يقال عمومًا إن الحاضر مؤلم، وإن المستقبل مصدر قلق، وإن الماضي هو المرحلة الزمنية الوحيدة الخالية من الألم والقلق، ولذا فهو دائمًا مثير للحنين، فهل الأمر صحيح؟ تتميز حياة اليوم بأنها سريعة الإيقاع لا وقت فيها للتأمل والتفكير العميق، فنمط الحياة السريع يفرض على الجميع أن يسير بسرعة ويأكل بسرعة ويخطط للمستقبل بسرعة حتى إننا فقدنا إحساسنا كليًا بمتعة الحياة.. نعم الحياة اليومية تبدلت أحوالها ورسمت صورة مختلفة بما فيها من قضايا وهموم وأمراض وانشغالات.. نحن الآن في عصر السرعة.. أولادنا ينساقون نحوها سوقًا.. حتى في طعامهم..! جيلنا الحالي أصبح منفتحًا على العالم، والمطاعم السريعة، والطعام الفوري، والوجبات الجوالة غزت البطون، والكل يعلم ما فيها من إضافات وأساليب تحضير جائرة، أفرزت فيها شيئًا من سمومها، جعل منها مصدرًا لكثير من الأمراض.
في هذه المقالة نفتح هذا الموضوع "غذاؤنا في عصر السرعة" على الرغم من قناعتي سلفًا بأن الموضوع مهم ويستحق عدة وقفات، وفي هذا المقال سوف أتطرق إلى "الطعام البطيء طهيه وتناوله" أرجو أن أضع شيئًا من النقاط على أحرفه.
اليوم أصبحت حياتنا سباقًا مع الساعة، أصبحنا دائمًا في عجلة من أمرنا، نلهث وراء توفر دقيقة من هنا ودقيقة من هناك.. نعم إننا في عصر السرعة، فأنت تبدأ صباحك على عجل لترسل وتستقبل الرسائل الصباحية عبر قنوات التواصل المختلفة، ومن ثم تنطلق بسيارتك إلى عملك بسرعة خاطفة، وتتناول فطورك وأنت تقود السيارة على الطريق بهدف اختصار الوقت، سندويشة في يد وعجلة القيادة في اليد الأخرى، قس على ذلك بقية الوجبات، أصبح طعامك جزءًا أساسًا في العالم المعاصر الذي يعتمد على أسلوب تحضير وطبخ وتقديم وأكل في لحظات، لذا يجب أن تؤمن بأنك تتناول الطعام كيفما اتفق، هو أسلوب حياة يتجه إليه معظم الناس، غافلين آداب التهذيب في الأكل، ومبادىء الصحة العامة، مكتفين بطعام عاجل، وعيناك تتابع مواقع التواصل المختلفة عبر شاشة الهاتف الذكي، وفكرك في مكان آخر.
باتت حياتنا سريعة جدًا، وبات الإيقاع السريع هو المقياس في كيفية تناول الطعام، سمة من سمات المعاصرة، فما سلبيات هذا الإيقاع؟ إن الاهتمام بالطعام وأصنافه وطرائق طهيه وإعداده وكيفية التعامل معه وطريقة تناوله والأجواء المحيطة به، كل هذه عوامل تساعد على الإقبال على الطعام والتلذذ به، بل واستفادة الجسم منه، كل ذلك يعد علامة من علامات التحضر ورقي الحس.
تعي الذاكرة أكلات أيام زمان من منطلق أن لها نكهة وطعمًا مميزًا، كونها طبيعيةً وطازجةً، ومعدّة على نار هادئة بحيث تكون متقنة الطبخ وجيدة الهضم، بينما نحن الآن في عصر السرعة معظم الأطعمة مصنعة وتعد بواسطة أفران الميكرويف والطناجر البخارية مما يحول دون استذاقة الطعام الذي نعرفه أيام زمان. علينا أولًا أن نتحكم بميلنا إلى لذة الطعم والانسياق وراء راحتنا أكثر مما يحق لنا بذلك. فالمعادلة بسيطة وهي بين ربح الوقت الذي يؤمنه تناول الوجبات السريعة التحضير، وخسارة الإنسان لصحته الذي تتسبب فيه هذه الوجبات.
وبين الوقت والصحة، تبدو الثانية هي الأهم.
إن كثيرًا من الأمراض من الضغط إلى أمراض القلب والجلطات والسكري وإضعاف جهاز المناعة سببها السرعة في كل شيء، وإزاء هذا النوع من الحياة السريعة ومخاطرها العديدة على الحياة الصحية والاجتماعية، أخذت تبرز دعوات كثيرة في كل أنحاء العالم تدعو إلى مناهضتها. فقد أنشئت في إيطاليا سنة 1986م "حركة الطعام البطيئة" التي تمثلت رافقها بعض المطاعم البطيئة التي تقدم لروادها طعامًا بطيئًا أي بمعنى يشبه الطعام في البيت حيث إن كل مكونات الطعام طازجة ويتم تجهيزها حسب الطلب. وتدعو هذه المطاعم إلى التلذذ بالأكل على مهل بدلًا من جرفه إلى الأحشاء بسرعة. كما تدعو إلى المشاركة في الأكل مع الأصدقاء والأقارب. ومنذ ذلك التاريخ انتشرت هذه الظاهرة من إيطاليا إلى حوالي 100 بلد وأصبح هناك عشرات الآلاف من الأعضاء وفي الولايات المتحدة حوالي (150) مقصفًا من هذا النوع. وللدلالة على مدى انتشار هذه الظاهرة فقد أخذت تبرز تسميات خاصة بكل بلد حول الموضوع نفسه مستعملين الكلمة الإنجليزية (Slow) التي امتد معناها لتصبح الطريقة الأفضل والأكثر توازنًا لمقاربة الأشياء، ففي إيطاليا يستعملون "الأكل البطيء" و "المدن البطيئة" وفي اليابان يستعملون "الحياة البطيئة". وفي هولندا والدانمارك يستعملون "شبكة الحياة البطيئة". وفي أمريكا دعا أحد الأساتذة التربويين إلى "مدارس بطيئة". ويعلق الصحافي كارل هونور بالقول إن هذه الظواهر ليست كظاهرة الهيبي وغيرها التي ظهرت في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين, بل إنها أعمق من ذلك بكثير لأنها بدأت تمتد إلى مناح كثيرة من الحياة. فمثلًا المشي بدلًا من ركوب السيارة، إعطاء الأولاد وقتًا أطول للقراءة بدلًا من الجلوس ساعات وساعات على الأجهزة الذكية، اتباع وسائل ترفيه تقليدية مثل ممارسة الأنشطة البدنية والعقلية، الانقطاع من وقت لآخر عن التكنولوجيا. كما امتدت هذه الظاهرة إلى الهندسة المعمارية وهندسة الديكور. وتقول مصممة الديكور الداخلي لوري أبرامس إن فلسفتها هي إظهار الرغبة في التباطؤ والتمتع بالحياة العادية والأشياء البسيطة العادية مع الأصدقاء والأقارب.
لقد أنتجت الحياة المتسارعة في دول العالم المتقدم مستويات مرتفعة جدًا من المعيشة، ورفاهية وبحبوحة لم يشهدها التاريخ إطلاقًا، لكنها أنتجت أيضًا سلبيات كثيرة يعتقد البعض ومنهم "أفنير أوفير" في كتابه الصادر عن مطبعة جامعة أوكسفورد وعنوانه "تحدي البحبوحة" : "إن المجتمع الغربي هو تحت الحصار".
لكن عدونا ليس الفقر أو البطالة أو الإرهاب أو أنفلونزا الطيور، إنه أكثر مكرًا وأقرب إلى بيوتنا. إنه الثروة التي راكمناها بنجاحاتنا المختلفة، لكن على حساب نوعية الحياة" إزاء ذلك، بدأت تنتشر في معظم دول العالم اتجاهات فكرية وحركات ومنظمات وجمعيات تدعو إلى إبطاء سرعة الحياة. الحياة المتسارعة حرمتنا من الأشياء الجميلة التي تعطي معنى للحياة مثل العائلة وجمعة الأهل ولقاء الأحبة والأصدقاء.
من المفيد جدًا أن تجتمع الأسرة بكاملها على سفرة واحدة ولو مرة واحدة في اليوم، فهذا يعزز كثيرًا الترابط بين أفرادها، كجزء من عاداتنا وقيمنا، كما أن الوجبة تصبح مشوقة في طعمها ونكهتها المعروفة وفوائدها الصحية.
إن انتشار أشكال الطعام الفوري جاء ليكسر عددًا من مظاهر الترابط والتراحم بين أفراد الأسرة "بقذفه" في أفواههم، وهم متراصون جنبًا إلى جنب، منشغلون بالأجهزة الذكية أو يمسكونها في يدهم لا ملتفين حول المائدة، فهم لا يتحدثون سويًا، ولا يأكلون من الأطباق نفسها، وفكرهم في مكان آخر، ببساطة فقدنا العلاقات.. العلاقات العائلية وآداب المائدة، والحواس التي تحدد قيمة ما نتناوله من طعام.
وخلاصة لكل ما ذكرنا، فإن "الطعام البطيء - طهيه وتناوله" يجب أن يحكما نهج حياتنا، فمن يراجع تفاصيل حياته اليومية يكتشف كم أن أبسط الأشياء المتوارثة لا تزال تشكل عمادًا في معالجة آثار الفوضى التي نعانيها، الحاجة إلى الراحة من تعب العمل ورتابة الحياة اليومية، ومهمة الطبيب صارت معالجة آثار الفوضى التي تعم العالم. و.. للحديث بقية.
في هذه المقالة نفتح هذا الموضوع "غذاؤنا في عصر السرعة" على الرغم من قناعتي سلفًا بأن الموضوع مهم ويستحق عدة وقفات، وفي هذا المقال سوف أتطرق إلى "الطعام البطيء طهيه وتناوله" أرجو أن أضع شيئًا من النقاط على أحرفه.
اليوم أصبحت حياتنا سباقًا مع الساعة، أصبحنا دائمًا في عجلة من أمرنا، نلهث وراء توفر دقيقة من هنا ودقيقة من هناك.. نعم إننا في عصر السرعة، فأنت تبدأ صباحك على عجل لترسل وتستقبل الرسائل الصباحية عبر قنوات التواصل المختلفة، ومن ثم تنطلق بسيارتك إلى عملك بسرعة خاطفة، وتتناول فطورك وأنت تقود السيارة على الطريق بهدف اختصار الوقت، سندويشة في يد وعجلة القيادة في اليد الأخرى، قس على ذلك بقية الوجبات، أصبح طعامك جزءًا أساسًا في العالم المعاصر الذي يعتمد على أسلوب تحضير وطبخ وتقديم وأكل في لحظات، لذا يجب أن تؤمن بأنك تتناول الطعام كيفما اتفق، هو أسلوب حياة يتجه إليه معظم الناس، غافلين آداب التهذيب في الأكل، ومبادىء الصحة العامة، مكتفين بطعام عاجل، وعيناك تتابع مواقع التواصل المختلفة عبر شاشة الهاتف الذكي، وفكرك في مكان آخر.
باتت حياتنا سريعة جدًا، وبات الإيقاع السريع هو المقياس في كيفية تناول الطعام، سمة من سمات المعاصرة، فما سلبيات هذا الإيقاع؟ إن الاهتمام بالطعام وأصنافه وطرائق طهيه وإعداده وكيفية التعامل معه وطريقة تناوله والأجواء المحيطة به، كل هذه عوامل تساعد على الإقبال على الطعام والتلذذ به، بل واستفادة الجسم منه، كل ذلك يعد علامة من علامات التحضر ورقي الحس.
تعي الذاكرة أكلات أيام زمان من منطلق أن لها نكهة وطعمًا مميزًا، كونها طبيعيةً وطازجةً، ومعدّة على نار هادئة بحيث تكون متقنة الطبخ وجيدة الهضم، بينما نحن الآن في عصر السرعة معظم الأطعمة مصنعة وتعد بواسطة أفران الميكرويف والطناجر البخارية مما يحول دون استذاقة الطعام الذي نعرفه أيام زمان. علينا أولًا أن نتحكم بميلنا إلى لذة الطعم والانسياق وراء راحتنا أكثر مما يحق لنا بذلك. فالمعادلة بسيطة وهي بين ربح الوقت الذي يؤمنه تناول الوجبات السريعة التحضير، وخسارة الإنسان لصحته الذي تتسبب فيه هذه الوجبات.
وبين الوقت والصحة، تبدو الثانية هي الأهم.
إن كثيرًا من الأمراض من الضغط إلى أمراض القلب والجلطات والسكري وإضعاف جهاز المناعة سببها السرعة في كل شيء، وإزاء هذا النوع من الحياة السريعة ومخاطرها العديدة على الحياة الصحية والاجتماعية، أخذت تبرز دعوات كثيرة في كل أنحاء العالم تدعو إلى مناهضتها. فقد أنشئت في إيطاليا سنة 1986م "حركة الطعام البطيئة" التي تمثلت رافقها بعض المطاعم البطيئة التي تقدم لروادها طعامًا بطيئًا أي بمعنى يشبه الطعام في البيت حيث إن كل مكونات الطعام طازجة ويتم تجهيزها حسب الطلب. وتدعو هذه المطاعم إلى التلذذ بالأكل على مهل بدلًا من جرفه إلى الأحشاء بسرعة. كما تدعو إلى المشاركة في الأكل مع الأصدقاء والأقارب. ومنذ ذلك التاريخ انتشرت هذه الظاهرة من إيطاليا إلى حوالي 100 بلد وأصبح هناك عشرات الآلاف من الأعضاء وفي الولايات المتحدة حوالي (150) مقصفًا من هذا النوع. وللدلالة على مدى انتشار هذه الظاهرة فقد أخذت تبرز تسميات خاصة بكل بلد حول الموضوع نفسه مستعملين الكلمة الإنجليزية (Slow) التي امتد معناها لتصبح الطريقة الأفضل والأكثر توازنًا لمقاربة الأشياء، ففي إيطاليا يستعملون "الأكل البطيء" و "المدن البطيئة" وفي اليابان يستعملون "الحياة البطيئة". وفي هولندا والدانمارك يستعملون "شبكة الحياة البطيئة". وفي أمريكا دعا أحد الأساتذة التربويين إلى "مدارس بطيئة". ويعلق الصحافي كارل هونور بالقول إن هذه الظواهر ليست كظاهرة الهيبي وغيرها التي ظهرت في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين, بل إنها أعمق من ذلك بكثير لأنها بدأت تمتد إلى مناح كثيرة من الحياة. فمثلًا المشي بدلًا من ركوب السيارة، إعطاء الأولاد وقتًا أطول للقراءة بدلًا من الجلوس ساعات وساعات على الأجهزة الذكية، اتباع وسائل ترفيه تقليدية مثل ممارسة الأنشطة البدنية والعقلية، الانقطاع من وقت لآخر عن التكنولوجيا. كما امتدت هذه الظاهرة إلى الهندسة المعمارية وهندسة الديكور. وتقول مصممة الديكور الداخلي لوري أبرامس إن فلسفتها هي إظهار الرغبة في التباطؤ والتمتع بالحياة العادية والأشياء البسيطة العادية مع الأصدقاء والأقارب.
لقد أنتجت الحياة المتسارعة في دول العالم المتقدم مستويات مرتفعة جدًا من المعيشة، ورفاهية وبحبوحة لم يشهدها التاريخ إطلاقًا، لكنها أنتجت أيضًا سلبيات كثيرة يعتقد البعض ومنهم "أفنير أوفير" في كتابه الصادر عن مطبعة جامعة أوكسفورد وعنوانه "تحدي البحبوحة" : "إن المجتمع الغربي هو تحت الحصار".
لكن عدونا ليس الفقر أو البطالة أو الإرهاب أو أنفلونزا الطيور، إنه أكثر مكرًا وأقرب إلى بيوتنا. إنه الثروة التي راكمناها بنجاحاتنا المختلفة، لكن على حساب نوعية الحياة" إزاء ذلك، بدأت تنتشر في معظم دول العالم اتجاهات فكرية وحركات ومنظمات وجمعيات تدعو إلى إبطاء سرعة الحياة. الحياة المتسارعة حرمتنا من الأشياء الجميلة التي تعطي معنى للحياة مثل العائلة وجمعة الأهل ولقاء الأحبة والأصدقاء.
من المفيد جدًا أن تجتمع الأسرة بكاملها على سفرة واحدة ولو مرة واحدة في اليوم، فهذا يعزز كثيرًا الترابط بين أفرادها، كجزء من عاداتنا وقيمنا، كما أن الوجبة تصبح مشوقة في طعمها ونكهتها المعروفة وفوائدها الصحية.
إن انتشار أشكال الطعام الفوري جاء ليكسر عددًا من مظاهر الترابط والتراحم بين أفراد الأسرة "بقذفه" في أفواههم، وهم متراصون جنبًا إلى جنب، منشغلون بالأجهزة الذكية أو يمسكونها في يدهم لا ملتفين حول المائدة، فهم لا يتحدثون سويًا، ولا يأكلون من الأطباق نفسها، وفكرهم في مكان آخر، ببساطة فقدنا العلاقات.. العلاقات العائلية وآداب المائدة، والحواس التي تحدد قيمة ما نتناوله من طعام.
وخلاصة لكل ما ذكرنا، فإن "الطعام البطيء - طهيه وتناوله" يجب أن يحكما نهج حياتنا، فمن يراجع تفاصيل حياته اليومية يكتشف كم أن أبسط الأشياء المتوارثة لا تزال تشكل عمادًا في معالجة آثار الفوضى التي نعانيها، الحاجة إلى الراحة من تعب العمل ورتابة الحياة اليومية، ومهمة الطبيب صارت معالجة آثار الفوضى التي تعم العالم. و.. للحديث بقية.



