{ فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا } :
العلاقة مع الله عز و جل لا تتقوم بالجبر و القهر على اتخاذ خطوات من العبد لا يرغب فيها ، و تقع تحت دائرة الإكراه الذي يتنافى مع إرادة جازمة على فعله ، بل الحرية في اختيار الطريق و التزام الهدى و الحق و الاستقامة ، أو الانحدار نحو تسافل الأخلاق و انحطاط إتيان المنكرات ، هو أمر يرجحه الصراع بين عقله إن كان واعيا أو شهوته الغالبة على قواه .
أيها الإنسان المكرم بعقله و قدرته على اختيار الأصوب و الأفضل له في أموره الحياتية ، ها أنت ذا تمنح نسائم النعم الإلهية بتكريمك عن القهر الفكري ، فكم يتأنى و يستغرق من الوقت كثيرا في تحديد خطاه أو موقفه في القضايا المهة فضلا عن القضايا المصيرية و المعبر عنها بمسألة حياة الاختيار موت ، أفلا يستحق التفكر في المصير الأبدي و ما سيواجهه هناك من حساب دقيق و أهوال تشيب لها رؤوس الرضع ، منه التأمل في حاله و مآله و مآبه في يوم القيامة وقفة جادة ؟!!
الاختيار الموكول للعبد بين نجد الخير أو الشر و الحق أو الباطل ، ليس متروكا للأهواء و البصيرة العمياء المتولعة بالشهوات ، بل هو متروك لرشده و نضجه الفكري الذي يلحظ النهايات القاتمة و العقاب الإلهي الأليم للعصاة و السالكين درب المنكرات و الفواحش ، و يستنشق حقيقة النعيم الأبدي لمن التزموا التقوى و الخشية من الله تعالى في أقوالهم و تصرفاتهم ، و جعلوا نصب أعينهم ما يستتبعه فعلهم من أثر عليه .
و هذا العطاء القرآني يؤسس لأهم طرق الدعوة إلى الله و الأخذ بأيدي الناس نحو طريق الهدى ، فيعتمد على تبيان المسار و النتائج للأمر الحسن أو القبيح دون ممارسة أي ضغوط أو إرهاب فكري ، و يبقى على الطرف الآخر تحمل مسئولية اتخاذ القرار المناسب له ، و الموافق لمبدأ حفظ النفس و صيانتها من الضرر .
إنه المبدأ التربوي القائم على التوجيه الذاتي و صنع الضمير و العقل الواعي عند الفرد ، و الذي يستطيع من خلال الاسترشاد بهديه أن يقف على مخاطر اقتراف المعاصي أو التعامل الخشن المناف للقيم الأخلاقية مع الآخرين ، فيصبح المرء فياضا بالعطاء و مستصبحا بالرشد بنحو ذاتي ، و تصبح النفس سهلة الانقياد و التراجع عن الخطاء إن قدمت له النصيحة .



