من قبل أن يأتي المولود تحاكيه الأمّ في بطنها، اليوم ابني عمره خمسة أشهر، هذا الشهر قرّب ابني على الشهر التاسع. حين يأتي لا تسع الأرض فرحتها؛ زغردة وكل يوم أشوف ابني يكبر. انظروا ابني: اليوم مشى، اليوم صارَ يأكل، اليوم تكلّم أول كلمة. إذا مرض خافت الأم: يا مرض، يا موت خذني مكانه، خذ ما شئتَ مني واتركه لي! بكرة يا رب يصير عريسًا، نحني له يديه ونشعل له شمعات الفرح ونوزّع الحلوى!
من أشد المآسي على الوالدين أن يموت لهما ابن -أو بنت- مستقبلًا الحياة بصدره؛ ينتظران وقت البلوغ والزواج فإذا الابن في عمر العريس يموت أو البنت في عمر العروسة يخطفها الموت! في الدنيا مآسٍ عظيمة، لكن مأساة فقد الشاب ليس فوقها شيء، يموت الأب والأم - فعلًا - غير أنهما يبقيان يطويان صفحات الحياة في انتظار الموت. يقول الإمام علي عليه السلام:
شَيئانِ لَو بَكَتِ الدِماءَ عَلَيهِما ** عَينايَ حَتّى تَأذَنا بِذِهابِ
لَم تَبلُغِ المِعشارَ مِن حَقَّيهِما ** فَقدُ الشَبابِ وَفُرقَةُ الأَحبابِ
يحزن الغرباء كثيرًا عندما يسمعون أو يقرأون خبرًا عن وفاة شاب في مقتبل العمر، وما أكثر الحوادث؛ تستعر قلوبهم حزنًا حين يقرأون في حوادث التاريخ أو يرون في نشرات الأخبار! كيف إذًا من يعيش المأساة؟
يتوقع الآباء والأمهات أن يحموا أولادهم من الموت وأن شيئًا لن يحصل لهم في حياتهم، لكن من يحمي من الموت؟ أعطيكم - القراء الكرام - نموذجًا للحزن في حادثتين:
الأولى: مات لأبي الحسن التهامي ابن شاب، فقال فيه قصيدة حملت أحزن المشاعر، جاء فيها:
يا كوكبًا ما كان أقصرَ عمره ** وكذا تكون كواكب الأسحارِ
أبكيه ثم أقول معتذرًا له ** وفقتَ حين تركت آلأمَ دارِ
جاورتُ أعدائي وجاور ربه ** شتان بين جوارهِ وجوارِ
الثانية: مات لأبي ذؤيب الهذلي أبناء بسبب مرض الطاعون فرثَاهم بقصيدة، جاء فيها:
أَودى بَنِيَّ وَأَعقَبوني غُصَّةً
بَعدَ الرُقادِ وَعَبرَةً لا تُقلِعُ
سَبَقوا هَوَىَّ وَأَعنَقوا لِهَواهُمُ
فَتُخُرِّموا وَلِكُلِّ جَنبٍ مَصرَعُ
فَغَبَرتُ بَعدَهُمُ بِعَيشٍ ناصِبٍ
وَإَخالُ أَنّي لاحِقٌ مُستَتبَعُ
يموت الشاب وتبقى ذكراه في قلب أمه وأبيه؛ عطره الفواح، قوامه الممشوق، أشياؤه، كل شيء يكون له معنًى يعذب الأمّ بعد الموت!
يستطيع القارىء تذكر أناسٍ آخرين فقدوا أبناءً في أعمار الورد! يذكر التاريخ أن الإمام الحسين عليه السلام استشهد له ابن شاب في واقعة كربلاء سنة 61 هجرية اسمه علي الأكبر. حزن عليه كثيرًا ورثاه فقال: قتلوك يا بُني على الدنيا بعدك العفاء، وضمَّه أبوه إليه حتى مات. قوله يعني أن الدنيا لا تستحق الحياة، كل شيء بعدك صار تافهًا ويهون يا بنيّ حتى الموت!
ثم ابن لأخيه الحسن عليه السلام، اسمه القاسم، كان شابًّا حين لقي مصرعه. بكاهُ الحسين عليه السلام وتأذى لمصرعه وقال عند موته كلامًا حزينًا.
يموت الشاب وتبقى ذكراه في قلب أمه وأبيه؛ عطره الفواح، قوامه الممشوق، أشياؤه، كل شيء يكون له معنًى يعذب الأمّ بعد الموت!
من أشد المآسي على الوالدين أن يموت لهما ابن -أو بنت- مستقبلًا الحياة بصدره؛ ينتظران وقت البلوغ والزواج فإذا الابن في عمر العريس يموت أو البنت في عمر العروسة يخطفها الموت! في الدنيا مآسٍ عظيمة، لكن مأساة فقد الشاب ليس فوقها شيء، يموت الأب والأم - فعلًا - غير أنهما يبقيان يطويان صفحات الحياة في انتظار الموت. يقول الإمام علي عليه السلام:
شَيئانِ لَو بَكَتِ الدِماءَ عَلَيهِما ** عَينايَ حَتّى تَأذَنا بِذِهابِ
لَم تَبلُغِ المِعشارَ مِن حَقَّيهِما ** فَقدُ الشَبابِ وَفُرقَةُ الأَحبابِ
يحزن الغرباء كثيرًا عندما يسمعون أو يقرأون خبرًا عن وفاة شاب في مقتبل العمر، وما أكثر الحوادث؛ تستعر قلوبهم حزنًا حين يقرأون في حوادث التاريخ أو يرون في نشرات الأخبار! كيف إذًا من يعيش المأساة؟
يتوقع الآباء والأمهات أن يحموا أولادهم من الموت وأن شيئًا لن يحصل لهم في حياتهم، لكن من يحمي من الموت؟ أعطيكم - القراء الكرام - نموذجًا للحزن في حادثتين:
الأولى: مات لأبي الحسن التهامي ابن شاب، فقال فيه قصيدة حملت أحزن المشاعر، جاء فيها:
يا كوكبًا ما كان أقصرَ عمره ** وكذا تكون كواكب الأسحارِ
أبكيه ثم أقول معتذرًا له ** وفقتَ حين تركت آلأمَ دارِ
جاورتُ أعدائي وجاور ربه ** شتان بين جوارهِ وجوارِ
الثانية: مات لأبي ذؤيب الهذلي أبناء بسبب مرض الطاعون فرثَاهم بقصيدة، جاء فيها:
أَودى بَنِيَّ وَأَعقَبوني غُصَّةً
بَعدَ الرُقادِ وَعَبرَةً لا تُقلِعُ
سَبَقوا هَوَىَّ وَأَعنَقوا لِهَواهُمُ
فَتُخُرِّموا وَلِكُلِّ جَنبٍ مَصرَعُ
فَغَبَرتُ بَعدَهُمُ بِعَيشٍ ناصِبٍ
وَإَخالُ أَنّي لاحِقٌ مُستَتبَعُ
يموت الشاب وتبقى ذكراه في قلب أمه وأبيه؛ عطره الفواح، قوامه الممشوق، أشياؤه، كل شيء يكون له معنًى يعذب الأمّ بعد الموت!
يستطيع القارىء تذكر أناسٍ آخرين فقدوا أبناءً في أعمار الورد! يذكر التاريخ أن الإمام الحسين عليه السلام استشهد له ابن شاب في واقعة كربلاء سنة 61 هجرية اسمه علي الأكبر. حزن عليه كثيرًا ورثاه فقال: قتلوك يا بُني على الدنيا بعدك العفاء، وضمَّه أبوه إليه حتى مات. قوله يعني أن الدنيا لا تستحق الحياة، كل شيء بعدك صار تافهًا ويهون يا بنيّ حتى الموت!
ثم ابن لأخيه الحسن عليه السلام، اسمه القاسم، كان شابًّا حين لقي مصرعه. بكاهُ الحسين عليه السلام وتأذى لمصرعه وقال عند موته كلامًا حزينًا.
يموت الشاب وتبقى ذكراه في قلب أمه وأبيه؛ عطره الفواح، قوامه الممشوق، أشياؤه، كل شيء يكون له معنًى يعذب الأمّ بعد الموت!



