12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

إلى كل مربٍّ تشغله هموم التربية «4».. ماذا نقدم لأولادنا؟

في عالم اليوم المضطرب الذي يعج بأنواع الطغيان والجبروت تدعمه المتغيرات الاجتماعية والتقنيات التي جلبت علينا من الشقاء قدر ما جلبت لنا ما ظنناه من فرط سذاجتنا راحة وسعادة. ويعنينا اليوم من هذا الطغيان ناحيته التربوية لفلذات أكبادنا، فالظواهر الشاذة بدت تزحف إلى مجتمعاتنا وتقدم لأطفالنا سلوكيات وثقافات منحرفة من خلال ألعاب التسلية الإلكترونية التي تجذب انتباههم وتسلب شخصياتهم، والقلق الذي يبديه الأهالي والتربويون تجاهها لم يلجم ولع الطفل بهذه التسلية حتى إنها صارت تنافس معظم الأنشطة التقليدية، بل وصلت إلى حدّ سيطرتها على اهتمام الطفل ودفعه إلى سلوكيات خارجة عن القيم والأعراف السائدة من خلال تنمية الأحاسيس العدائية.. وصولًا إلى زرع ميول العنف والجريمة.

في الحقيقة لم يكن أحد يدرك التأثيرات الجانبية للأجهزة الذكية على سلوكيات وصحة أطفالنا، هناك لائحة طويلة من المشكلات التربوية والصحية والاجتماعية تسببها الألعاب الإلكترونية تبدأ من هدر الوقت وإهمال الدراسة، وصولًا إلى البدانة والخمول الجسدي وسوء التغذية، إلى جانب الإصابات التي تلحق بالجهاز العضلي والعظام وآلام الرقبة، وكذلك ضعف القدرة البصرية نتيجة لتعرض العينين لمجالات الأشعة الكهرومغناطيسية قصيرة التردد ودفقات الوميض الضوئي التي تنفثها شاشات الأجهزة الذكية محدثة إتلافات وأضرار صحية ويمكن أن تكون لها مضاعفات خطيرة بينها الإصابة بالسرطان والتشوهات الولادية والخبل العقلي، وتنتهي بالتأثيرات النفسية والأخلاقية.

المشكلة أن الوالدين لا يكترثان إلا بتسلية أطفالهم وإرضائهم وتحقيق ما يريدونه على حساب تلك التأثيرات وبما تحمله من وساوس وكآبة وانفصام أو اضطرابات تظهر على الطفل لتترك أثرًا سلبيًا في بناء شخصيته، فظاهرة إدمان الأطفال والنظر الطويل لشاشة الجهاز ونوعية الألعاب وما يدور في فلكها من ممارسات شاذة سلبت العلاقات الاجتماعية إنسانيتها، وأدت لانعزال الطفل عن محيطه الطبيعي.

والواقع أن ما نشاهده اليوم من نمط اجتماعي له تأثير مباشر على مستقبل الأبناء، فحدوث فجوة كبيرة بين الآباء والأبناء ولَّد لدى الأطفال عقدًا نفسية يصعب علاجها، وقد يبحثون عن وسائل تملأ فراغهم، فالطفل لا يكف عن الضغط على والديه بالبكاء والتمرد إلى أن يتحقق له ما يريد بعد منازلة، وهذا وصف بسيط لما يحصل في معظم البيوت، إلا أن هناك بعض الأسر تحاول حماية أطفالها برفض طلباتهم ورغباتهم المطلقة، فأبعدتْ عنهم تلك الأجهزة الذكية التي سلبت شخصياتهم وطمست ميولهم المبكرة، وبتنشئتهم السليمة، نعم تحولت البيوت إلى غرف مغلقة، يقضون فيها وقتًا طويلًا أمام شاشات الأجهزة الذكية، دون رقيب، وبات الطفل لا يحتاج للآخرين، عالمه الافتراضي هو الذي يقوده إلى أجواء الانفعال التام، والآباء والأمهات لا يجدون حاجة للقلق ما دام أطفالهم في رعاية الأجهزة الذكية ومحتوياتها، هم في حالة استقرار وارتياح من صخب الأطفال وحركتهم ومشاغباتهم -مع الأسف الشديد- هم لا يدرون ماذا يجري لفلذات أكبادهم داخل تلك الغرف المظلمة المليئة بالدهاليز الغامضة، هم منشغلون أو مهتمون فقط بأمور ومتطلبات سخيفة غير معقولة لم يعرفوها ولم يهتموا بها، جلبت لهم ضغوطًا رهيبة على أعصابهم وما رافقها من إرهاق وقلق وأمراض. نتائجها سلوك عدواني وتصرفات عنيفة ومنهج منحرف أدخلت الطفل في نوبة من نوبات الكآبة والانحراف السلوكي والاضطراب النفسي والتدهور الجسدي كونه يتابع مشاهد مثيرة أو يمارس ألعابًا محددة في غرفته الخاصة، وحصوله على كل شيء يطلبه، وجلوسه أمام شاشات الأجهزة الذكية وتصفحه المواقع الإلكترونية من دون حدود. 

بتنا نملك كل أسباب الرفاهية والتسلية وبيوتنا عامرة بالأجهزة الذكية كوسيلة تعليمية وتثقيفية مما ينعكس على تحصيل الأداء العلمي والذهني للطفل إذا ما أحسن استخدامه، ولن يتم ذلك إلا إذا شارك الآباء والأمهات في كثير من المواضع المتعلقة بأولادهم، وكيفية حمايتهم من المخاطر التي قد تصلهم عبر المواقع الإلكترونية والألعاب الجديدة، إلا أن الشعور بالخوف والقلق الذي يبديه الأهالي من الظواهر الشاذة، شكل لهم التعقيد والتحدي الخطير الذي فرضته الثقافة الغربية على عقول أطفالنا.

في مثل هذه الصورة لا بد أن نتهم أنفسنا قبل أن نتهم الآخرين. الوقت في حاجة إلى سد هذا الجانب في سبيل إنقاذ أولادنا فلذات أكبادنا، ترك الحبل على الغارب لأبنائنا للذهاب وللعب متى شاؤوا دون قيد وبلا رقابة أو شرط بلا وعي أو تربية، ثم نحمل غيرنا الأخطاء ونشن الحملات غير الواقعية والحلول التي سوف نفشل في تطبيقها. يبدو أن الآباء غفلوا في غمرة التحول في النمط الاجتماعي من الهدوء الرتيب إلى الإيقاع الراكض نحو ميادين العمل كان له تأثير مباشر على مستقبل الأبناء، فظروف العمل للوالدين وانشغالهم بأمور الحياة، وترك أبنائهم بأيدٍ غير مأمونة، ليس مبررًا لينسوا الجانب التربوي، وهو ليس سببًا وجيهًا، إننا بحاجة إلى معالجة صادقة لمشكلات أولادنا، والتنظيم لمنهجية علمية ملائمة لبيئتنا وثقافتنا، وبث مفاهيم الأخلاق والدين في نفوسهم، عسى بعد هذا أن نستطيع أن نرى ما زرعناه لأطفالنا هو فائدة وأمان لحياتهم ومستقبلهم، حمدًا لله إن مجتمعنا الإسلامي وثقافتنا الوطنية، فيها الكثير من الأنشطة والبرامج المفيدة -الدينية والثقافية والرياضية- هي وسيلة مهمة وضرورية لإبعاد أطفالنا عن الظواهر المرضية التي تهدد مستقبلهم وقيمهم الاجتماعية والأخطار المحدقة حولهم، والاستفادة من الفراغ القاتل والداء الخبيث بالتوجيه الصحيح.

لا شك أن العلاقة الأسرية المترابطة يكون فيها الأب صديقًا مع الأولاد، والولد صديقًا لأمه وأبيه، والعلاقة ترفل بالثقة والمحبة والاستقرار والرضا والسعادة. تتعرض هذه العلاقة أحيانًا للاهتزاز بسبب الأخطاء "أخطاء التربية" فقد يخطىء أو يقصر الأب في حق أولاده لعدم إرشادهم وتوجيههم للقيم والآداب المحمدية، وكذلك عدم مشاركتهم في العملية التعليمية والأنشطة المختلفة واللعب والهوايات، وهذا بالطبع ينتج عنه جهل بطبيعة ميولهم وما يدور في فكرهم.. أنا شخصيًا أرى أننا مطالبون بأن نوفي الأمر حقه من العناية والحماية، أملًا في أن نجد ما يستوفي العلاج، يقول الإمام الصادق (ع): "تعليم الطفل مند الصغر كالنقش على الحجر" نعم التربية الإسلامية للطفل مهمة مقدسة كون صغارنا قرة أعيننا، أكبادنا، هم ملاك هادئ يشع نورًا وجمالًا، وهم الجيل الصاعد، لنساعد على إخراجهم من آفات التحدي وشرورها، وأن يعيشوا طفولتهم وهم يشعرون بأقصى درجات الأمان. 

تلك هي التربية الأنسب للأبناء، والتي ستكون نتيجتها أسرة متماسكة وأبناء صالحون، وأسرة كهذه تكون بحق أسرة مثالية، ولابد للأهل من أن يتذكروا أن الأطفال مصدر المتعة والسعادة ورمز الجمال، ومهمة التربية الحسنة والتي تعد من أصعب المهمات في الوقت الحاضر تحتاج إلى صبر وثقة وإيمان وتوفيق من الله وتسديد منه تعالى لمواجهة ذلك الفكر الشيطاني، ماذا نستطيع أن نفعل سوى استكمال دورنا التربوي والتوعوي الذي يقوم على متابعة نمو الأبناء وحمايتهم من أي أذى قد يلحق بهم، والاهتمام بتحصيلهم الدراسي، ومعرفة المحيط الذي يعيشون فيه، ونوع العلاقات الاجتماعية من صداقات ومعارف تحيط بهؤلاء الأبناء، وأن يتم التركيز على أحدث الطرق التربوية بما يتماشى مع تعاليم الدين الحنيف، وحث مشايخنا الأجلاء على إثراء محاضراتهم بقضايا العصر الحديث، فلم تعد ألعاب الفيديو والأجهزة الذكية مجرد هواية أو تسلية فحسب، بل باتت مصدرًا لنشر ثقافات والانحراف والفساد والانحطاط.

يجب على الأب والأم أن يغرسا في نفوس أبنائهما المعاني الجمالية في الحياة وأن نأخذهم لقضاء بعض الوقت في أحضان الطبيعة ونشجعهم على تأمل البحر والأشجار والمناظر الطبيعية وغيرها، فللحظات التأمل هذه ضرورة كي يعرف الأبناء ما يحيط بهم من قيم جمالية وليعرفوا أيضًا أن الجمال ليس فقط في الألعاب والأجهزة الذكية، بل في الطبيعة وهذا بدوره سيجعل الأبناء يتذوقون الجمال وبالتالي يعيشون الحياة الإنسانية بشكل أفضل. كما يجب على الأب والأم أيضًا أن يحيطا طفلهما بالرعاية والحنان والأمان الخاص، وأن يربَّى على المثل والقيم الأسرية ليصبح عضوًا نافعًا محبًا لوطنه، محبًا لمجتمعه، محبًا للإنسانية كلها، لا إعداده ليخدم هدفًا ذاتيًّا للوالدين أو أيهما. فأطفالنا هم أمل المستقبل، وسعادة أسرهم في سعادتهم؛ لأن الأسرة السعيدة هي أسرة استطاعت تربية أبنائها تربية جيدة، وتحيطهم بسياج التربية الواعية، وتأخذ بأيديهم ليصبحوا عناصر تبني المجتمع، وهو أمر يضمن توارث النهج، ولذلك يقال: "إن البيوت السعيدة تنجب أبناء سعداء".

لنعد إلى الوراء ونتذكر تلك اللحظات الرائعة التي أمضاها فلذات الأكباد مع الآباء والأمهات، لنأخذ مشهد عودة الأبناء من المدرسة، هذا يرمي حقيبته صارخًا "أنا جائع يا ماما" وذاك مسرعًا إلى المطبخ يبحث عن أمه وهو يصرخ  "ماما ماما" لقد حزتُ المرتبة الأولى في الامتحان، وهذه ابنتها الوديعة الهادئة بصمت تقترب من أمها وتطوق رقبتها بذراعيها وهي تهمس "أحبك يا ماما" تضحك الأم وهي تقبّل صغيرتها، أشاعوا في البيت جوًا من المرح والسعادة، مشهدًا تختلج كيانه عواطف الرحمة وإحساسًا رهيبًا بحنان الأمومة، ما أجمله من مشهد!! أين هذا الآن، نحن نفعل شيئًا مختلفًا، فقدَ الأبناء لمسة الأم الحانية التي تبعث لهم من قلبها الدفء والحنان، بعد خروجها من البيت نحو ميادين العمل، وأصبحنا اليوم نتذكر تلك الأيام الرائعة اللذيذة ذات النكهة الشهية، سنظل نتحسر عليها، لقد أصبحنا شديدي الانشغال بمتطلبات العصر التي لم نكن نعرفها أو نهتم بها. نحن لسنا كما كنا قبل ربع قرن تقريبًا، نحن اليوم في زمن تصاعدت فيه التحديات، وتساهلنا في التربية الصحيحة، وانشغلنا في أمور خارجة عن قيمنا وهويتنا الثقافية، وضاع أبناؤنا في غمرة الحياة!!

تبقى كلمة أخيرة لا بد أن تقال ربما استاء لها بعضنا ولكنها الحقيقة مهما كانت مرارتها.. ولعلي أقولها وكلنا آباء أو أمهات وكلنا لدينا أطفال:
أصبح الأبناء -مع الأسف الشديد- يعيشون بين الآباء والأمهات في غربة إلى حدٍّ كبير، المهم عندهم هو توفير حاجاتهم من مأكل، وملبس، ونفقات الدراسة، وبعض الكماليات بينما غفلنا عن الجانب الأهم، وهو تربيتهم على القيم النبيلة والأخلاق الفاضلة، فأصبحت حياتهم في عزلة وضياع وتناقضات بالغة التعقيد. حينها نتساءل عن الموقف الذي يجب أن نتخذه من تأثير الأجهزة الذكية إيجابًا وسلبًا في حق أولادنا نفسيًا وسلوكيًا.


error: المحتوي محمي