12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

التنبؤ بالزلازل

أصبحت مسألة التنبؤ بالزلازل من الأمور الشائعة في وسائل التواصل الاجتماعي، وخصوصًا بعد زلزال تركيا الذي حدث في بدايات العام الجاري 2023م، الذي راح ضحيته أكثر من خمسين ألف إنسان. لقد ادعى بعض الأشخاص أنهم توقعوا حدوث هذا الزلزال، وأنهم نجحوا بالفعل في توقيت حدوثه. 

وتتمحور الجهود في هذا الحقل حول الربط بين حدوث الزلازل والشحنات الكهربائية في باطن الأرض، أو سلوك غير عادي للحيوانات، أو تقارب الكواكب، أو أي مؤثرات أخرى، لقد كانت هذه الأحداث موضوعًا للبحث على مدى عدة عقود، ولم يتم العثور على أي منها للدلالة على وجود علاقة بينها وأنها تمثل مؤشرًا جيدًا على حدوث الزلزال، حيث يمكن أن تحدث جميعها دون أن يتبعها زلزال.

في الحقيقة أن أكثر التنبؤات تكون خاطئة، لكن يظهر من بين العشرات منها صحة أحدها، على الرغم من التعبيرات الفضفاضة غير المحددة بدقة. وهذا لا يعني بالطبع إمكانية التنبؤ بالزلازل؛ ذلك أنهم لا يستندون إلى أدلة علمية، فلا يمكن من الناحية العلمية التنبؤ بدقة بموعد ومكان حدوث الزلزال ومقدار حجمه، فالعلماء بعيدون كل البعد عن القدرة على التنبؤ بالزلازل بدقة، أي مكان حدوث الزلزال ومتى سيحدث وبأي قوة سيكون حتى يتمكن الناس من الإخلاء. 

إن الإخلاء غير الضروري أمر مكلف ويؤدي إلى عدم تصديق الناس للسلطات في المرة التالية التي يصدر فيها أمر الإخلاء.

ومع ذلك يمكن لعلماء الزلازل تقدير الأماكن التي من المحتمل أن تضربها الزلزال من خلال حساب الاحتمالات، فيمكن الاستناد على أساس متوسط معدل النشاط الزلزالي الماضي في المنطقة، وتعد هذه التقنية مفيدة في المناطق التي تم فيها تسجيل الزلازل بواسطة أجهزة قياس الزلازل، والتي بدأ استخدامها على نطاق واسع لأول مرة في أوائل القرن العشرين، كما يمكن للعلماء الحصول على معلومات إضافية، وذلك من خلال حفر الخنادق لفحص السجل الجيولوجي للتشققات الزلزالية التي حدثت في التاريخ القديم، ويمكن من خلال ذلك استخلاص الاحتمالات رياضيًا. على سبيل المثال، يقدر علماء الزلازل عدد السنوات التي يمكن أن يستغرقها التعرض لزلزال بقوة معينة من خلال حساب تراكم الضغط على الصدوع نتيجة للحركة المستمرة للصفائح التكتونية. 

وعلى هذا فإن مكان حدوث الزلزال هو أسهل ميزة للتنبؤ؛ بسبب أن الزلازل تحدث عند حدود الصفائح وفي الأماكن التي حدثت فيها من قبل، لذلك ينبغي للمجتمعات التي تعرضت للزلازل في التاريخ الماضي أن تكون مستعدة لذلك، من خلال تنفيذ قوانين البناء وجعل هياكل البناء آمنة ومقاومة للزلازل، فتعد المباني المتساقطة أكبر سبب لوقوع ضحايا أثناء الزلزال؛ لذلك من الضروري إنشاء المباني بحيث تكون قادرة على تحمل الزلازل، وهذا بالطبع يحتاج إلى تكلفة مادية. 

ومن الضروري أيضًا أن يكون السكان المحليون على دراية بالمخاطر وأن يعرفوا كيفية التصرف أثناء وقوع الزلازل، كما أنه على المسافرين للمناطق التي يوجد لديها تاريخ زلزالي أن يكونوا على دراية تامة قبل السفر إلى هذه المناطق وما المخاطر المحتملة أثناء وجودهم فيها. فعلى سبيل المثال تعد تركيا منطقة خصبة لوقوع الزلازل فقد حدث في عام 2020 أكثر من 33 ألف زلزال في تركيا (مرفق رسم بياني يوضح عدد الزلازل في تركيا من عام 1990م حتى هذه اللحظة).

هناك الكثير من القصص والدراسات تبين قياس النشاط المتزايد للحيوانات قبل وقوع الزلزال، لكن حتى هذه اللحظة لا توجد علاقة واضحة بين السلوك غير العادي للحيوانات ووقوع الزلزال. فمن الممكن أن تتصرف مجموعة من القطط أو الكلاب أو الأبقار أو الضفادع بسلوك غير عادي دون وجود زلزال بعد ذلك. فإذا أردنا اعتماد حقيقة علاقة السلوك غير العادي للحيوانات والأحداث الزلزالية كحقيقة علمية، يجب علينا أن نثبت أن هذا السوك مرتبط بالزلزال فقط وليس بشيء آخر، وذلك من خلال الأحداث الزلزالية القادمة، حتى تخضع الدراسة للمنهج العلمي (الملاحظة-الفرضية-التجربة-الاستنتاج-التكرار). فالنشاط الزلزالي الذي يسبقه تغير في سلوك الحيوان لا يعني بالضرورة ارتباط هذا السلوك بالزلزال. فهناك عوامل أخرى أيضًا يمكن أن تفسر سلوك الحيوانات غير العادي. فالادعاءات القوية تحتاج إلى أدلة قوية. ومن أجل تقديم أدلة قوية يجب التمكن من استخدام السلوك الحيواني غير المعتاد كنوع من نظام الإنذار المبكر بالزلازل، يجب على الحيوانات إظهار تغيرات سلوكية غير عادية قابلة للقياس. علاوة على ذلك، إذا تفاعلوا بالفعل مع تغيرات فيزيائية ضعيفة قبل وقوع الزلزال، فيجب أن يتفاعلوا بقوة أكبر كلما اقتربوا من مركز الزلزال. 

لا شك أن الكثير من القصص حول السلوك غير العادي للحيوانات ووقوع الزلزال بعده صحيحة، لكن إلى أي مدى يمكننا الاعتماد على هذه الطريقة؟ فهناك الكثير من الأمور تجعل الحيوانات تتصرف بطريقة غير عادية. فالدراسات والقصص حول علاقة السلوك غير العادي للحيوانات ووقوع الزلزال بعد ذلك كثيرة، لكن لأسباب علمية لا يمكن الاعتماد عليها.


error: المحتوي محمي