12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

إلى كل مربٍّ تشغله هموم التربية «3».. عمل المرأة وأهميته

المرأة السعودية موجودة وفاعلة في مجتمعنا، ولها أثر في برامج التنمية الوطنية، حيث شغلت العديد من الوظائف والمناصب الحيوية في الصحة والتعليم والإدارة، ناهيك عن الأنشطة التجارية المتنوعة، فالمرأة عندما دخلت ميدان العمل سواء كان ذلك بدافع تحسين مستوى الدخل الفردي أو العائلي أو لضمان موفور من الرغبات والشهوات أو لتؤكد مكانتها كفرد بالغ في المجتمع.. هذا أمر منطقي وطبيعي لا يمكن تجاهله في ضوء التحديات والتحولات التي تمر بها الأسرة والمجتمع اليوم، فالظروف الاقتصادية ومتطلبات الحياة دفعتا المرأة لتشارك الرجل في عمله وكفاحه وعرق جبينه، ولتكون مسؤولة أولًا بشؤونها الخاصة، وعن نسبة مئوية غير قليلة من نفقات أولادها، وإعاشة الأسرة؛ لأنها تمثل جانبًا اقتصاديًا مهمًا لا يستطيع الرجل الاستغناء عنه، وفي نفس الوقت تسهم إسهامًا فعالًا في دفع عجلة التنمية الوطنية في جميع المجالات: الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية وغيرها وعلى جميع المستويات.

حضور المرأة في ميدان العمل يحقق جزءًا من رسالتها تجاه مجتمعها وبلدها المعطاء، إضافة إلى دورها الفعلي كزوجة وأم مسؤولة عن رعاية وتربية الأجيال. 

من الطبيعي أن تهتم المرأة بمستقبلها الوظيفي وأمورها الحياتية، وتعزز مكانتها الاجتماعية، لكن من غير الطبيعي أن يكون الإيقاع الراكض نحو ميادين العمل على حساب البيت والأبناء، ومهما كانت تلك المبررات أو الدوافع، فإنه لا يصح أن تحجبنا عن الحقيقة، وهي تربيتها لأبنائها الذين هم من يجسدون إيمانها قناعةً وموقفًا، وهنا يأتي التساؤل دائمًا: منْ الأولى باهتمام المرأة بيتها أو وظيفتها والتي تؤثر حتمًا على وظيفتها الأُولى؟ المرأة اليوم وقعت فريسة الانشغال الثنائي، فهي مربية بالدرجة الأولى وليست من تتحمل مسؤولية نفقات الأسرة مثلًا. 

فهل بوسع الرجل أن يقدم الدعم والمساندة للمرأة عن طريق تقاسم الأدوار للعمل المنزلي؟! وقوف الرجل إلى جانب المرأة وهي تسعى لأداء دورها، يحفزها للوصول إلى مستوى الرضا بين الدورين، دورها كأم، والدور الاقتصادي. عدم التوافق بين الدورين -مع الأسف الشديد- هو ما يحدث في كثير من الأحيان، وهنا سؤال يطرح نفسه: من يربي أبناءنا، وضمن أي قيم وعادات وسلوكيات ينبغي أن يعيشوا؟ ما نعتقده الآن هو أن الآباء والأمهات مطالبون بأن يتعاملوا مع مخرجات هذا العصر بعلم وحصافة وحكمة، فمسؤوليات الأسرة لا يمكن أن تقوم بها جهات أجنبية.

أن ما نشهده اليوم من خروج المرأة إلى ميادين العمل ترك أثرًا سلبيًا على حياتها الخاصة، وسبب مصاعب ومتاعب وضغوطًا قاسية أسرية أخطرها الجفاف العاطفي بين الأم وأطفالها، واضطراب الحياة الزوجية وعدم استقرارها، فالطفل منذ ولادته بحاجة ماسة إلى رعاية وعناية خاصة من الأم، لكي ينمو نموًا طبيعيًا سليمًا في البيئة المحيطة به، فهذه مرحلة حساسة وحاسمة ومهمة من حياة الطفل مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بحالته الصحية والنفسية، وحاجته الملحة للتواصل مع أمه "تقبيل وملاطفة وتدليل ونظافة وتغذية ..." لكي يشعر الطفل بالاطمئنان والاستقرار النفسي، بالإضافة إلى عامل الحاجات والرغبات التي لها علاقة بالحالة الصحية والجمالية. وقد أجمع علماء التربية والمختصون في شؤون الأسرة، أن هناك مشكلة تعانيها المرأة العاملة -المتزوجة وأم- ترتبط بالحواجز النفسية والبناء الأخلاقي لسلوك أطفالها، فعلاقة الطفل بأمه في سنيِّ طفولته عامل أساسي لصحته النفسية والفكرية والجسدية، تخلي الأم عن وظيفتها الطبيعية نحو أبنائها أو تقصيرها في ذلك، إما اتكالًا على عوامل العصر الحديثة أو انشغالًا بأعمال الحياة واكتفاء بالوظيفة الاجتماعية، كون المقياس للقيم والمبادىء هي المصلحة الذاتية، مما حرم الطفل دفء وحنان الأم، وعرضه لأضرار صحية ونفسية في مرحلة طفولته المبكرة. 

إن التذرع بتبريرات عدم التفرغ أو قلة الوقت أو الالتزامات الوظيفية وغيرها من التبريرات لا يجدي المرأة نفعًا، فهناك الأمهات اللاتي أصبحن أمهات اسمًا وفعلًا وموقفًا، وعلى الرغم من ثقل

المسؤولية، فإنهن يوفين بكامل الالتزامات الأسرية تجاه الأبناء والبيت الزوجي.  
إذن، الوضع الداخلي لبيتكِ مسؤوليتكِ يا سيدتي أمام الله -عز وجل-، فالأخطاء، والقيم الفاسدة، والأفكار البائدة، والمبادىء الواهنة، كلها تدور في محيطكِ الذي تعيشين فيه، وينعكس ذلك على نفسيات أفراد عائلتكِ.

لا شك أن موضوع دور المرأة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية هو محل تشجيع وتقدير لا يمكن تجاوزه، ولكن الشيء الذي لا غناء عنه ولا يمكن تجاهله، ضرورة التوافق بين الدورين "الدور الاقتصادي ودور الأم" إذ إن مهمة المرأة تجاه المنزل وتربية النشء لا يمكن أن تقوم بها الخادمة أو المربية التي تأتي من عالم مجهول، وهنا نتساءل: هل عمل المرأة يحقق لها قدرًا من الاستقرار النفسي والاطمئنان الاجتماعي؟! نستطيع أن نؤكد حقيقة مهمة أثبتتها الشواهد التي لا حصر لها، وهي أن لحظات عمل المرأة بشكل عام تحولت إلى تعب وضغط نفسي واضطراب داخل الأسرة، بسبب التقصير في دور الأم -سيدة البيت-  تجاه زوجها وأطفالها، كما أن حصول المرأة على القوة بالمجهود الذاتي، نتج عنه حبّ الذات والغلو في الإعجاب ساعداها على أن تكون مستقلة عن زوجها والذي هو سندها في الحياة، يبدو أن الأمر بدا واضحًا للجميع، هنا أيقنتُ السبب الحقيقي وراء زيادة درجة المشكلات الأسرية، وفشل الحياة الزوجية، ونسب الطلاق العالية وتفكك العائلات المخيف وتشتت العائلة الواحدة في عدة أمكنة، كما أن مستويات الكآبة والضغط والأمراض وارتفاع الديون الخاصة، ارتفعت إلى مستويات مخيفة.

سمعنا وقرأنا وشاهدنا مصائب الخادمات اللاتي ارتكبن الجرائم بحق الأطفال، والأمهات لاهثات وراء سراب من الهموم التافهة، لقد فقدت المرأة روح المسؤولية تجاه أسرتها نتيجة إحساسها بعدم الرضا والقناعة، لكن يتعين علينا عند هذه النقطة أن نلفت النظر إلى حقيقة بارزة، تتجلى بوضوح أكثر في مجتمعنا الخليجي، لقد أصبحت المرأة العاملة على الرغم من حاجتها الماسة إلى العمل، هي أقل استقرارًا وأكثر صعوبة من ذي قبل، والمشكلات زحفت إلى أسرتها، ورياح الحياة العصرية جرفتها إلى جانب آخر، من هنا بدأت المرأة في التحكم في قدرتها الإنجابية، فقد صغر حجم العائلة من حيث عدد الأولاد إذ أصبح يقتصر إجمالًا على ولدين أو ثلاثة لا أكثر، وتركت مهمتها كزوجة وأم مسؤولة عن تربية أطفالها للخادمة أو المربية أو على الأقل يُسَاعِدْنَ فيها مساعدة أساسية.   

فكري قليلًا أيتها الأم.. حصولكِ على الوظيفة لا تعني حياة زوجية مستقرة، فوجود الدافع المادي لا يكفي لجلب عامل الاستقرار والأمان والسعادة الأسرية، حيث إن الهيبة والثروة والقوة التي تستمدينها من مركزكِ الوظيفي يمكن أن يدفعكِ إلى فكرة الاستقلال في الرأي والكلمة، والاعتداد بالذات، والاغترار بالنفس، وبالتالي يصبح باستطاعتكِ ترك العلاقة الأسرية والزوج غير الصالح في نظركِ لأتفه الأسباب.. لتعودي حرة متحررة من سلطة القيود والالتزامات الزوجية التي قيدت دوافعكِ، أنتِ تعتقدين أن سندكِ في الحياة هو عملك ودراستكِ وليس زوجكِ، بالضبط هذا كل ما يحدث الآن، الخوف من الحرية التي لها بداية وليس لها نهاية. الآن أحسّت المرأة بالتحرر بعد أن تحطمت أغلالها، وأبعدت فكرة الزواج من ذهنها أكثر وأكثر.. في نظرها إنه رباط قسري تعسفي يسحق المرأة.. ويقيد حرّيتها.. لقد أصبحتِ قادرة على التنقل والحديث بالصورة التي تريدها وتفهمها. إن المرأة مهما فعلت وتعالت واشتهرت لن يملأ كيانها سوى الزوج والبيت والأولاد؛ لأن الزواج ستر ولباس للمرأة، ويؤلمني أن أسمع عن مشكلات عائلية وحالات طلاق، وتفكك أسري وضياع للأبناء، هذه الصورة السوداء في هذا العصر المليء بالمغريات والمحركات. ومن جانب آخر تستطيع المرأة العاملة ترجمة قوتها الاقتصادية إلى قوة في نطاق الأسرة، فقد وجد أنه على المستوى الاقتصادي والاجتماعي يجب أن تمتلك المرأة عملًا ودخلًا مناسبين، لكي يسهل مهمة الأم ويساندها ويدعمها لمواجهة قسوة الأيام، لكن إذا كانت الوظيفة تلغي دور المرأة الطبيعي تجاه بيتها ورعاية وتربية أطفالها مما يجعلها أقل استقرارًا وأكثر صعوبة، نقول: لتفقدي أيتها الأم العاملة وظيفتكِ وتعودي إلى بيتكِ، وتمارسين دوركِ كأم، تفرغكِ لرعاية أولادكِ وتربيتهم والاهتمام بشؤون أسرتكِ، تمنحيهم الدفء والحنان، والطاقة الخلاقة على صنع الحياة ولم شمل الأسرة، يعني بيتًا عامرًا، وحياة هادئة، وسعادة هانئة، فما أحوجنا لمثل هذه المرأة البسيطة الوديعة التي ضختْ في قلبها أنهارًا من الشوق والحنان، صبرت وكيّفت نفسها بالصورة التي ترضي زوجها، ورتبت حياتها كأم، وأخضعت إرادتها في اتجاه تربية أطفالها، تتصرف بذكاء ولباقة وتعرف كيف تزرع المحبة والوئام، ويسود الصفاء الروحي في قلوب عائلتها؛ لأن بيتًا فيه امرأة محنكة، صائبة الرأي، حكيمة، لا يمكن أن ترهن رعاية أطفالها في يد أي قوة أجنبية أو شقيقة، على عكس الأم العاملة التي تركت دورها الأساسي وانشغلتْ فقط بمستقبلها الوظيفي وأمورها الحياتية، لاهثة وراء سراب من الهموم التافهة، التخبطات تملأ بيتها وحياتها، ضائعة في انفعالها المحموم، إنها متأزمة مع كل شيء، حتى أولادها يرون فيها صورة جامدة لا تحتمل المزاح أو المرح، تطل عليهم دائمًا بوجه مكفهر متجهم، تصيح وتأمر الخادمة في عصبية، التذمر لا يحتمل وجهها العابس وغضون جبهتها المتراصة في قسوة عينيها الحادتين اللتين تريان كل شيء في الحياة كئيبًا ومكفهرًا.

الجفاف العاطفي بين الأم وطفلها ولَّد في نفسه عقدًا نفسية يصعب علاجها، وقد يبحث الطفل عن وسائل تعطيه قيمة مختلفة. المشكلة في هذا أن الأمهات ينجبن سنة بعد أخرى ويقذفون بالذريّة إلى الجدة أو الخادمة أو المربية الدخيلة أو مراكز ضيافة الأطفال، ليتفرّغن لأمورهن الحياتية الأخرى، نعم لقد تحولت بيوت الجدات مراكز حضانة لرعاية الأحفاد، ساعات كثيرة تمر والطفل ينتظر رجوع أمه من العمل، هذه النوعية من الرعاية في نظر الجدات أمور صعبة، ما نراه في الجدة ينطبق على المربية أو الخادمة، تقوم بتربية الطفل وتتعهد مشربه ومأكله ومنامه، وهي ترافقه إلى المستشفى إن سقط مريضًا، وتشاركه لعبه وتنقلاته ومرحه، وتأخذه إلى الحدائق العامة والأسواق ليروّح عن نفسه، وهي تستأنس به كلعبة، وهو يستأنس بها كأم بديلة، ويتثبت بها وهو يفر من ذراعي أمه، وقد راح بعض الأطفال ضحايا لإهمال المربيات أو الخادمات، إنه عصر ممزق نعيشه، فكل المفاهيم تغيّرت، والعواطف تبلدت، والأمهات بحاجة إلى جرعات من العقاقير الجديدة أو حُقن لشحنهن بعاطفة الأمومة التي تحولت إلى معنى مادي لا قيمة له ولا رجاء. والسؤال الذي قد يتبادر للذهن: كم جرعة تحتاجها المرأة لتصبح أمًّا ناجحة؟ جرعة واحدة لتتجنّب تفويض "الخادمة" أو "المربية" ولاية أمر طفلها!!

قد يعترض البعض على بقاء المرأة في بيتها لتدير شؤون أسرتها، هذا الاعتراض مردود عليه؛ لأن حينما نطالب ببقائها بجانب أولادها ورعايتهم وتربيتهم، فإنّما نفعل ذلك من أجل أن تصل المرأة إلى مكانة يرضاه الله -عز وجل- لها، فمن يستطيع أن يزرع الحب والاستقرار والأمن ويحلّ مشكلات الأسرة وخبايا الأيام غير المرأة نفسها؟ و.. للحديث بقية.


error: المحتوي محمي