12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

ورحلت كرُوحي يا سيّد مُؤيد

كان الصَّباح مُفعمًا بالحُبّ، كان نديًا بابتسامتك التي تزهِرُ في شفتيك كالماء على وجنتيَّ في نهارٍ أتعبتْهُ الشَّمس.
أكنت مُودعًا..
أدر طرفك عن الموت، وحدّق في عينيَّ مرة أخرى؛ لأستمِدَّ من عينيك كلّي، وإن شئت بعضي.
لا تستطيع الكلمات بين أصابعي أن تُعيد نبض الحياة فيَّ.
كيف استطعت أن تُفارق ظلَّنا؟
ما بين الواقع المُحتم موتًا، وبين الأمنيات صرَاعٌ أراني لا أقوى على لفح أوجاعه، غُربته.

عيناي تُبصِرُك مُتوسدًا كفنًا، هو الموت، لما أنت صامِتٌ؟، ألا ترمقُني أحدّق فيك؟، أناجيك بهمس الرُّوح، أرحلت كرُوحي، أشيعتها رُوحي، أم تُرانا نُشيْعُ بعضنا، نتقاسمَهُ الموت كخُبزنا العربي.
لماذا طرزتها الحكايات بأناملك، وتركتها لي، تُسربلني بالصَّمت، وتُنطِقُها الدُّموع؟

يا أيُّها الرُّوح كرُوحي، كيف لهذه الرُّوح أن تشعُر بالنَّبضات، وأنت النَّبْضُ، الحكايَاتُ الوارفَةُ بالعشق، ولم تعُد نبضاتُك ترويها النَّبضَاتُ فيَّ، ولم تعُد شفتيك تنسِجُها الحكايات في دُنياي.

هل سألت رُوحك وهي تُفارِقُ جسدك عن دُنيانا، هل سألتها عن أحبتك، عن لفح الفراق الذي أرهق أنفاسَهُم لتكون الدُّموع نجواهُم؟

هل شعرت بخُطواتي حين كنْتُ أحاول جاهدًا معها كشيء لا أملكُه؛ لأغادر تُرابك، لتُرجِعُني في ذات اللَّحظة إلى تُرابك؛ لأغمِضُها عينيَّ، وأعانِقُك؟

وكيف أعانِقُك؟
أصدِقُك لا أعلم، ولكنّي في كلّ لحظاتي أعانِقُك، كيف ذلك؟، حقًا لا أعرِفُ إلى ذلك سبيلًا من جواب، كلُّ ما أعرفَهُ وأشعرُ به أنّي أعانقُك؛ إنّي افتقِدُك.
هل أبصرتني، وقرأت كلّ هذه اللُّغات ذاتي، والصَّمت يلبسُني؟
لا زال الصَّمْتُ يلفُك.
كنْتُ أناجيك، لنا لغتنا المُتفردة في هذه اللَّحظات، مُمدًا في تُراب قبرك، جالِسٌ بقُربك، ألا تحضِنُني الآن احتضان وداع، ألم تكن هذه اللُّغة وحدنا نفهَمُ تفاصيلها، ونُتقِنُ معانيها، إذًا لما لا تنفِضُ غبار قبرك وتحضِنُني، لكم أهفو إلى ذراعيك.

أتُراني أعانِقُ الموت فيك؛ لأعيشَهُ الموت.
هل ستأتي مرة أخرى إلى زيارتنا، دائمًا نحن في انتظارك، ألا تلمَسُ لهفة أبنائي لقُدومك، ألا تلمَسُ دُموعَهُما، بأصابعك ونظراتك، أخبِرُك أنَّ "محمد جواد" قد احتضن فراشَهُ باكيًا، ويسألني: أخالي لن يعُود، لم استطع إجابتَهُ إلا بالعبرات، احتضنتَهُ؛ لأحتضِنُك في مُحيَاهُ، في أنينَهُ، في وجعَهُ على فراقك.
   
طالما نُبصرَهُ الباب في وقتك، هي الأوقات التي تسبِقُ خُطواتُك همْسُها الشَّفيف، وطلتُك البهية، كم كنت تُعانِقُنا بابتسامتك قبل كلماتك، ولا نزال نُبصرَهُ الباب أن يتنفس، لا تقُل لن تأتي، حقًا لن تأتي؛ فالموت هو الحقيقة.

أدر طرفك، كن الإصغاء إليَّ:
إنّي لا أرثيك بين تُراب قبرك، ولا أرثي حكاياتنا، لا أرثي مسافة عينيك في عيني، إنّي أرثي فيك نفسي، أرثي كلّ المعاني التي عاشت فيَّ سنينًا، لتأتي أنت تُنعِشُها في دفء الشتاء.

لما جعلتني واقفُا عند القبر وحدي، وحدي في عالمنا الذي نسجنَاهُ معًا؛ لأحدثَهُ عنك؟، لما جعلتني أداعِبُ العُشب والأزهار وحدي؛ لأحدثها عنك؟، لما هذا الصَّمْتُ، وهذا الضجيْجُ في رُوحي؟ 

إنَّ الفراق مُؤلم، والموتُ أمْرُ الله، وهذه سُنَةُ الحياة، أنَاسٌ يأتون، وآخرون يذهبون، وتبقى أنت بِرُغم الفراق بيننا، برُوحك التي لم تخبُو، ولن تخبُو عن دقائق يومنا، سأظلّ أحدِثُ أبنائي عنك، سأخبِرُهم عن القلب، وعن الطيب، وعن الابتسامة، وعن خدمة الآخرين، وعن كلّ المعاني الجميلة، وأشيْرُ بإصبعي إليك.


error: المحتوي محمي