  من جذعين ينتصبان بشكل متواز يطلق عليهما (المرازيز) بارتفاع رجل، في حدود 165 أو 175سم، والبعد بينهما لا يتجاوز مترًا و30 سم تقريبًا.
يلتحم معهما من الأعلى جذع أو خشبة تسمى (العارضة) وهي بمثابة خط ارتكاز فيصبح الشكل أقرب إلى حجم مرمى كرة اليد، ويؤتى بجذع نخلة أو جذع شجرة لوز يتراوح طوله بين 5 إلى 6 أمتار، مثبتة فيه وصلة خشب (حطبة) قرب المنتصف بطول متر، تربط حوافها بحبلين متدليين من العارضة واحد ناحية اليمين والثاني شمالًا.

هذان الحبلان طول الواحد منهما 80سم ويعملان بمنزلة(البتات) لتحريك الجذع علوًا وانخفاضًا مثل الرافعة، وتلصق عند قاعدته الجذع السفلى وصلة خشب طولها نصف متر تغطى بـ(ظرف) سلة خوص فارغة مثل "گلة تمر" ثم يعبأ بـ(المداد) -رماد وتراب-، وقرب نهاية الجذع من الأعلى طوق محفور ويربط فيه حبل مجدول طوله متر ونصف المتر وفي نهايته يكون حلقة تلبس فيه "العصفورية" قطعة خشب مشدودة بحبل مربوط بخطرة بحر، أو جذع شجرة "نوام" يسمى "المطباع"، يتجاوز طوله 3 أمتار، ناعم الملمس لكيلا يترك في اليد أثرًا "نجلات" أي تجرحات، ومزود بحبل في أسفله يتوزع على ثلاث فتلات لينعقد على ثلاثة مقابض "الدلو" الشبيه بالمثلث والمصنوع من جذع البقر، يقف المزارع وسط البئر على خشبة تسمى "الموقاف"، ثم يشد (المطباع) للأسفل فيرتفع الجذع عن سطح الأرض وحين يعبأ (الدلو) بالماء يرخي الرجل الحبل فيرتفع الجذع نتيجة حمولة "الظرف" ويتدفق الماء في "الجابية" أي حوض الماء ويسري عبر مخرجين يمينًا أو شمالًا سالكًا قنوات ترابية ويصب في "ضواحي" الزرع . يعاود الرجل الحركة مرارًا وتكرارًا، قوامه الصبر والتحمل و"كسار الظهر ".

وبعد انتهاء مهمة اليوم من الري وقبل حلول الظلام يخلع (المطباع) مع الدلو ويخبئان وسط أحراش الزرع، لكيلا يسطو عليه السراق. أما تشييد "الجازرة" فتحتاج إلى جهد كبير وتخطيط دقيق برؤية هندسية من بناء وحفر ونجارة، وصناعة حبال وتسوية قطع جلد البقر، أما تفعيلها فهو مراس يومي مضن.

مكونات "الجازرة" وآلية تشغيلها: ترتكز "الجازرة" وسط الدولاب أو في إحدى زواياه، طول حيزها بين 8 إلى 10 أمتار، بعرض 4 أمتار، وفي الأغلب اتجاهها شمال جنوب، ومساحتها تتفاوت حسب منسوب ماء البئر "الركية" والمتعلق بمواقع نزول الأرض وارتفاعها من مكان لآخر، وعلى مشارف "الركية" تنتصب عند جرفها "السواري" وعددها اثنتان مبنية من حجارة البحر و"الصيران" -التراب المحروق- السارية الواحدة ارتفاعها متر ونصف المتر والبعد بينهما متر و20 سم تقريبًا، يلتحم معهما حوض مقوس يسمى "الجابية" أشبه بالمستطيل، ولها مخرجان في الجانبين "مفاقيب"، واحد باتجاه الشرق والآخر غربًا، لتوزيع الماء حسب الجهة المراد سقايتها.

المسافة الممتدة بين الجابية وسطح ماء "الركية جدار يسمى "فليج" الملتحم أساسًا بقاعدتي "السوراي". بعد أن تم تشييد السواري و"الجابية" وجف بناؤهما تمامًا، يؤتى بنخلتين طويلتين يطلق عليهما "لنبوع " ترتكز كل واحدة على "سارية" وما بينهما "ظرف" منسوج من السعف للمحافظة على ثبات الجذع، وتغرسان أرضًا بشكل مائل، هاتان النخلتان ليستا من النخيل السميكة لكن جذعهما صلب،وقد قلعتا رؤوسهما أي بلا "فگر" ولا سعف وأطوالهما بين ستة إلى سبعة أمتار، عند نهاية النخلتين في الأعلى تركب عجلة خشبية مصنوعة من أسفل جذع السدرة وهي المنطقة الأقوى من الشجرة، يسمى "المنجور" تتوسطه حلقة مفرغة لمرور قطعة خشبية أسطوانية مثبت طرفاها بحفرتي "لنبوع"، وتبرز من "المنجور" قطع خشبية عددها 30 بطول السبابة تسمى "العيبات " ملفوفة بجلد رأس الثور سميكة وصلبة، لتتحمل شد الحبل ومتغيرات الجو. "المنجور" يطل رأسيًا من علو، ويكون وسط الركية، يدور بواسطة حبال "لرشا".

وفي المقابل في الأسفل عجلة طويلة أشبه بمحوار الخباز، تسمى "الدراجة" خشبة أسطوانية يبرز من جنبيها مسماران واحد على اليمين والثاني شمال، مثبتان بخشبة ملتصقة بالسواري، يشد عليها حبل يسمى "السريح" والمربوط بوصلة حبل تسمى "العلكة"وهي مقيدة بأحد مقبضي "الدلو" وهي تستبدل من وقت لآخر بسبب تشبعها بماء الركية أما المقبض الثاني معقود "بحبل لرشا " الأسمك ويكون في الأعلى نازلًا من "المنجور" ، والحبل مكون من "ستة امتوح وگلب" أي عدد ستة حبال "مگرملين" على حبل واحد، وبهذا يكون الحبل أقوى وأسمك من حبل "السريح" المقدر بثلاثة "متوح وگلب"،
كلا الحبلين المجدولين نسجا من ليف "الفحال" -ذكر النخلة- وتحديدًا مأخوذ من غطاء الجذب ولونه أبيض فهو قوي ومتماسك بينما "الليف" المحيط بـ"الكرب" ذي اللون البني قوامه اليباس وأقل تماسكًا.

حبل "لرشا" يصل طوله بين خمسة إلى ستة أمتار
معقود بطرف خشبة مقوسة تسمى "الويج" توضع بعد "سنينة" -سنام- الثور، متدل منه حبل يلف الرقبة من الأسفل يسمى "مشاد " ويغلق بقطع خشبية صغيرة "غبكة" بمثابة القفل حتى لا تنفلت من الرقبة، والطرف الثاني "للويج" مربوط بحبل "السريح" لسحب الدلو من الركية.

آلية عمل الجازرة: ينزل "الدلو" في الركية فارغًا بواسطة ارتخاء حبل "لرشا" و"السريح" وتوضع فيه حجرة بحرية، كي ينزل الدلو سريعًا في جوف الركية، وبعد امتلائه بالماء، يقوم الفلاح بركز "الفور" وبحكم التعود يعرف معنى الإشارة ويتحرك معه في درب منحدر يسمى "الخب" لتخفيف مشقة الجذب على الثور، والخب أشبه بمضمار ملتصق بالسواري، يقدر طوله بـ6 أمتار، محدد أرضًا بثلاث "جزم" اثنتين في الجنبين، جذع على اليمين والثاني يسار، وإذا وصل الثور عند النهاية أي "رأس الخب" وهو المغلق بواسطة "الجزمة' الثالثة يرتفع الدلو ويتزحلق عبر "الدراجة " وينسكب الماء في "الجابية"، وينساب عبر "المفاقيب" -ثقب - ويتدفق نحو السواقي، حتى يصل للضواحي، وعند رجوع الثور إلى "صدر الخب" ثانية يهبط الدلو إلى ماء الركية وهكذا الحركة مستمرة.

ومع كل "تريب" أي شوط رايح جاي، يصدر من "المنجور" أنين، جراء شد حبل "لرشا' عليه ودورانه ضغطًا على الخشبة الأسطوانية في وسطه، يصدر نغمة طويلة،
"نيييين" وهو صوت احتكاك الخشب بالخشب، وينفث الثور زفيرا "بفففففف" فيخرج "الزبد" كرغوة صابون من فهمه "المخزم بسفة" خوص، فيتقاطر على امتداد "الخب" جراء التعب والإنهاك خصوصًا أيام "الگيض' حيث يبتدئ العمل من "غبشة الفجر إلى الضحى"، أما أيام البرد من طلوع الشمس حتى المغيب.

أصوات الجوازر تتردد صداها في عموم جزيرة تاروت، والبحارة عند "الحضور" -مصائد السمك- وعلى بعد 4 كيلو يسمعون سيفمونية الجوازر "نين نين بف " ويتهامسون "اوه اشتغلت الجوازر". السراق البدو يرتعدون من ضجيج الصوت ويردون على أعقابهم خائفين ويقولون "إذا هم في الليل صحايين كيف بالنهار"!

حراك الثور يشرف عليه جيئة وذهابًا رجل يدعى "السگاي"، ورجل آخر عند "المشاريب" يراقب وصول الماء "للشرب" الذي يكون في المقدمة وعند اكتمال الري يغلق "لسكار" المكون من ليف وأقمشة تالفة ثم يفتح الماء للشرب الثاني إلى أن يكتمل الباب -المقدر بـ5 أو 10 "شروب" ، ثم الباب الآخر حتى ارتواء بيبان الدولاب.

ماء ينعش البذور كل يوم حتى تنمو، يكبر الزرع فيشعشع بأوراقه ويزهو بخضار وحشائش، وكل جازرة يزرع عندها شجرة "بمبر" من أجل نشر الظلال لتخفيف حرارة الشمس عن الفلاح وثوره، جهد يومي وكفاح لا يعرف الملل أو السأم. دواليب تمت سقايتها بواسطة الغرافة وأكثرها بالجازرة، لكن الفرق بينهما كبير، في التجهيز والتحضير والصيانة، الأولى دلو الماء صغير فكميته قليلة وكما يقال بالقطارة وعملها استنزاف للجسم لكن تحضيرها سهل. أما الثانية فيستغرق تحضيرها فكرًا ووقتًا وجهدًا عضليًا وأثناء عملها لا بد من وجود الثور و"السگاي" قائد الجازرة، وكذا حجم الدلو أكبر بمرتين من دلو الغرافة إذا كمية الماء وفيرة، جراء إيقاع حركي قوامه دوران رأس "السگاي" وقيادته للثور ذهابًا وإيابًا ومتابعته المستمرة للدلو.

وقد وصف المزارعون الفرق بين الاثنتين بالقول التالي:
"الغرافة حرفة علي بن طالب" و "الجازرة حرفة إبليس"!.
وما بين الحرفتين وفضاءات الدواليب تنداح ذاكرة الحاج عبد الله علي العقيلي حكاية وراء حكاية، ممزوجة بمووايل الصبر وآهات التعب.

تحية خاصة: للأخ حسن (فيصل) ابن عبد الله بن علي العقيلي، الذي بذل جهدًا لتوضيح الكثير من المصطلحات الزراعية من خلال وصف أبيه، وأيضًا تفاعل الأخ إبراهيم حسن آل سالم مع الشروحات المطولة حول طبيعة الغرافة والجازرة.





الحاج عبدالله بن علي بن علي العقيلي، عن يمينه ابنه حسن (فيصل) وعن يساره كاتب السطور 
تصوير جاسم البيابي .



ابراهيم حسن ٱل سالم  عمل نموذج مصغر للغرافة لتوضيح ٱلية اشتغالها ، فقد عمل عليها قبل 55 عاما.


error: المحتوي محمي