12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

هل الهاتف الجوّال آفة العلم أم كماله؟!

اعتدتُ في كل عيد أن أخص القراء بالتهاني والدعوات! لكن في هذا العيد غلبني الزمان فلم أرض بالحرمان فوكلتُ الأمر إلى المأثور من قول الإمام علي -عليه السلام-: "قليل تدوم عليه، أرجى من كثير مملول منه"! كل عام وأنتم كلكم بخير!

من مساوئ التقنية الحديثة وعلى الخصوص الهاتف المحمول -أو من محاسنهاـ أن صرنا كلنا، أو أغلبنا، نعرف كلّ شيء عن كلّ شيء! نقرأ مقالًا في السياسة ونحلل ما يدور من أحداثٍ في العالم؛ السياسيّ فلان أخطأ والسياسيّ فلان أصاب! نقرأ مقالةً واحدة في الطبّ، ونقيم كل خطوة يقوم بها الطبيب المختصّ والدواء الذي يعطينا إياه، الطبيب الفلانيّ يفهم في الطبّ والطبيب الفلانيّ لا يعرف شيئًا. نتعلم مسألةً واحدةً في فقه الدين ونعترض على فقيهٍ قضى سنوات يبحث ويمحص ويدقق!

من الرائع والبديع أن نعرف عن كلّ شيء قدر ما نستطيع؛ نناقش في الطبّ والفيزياء والفلك والسياسة ونصبح مثقفين، لكن رحم الله امرءًا علم مقدار معرفته وحدود علمه! ذلك الطبيب الذي يحمل المشرط، عشرات السنين، يقصّ ويخيط هو الجراح. العسكري القائد الذي يخطّط وينام في الخنادق الأماميّة يصطلي نارَ الحرب أعلم بسير المعارك من الذي يسمع عنها في المذياع أو يرى مشاهد مجتزأة في التلفاز. قس على ذلك الاقتصاد والهندسة والزراعة وسواها من العلوم!

لا حدّ لسقف المعرفة وإذا وصلنا إلى حدّ يسمح بتقييم مقدار ما يعلم غيرنا طوبى لنا! ذلك هو المطلوب. لكن واقع الحياة ومشاغلها وطموحاتنا تقعد بنا عن نيل المراتب العليا في كل العلوم ويبقى من يرتقي في علمٍ من العلوم لا في كلها.

روي عن الإمام علي -عليه السلام- قوله: "لا أعلم "نصف العلم".  حكمة فيها دعوة للتواضع ودعوة أخرى للتعلم! فإذا سئلنا عما لا نعلم، نقول ببساطة: لا نعلم، الله ورسوله أعلم. بعد الإقرار بالجهل نسير نحو إحلال المعرفة محل الجهل ولا نجادل من يعلم!
تَعَلَّمْ فَلَيْسَ الْمَرْءُ يُولَدُ عَالِمًا ** وَلَيْسَ أَخُو عِلْمٍ كَمَنْ هُوَ جَاهِلُ
وَإِنَّ كَبِيرَ الْقَوْمِ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ ** صَغِيرٌ إِذَا الْتَفَّتْ عَلَيْهِ الْجَحَافِلُ
وَإِنَّ صَغِيرَ الْقَوْمِ إِنْ كَانَ عَالِمًا ** كَبِيرٌ إِذَا رُدَّتْ إِلَيْهِ الْمَحَافِلُ

إذا تعلمنا ازددنا تواضعًا فلا خير في علمٍ لا يثمر تواضعًا، ومتى ما سيطرنا على كبريائنا وغريزة العجرفة والجهل ازددنا رفعة وسموًّا:
توَاضَعْ تَكُنْ كالنَّجْمِ لاحَ لنَاظرٍ ** على صفحاتِ الماءِ وَهْوَ رَفِيعُ

عادي جدًّا ألا نعرف كل شيء! ها هم أحفادي -الصغار- يسألونني عن أشياء لا تخطر لي على بال وجوابي لهم: لا أعرف، هذا سؤال لا أعرف له جوابًا! العلم ليس بالعمر أو الشهادة، فما من إنسانٍ إلا ويستطيع أن يكون عالمًا إذا أرادَ وصبر!




 


error: المحتوي محمي