05 , أبريل 2026

القطيف اليوم

«عائشة المانع» منعت فكانت سدًا منيعًا

بين الرمال الذهبية المتناثرة الحرة على ضفاف الساحل الشرقي المختلطة بالعادات والتقاليد المقيدة آنذاك، وعند المياه المتراسلة أمواجًا واحدة تلو الأخرى الممزوجة بجمود حركة التطور في تلك الحقبة الزمنية البريئة، ولدى الكثبان المتعالية بضحكات وعلامات الاستفهام المضاهية طموحات تلك الفتاة التي عاينت كل ذلك وتحديدًا في الخبر.

كانت عائشة المانع الإنسانة هناك حيث لا بيوت من حجر ولا حواجز من الفكر المتخلف.

تغربت إلى مصر في سن الثامنة من دون والديها وجربت لأول مرة ركوب الطائرة وركوب الجرح والرقص عليه بدموع حائرة في زمن لم يكن السفر فيه إلا لضرورة، تكبدت عناء الوحدة والوحشة لا لأجل شيء سوى التزود بوقود العلم حيث لا مدارس بالجوار، وعاينت أشياء وأشياء في وحدتها وتأقلمت مجبرة وانسجمت بإرادة لا تخلو من الخوف والشوق للشبيهين للوطن والأم.

حارت بين طموح الأب وحبه للخير ليكون امتدادًا بعده وقلبها المرهف الصغير. تقاسمت الظروف القاسية حتى وجهتها الثانية بيروت وعانت ما عانت واختلط صمودها بالشعر والموسيقى والحب، حتى صعدت الوجهه الثالثة بصعوبة وبتضحيات مريرة أختصرها بكلمة إصرار هذه الكلمة التي تكررت في حياتها كثيرًا حتى نالت وجعلت من انتقالها لأميركا صفحة كتاب بيضاء ملأتها هي وحدها بالعزيمة والجهد والتحدي. 

حتى محطتها الأخيرة بلادها حيث المعاناة الأمر من كل مر وتشبثها بتطور المرأة من كل النواحي، وهي التي شذت عن قاعدة الغيرة بين النساء في العمل الواحد أو المختلف، بل كانت أنموذجًا عذبًا لتقاسمها بل لإيثارها نساء وطنها عليها بل ضربت مثلًا تتناقله الأجيال إن حطت عقولهم على ما فعلته لأجلهن وما تجرعته من مرارة ليصبحن ذوات كرامة من كل نواحي الحياة فقد كان لها الفضل جليًا في ذلك.

لم تحسب حسابات التعب حين أرادت تعليمهن الحاسب الآلي في زمن لم يعرفه أحد إلا القلة. لم تخف على حياتها حين سافرت إلى ندوات فيها رائحة السياسة من دون أن تقصد. لم تهتم لتهديدات المتشددين الجادة حين أرادت أن تؤسس الكرامة لبنات وطنها. لم تأبه بالرفض المتكرر لخطاباتها ومطالبها التي تصب في تطور وطنها وخدمته على أكمل وجه وبناء حضارته وجعل المرأة شريكًا في بنائه عبورًا على قضايا المرأة من ولاية وإرث وحقوق وشريك فعال ومثمر.

أبدًا لم تأبه بتعاقب الرفض المستمر المتكرر كتكرار كلمة الإصرار لديها على مدى حياتها الأكثر من رائعة على الرغم من المشقة المركبة المتزايدة.

لم تدع خلالها بمنأى عن عيونها وخبرتها بل ضاعفته بحنكتها ومثال ذلك عقد أرامكو والتفاوض حتى وصلت وأصبحت ملهمة لتحقيق الأحلام المتهالكة وبروزتها ببناء صرح لا يستهان به وهو كليات المانع حلم والدها الذي ورثت عنه حب الوطن وولاة الأمر وحب الخير للناس جميعهم دون تمييز دون عنصرية دون استخفاف بأحد أيًا كان، وختمتها بوقف يجعلها في مصاف العظماء.

هذا كله لمسته في كتابها حد الذاكرة الذي أعتقد أنه سيبقى بحدود بل بلب ذاكرتي ما حييت. لست أثني على الكتاب بقدر ما أنني وجدته أشبه برواية لبطلة للتو عرفتها مع معرفتي بها من مدة طويلة. 

عادتي، أن الكتاب الذي يكون فوق 300 ورقة أقسمه على ثلاثة أيام وإن كان من البداية لم يعجبني أتركه أسابيع بل أشهر كي أبدأ في قراءته، وعادتي أيضًا كتب السير الذاتية لا تروق لذائقتي ولكن لحبي لعائشة الإنسانة لا الدكتورة قلت سأقرؤه، وحين بدأت في الصفحة الأولى الساعة 12:00 منتصف الليل حيث الهدوء والسكينة لم أشعر بنفسي حتى وصلت الـ100 صفحة فقلت أكمله لاحقًا ولكنني الحقيقة لم أستطع تركه من غزارة لذته وأحداثه الجذابة وبطولات لا أجدها سوى في الروايات الخيالية واستمررت في قراءته حتى أكملته حتى قرب الفجر وهذا على غير ما أفعله تمامًا ولكن الكتاب ساحر بمعنى الكلمة.

لقد غير كتاب حد الذاكرة قناعتي بأن كتب السير هي أحيانًا تخص الجميع فسيرتها تعني جميع النساء هي وأمثالها قدوتنا. 

عائشة الإنسانة والدكتورة التي استحقت هذا اللقب بكل ما تكبدته فضلًا عن دراسة الدكتوراه هي بطلة ولا ضير إن عنونت كتابها الثاني (البطلة عائشة المانع) إذ إن الأبطال هم من يحدثون تغييرًا جذريًا وهي فعلت ذلك.

شكرا لعائشة المانع الإنسانة التي عبدت لنا الطريق. شكرًا على فتح الأبواب الموصدة لنا، وشكرًا لوالدك الذي وقف معك ولم يتركك في كل ضائقة وكان الأب الحاني العطوف الشديد اللين الذي جعل منك مثلًا يحتذى به، ونأسف على كل تعب عشته وكل جهد عملته وباء بالفشل وعلى كل أرق خضتِ فيه جراء طلب لم ينفذ ونعتذر عن كل حزن ووجع وألم سببناه لك حتى يكون الطريق لنا سالكًا، ونكرر الاعتذار إن جعلناك يومًا تحت وطأة التهديد وكنتِ لنا درعًا حصينًا. أنت لم تكوني عنيدة بل عاندتك الأفكار المتهالكة من قبل الأطراف المقابلة، بل أنت عاندتِ كل ذلك ليكون الآن كذلك.



error: المحتوي محمي