12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

من صفوى.. يدٌ على المقود ويدٌ في الطين.. الخزافة أزهار قريش مدربة قيادة عشقت القهوة فصنعت أكوابها

صداقة مختلفة عقدتها يداها مع الطين، علاقة أفردت لها من وقتها قرابة النصف بصورة يومية، فاليد التي تقبض على مقود السيارة منذ الصباح حتى منتصف الظهيرة، تعود بعد ذلك لتصافح الطين فتعجن، وتشكل، ثم تلون وتحرق، لتنتهي بعد ذلك بأكواب منوعة ومميزة أغلبها ولدت من أفكار زبائنها.

أزهار حبيب معتوق قريش، خلقت لنفسها اسمًا خاصًا بحرفة بدأت تنتشر مؤخرًا بين بنات المنطقة وإن كان انتشارًا غير موسع، فهي واحدة ممن يمارسن حرفة "الخزافة" أو صناعة الأكواب من الطين، إلا أن تلك "الخزافة" هي في الأساس مدربة قيادة سيارات في مدرسة القيادة النسائية بالأوجام، وقد زاوجت بين وظيفتها التي تعمل بها منذ قرابة عام ونصف، وهوايتها في صناعة الأكواب لتفتتح مشروعها الخاص، مؤكدةً بذلك أن الهواية قد تتحول إلى مصدر دخل متى ما أراد صاحبها ذلك.

الفصل الأول.. بحبر القهوة
الفصل الأول في حكاية أزهار مع صناعة الأكواب مكتوب بحبر "القهوة"، فهي تشبه الكثيرات في عشقها للقهوة وكل ما يتعلق بها، وكأي محب حاولت أزهار الاقتراب أكثر من عالم الشيء الذي تحبه، فسعت جاهدة قبل 3 سنوات لأن تكون مُحَضِّرة قهوة في المنزل أو ما تعرف حاليًا بـ"هوم بريستا"، واتخذت طريق التعلم الذاتي حتى تتمكن من ذلك.

تقول: "مشيت في طريق الممارسة الدائمة حتى أصبحت متمكنة في إعداد القهوة وتحضيرها والرسم عليه، وبفضل الله حققت رغبتي بأن أكون "هوم بريستا"، وصرت أعد قهوتي باحتراف ومن هنا بدأت قصتي مع الأكواب".

من أرفف الإنستغرام
لأنها أرادت قهوة أنيقة بكل تفاصيلها، أصبحت "قريش" تشتري العديد من الأكواب المميزة وبشكل أسبوعي تقريبًا، فقد كانت ترى أن جمال القهوة يكتمل باقتناء كوب جديد.

وأصبح "الإنستغرام" متصفحها الدائم، فتدخل من متجر إلكتروني لمتجر آخر من متاجر الأكواب، لتبحث وتفتش عن كوب جديد وبشكل مميز، وخلال بحثها وجدت أن الأكواب المصنوعة يدويًا تبهرها بشكل كبير، وهنا راودتها رغبة تعلم أخرى؛ أن تخوض تجربة الصناعة اليدوية للأكواب لا سيما أنها تعشق الأكواب المميزة والنادرة.

فكرة من طين
كتب الفصل الثاني في حكايتها بـ"الطين"، فبعد حلمها بأن تخوض تجربة صناعة الأكواب بيديها، بحثت عن دورات تضعها على أول الطريق في هذا النوع من الصناعات، حتى عثرت على واحدة، لكنها لم تكن دورة تعبق برائحة الطين، ولا تمتلئ بملمسه، وإنما دورة تكتفي فيها بالمشاهدة فقد كانت دورة عن بعد "أون لاين".

تحكي عن تلك الدورة: "في نهاية عام 2022 وتحديدًا في شهر نوفمبر التحقت بدورة لتعلم صناعة الأكواب وقد كانت دورة "أون لاين"، بدروس مسجلة فقط وليست حضورية، لكنها كانت بمنزلة المفتاح الذي فتح لي أبواب الدخول لهذا العالم المملوء بالطين والألوان وأخيرًا بالقطع الجميلة من الأكواب وغيرها، لقد استفدتُ كثيرًا مما تعلمت".

بعد أسابيع.. ولد الأول
تحقق حلم قريش بعد تلك الدورة، فصنعت أول كوب بنفسها، ليس بالإتقان الذي يغلف أكوابها اليوم، لكنه صنع برغبة تعلم وحب لما تتعلم، واستغرقت في تشكيله ربع ساعة وذلك لتشكيل الطينة فقط، ثم مرّ بعدها بمراحل عديدة استغرقت أسابيع، بداية من التشكيل الأول للتلوين والرسم ثم الحرق الأول وبعدها التزجيج، وأخيرًا الحرق النهائي.

الانطلاقة.. 14 في 14
تلون الفصل الثالث في حكاية "أزهار" بلون الحب، بعد أن قررت أن تحول شغفها إلى مصدر دخل إضافي، وتحول هوايتها الجديدة في صناعة الأكواب إلى تجارة خاصة بها، واختارت 14 فبراير 2023، تاريخًا لبداية مشروعها.

تسرد حكاية بدايتها قائلة: "بعد أن مارست تصنيع الأكواب بالطين، فكرت في أن أشارك الآخرين إنتاجي، وأن أستعرض ما قمت بصنعه على صفحتي بالإنستغرام "azhar_pottery"، وأعرضه للبيع، وفي شهر فبراير من هذا العام وتحديدًا تاريخ 14 وهو ما يعرف عند البعض بـ"Valentine's Day" أو عيد الحب أطلقت أول مجموعة للبيع، واخترت منصتي الإنستغرام والسناب شات لعرض منتجاتي".

وتمضي في حديثها: "كانت البداية 14 كوبًا بأحجام وأشكال مختلفة، ويومها كنت متشوقة ومتخوفة في ذات الوقت؛ كيف سيكون الإقبال، لكن -لله الحمد- تفاجأت من ردات الفعل تجاه ما عرضته، فالمجموعة نفذت بأكملها خلال يومين فقط".

العائلة سند
ولأن العائلة والأصدقاء غالبًا ما تكون هي الداعم الأول فإن أول زبائن "قريش" كانوا من الأهل والأصدقاء المضافين لديها، وهم من وصفتهم بأنهم زرعوا داخلها شعور الفخر بنفسها وبإنجازها بعد إعجابهم بأكوابها وطريقة التغليف "الباكيج".

زبائن ومواسم ومنتجات
على الرغم من أن مشروعها لم يكمل من عمره غير 4 أشهر فإنها استطاعت أن تكسب العديد من الزبائن، وتتوسع في عملها أكثر، وأصبح لها زبائنها ممن يطلبون تصاميم وأفكار خاصة بهم، حتى إنها أصبحت تقفل الطلبات الخاصة في بعض المواسم لكثرة الطلب، وكي يتسنى لها أن تنجز المجموعات التي تعرضها للبيع في مناسبات الأعياد وغيرها، وهي المواسم التي تلقى فيها منتجاتها رواجًا أكبر.

وحتى تستقطب شرائح مختلفة من الزبائن أصبحت "قريش" تنفذ بعض المنتجات الأخرى غير الأكواب، وجميعها مصنوعة من الطين وملونة بألوانه كتعليقات السيارات بعبارات عديدة ومميزة، وكذلك تعليقات لدِلال الشاي والقهوة، والشمعدانات، وبعض الطلبات الخاصة كوعاء الماتشا.

شهر من التصنيع
تمر أكواب الطين بعدد من المراحل لتظهر في النهاية بصورتها الأنيقة التي تصل بها للزبون، وتحدثت "ابنة صفوى" عن تلك المراحل قائلة: "الكوب الواحد يمر بعدة مراحل وساعات طويلة، فمدة تصنيع الكوب الواحد تستغرق من 3 إلى 4 أسابيع أي ما يعادل شهرًا، فالكوب عبارة عن طينة يتم وزنها ثم يعجن الطين بعدها ويبدأ تشكيله، وتركيب المسكة ثم التشطيب، وتأتي بعدها مرحلة الختم، يليها التجفيف لمدة 8 أيام تقريبًا.

وحتى يكتمل الجمال، تأتي مراحل التزيين، بدايةً بالتلوين بعد أن يجف الكوب، ثم يخضع للحرق الأول، بعدها التزجيج، وأخيرًا الحرق الثاني، لتصبح بعد ذلك جاهزة للتغليف، في انتظار أن تكون بين أيدي أصحابها.

تسعيرة التعب والتفرد
ذلك الجهد والتعب في مراحل التصنيع يحتاج تسعيرة خاصة، ذلك ما توضحه "أزهار" بقولها: "سعر الكوب يحدد نظرًا لعدة أمور، منها الشكل والرسم والتفاصيل التي قد تضاف عليه، وبوجه عام فإن أسعار أكواب الفخار غالية بالنسبة للأكواب الجاهزة؛ وذلك لأن الأدوات المستخدمة في تصنيعها غير متوفرة بالأسواق، مما يضطرنا لأن نطلبها من الخارج، وأسعارها مرتفعة جدًا، كما أن الكوب حتى يظهر بالشكل الذي يصل للزبون يستغرق منا وقتًا وجهدًا، لهذا فإن الأسعار التي وصفتها في بداية حديثي بـ"الغالية"، تعد أسعارًا زهيدة بالنسبة لمن يقوم بتصنيعها إذا ما قارناها بالجهد الذي نبذله في صناعة كوب يدوي واحد، فريد من نوعه".

تتعثر في عقارب الساعة.. وتتخطاها
في أغلب الأشغال اليدوية، قد تواجه الحرفي مصاعب يجتازها بالممارسة والبحث، إلا أن "أزهار"، تواجه صعوبة واحدة في عملها في تصنيع الأكواب، وتلك الصعوبة هي "الوقت"، تقول: "أعود من عملي بصفتي مدربة قيادة بعد الساعة 2 ظهرًا، وبعد الانتهاء من واجباتي المنزلية أبدأ في العمل في صناعة الأكواب، فأنا حريصة على إنتاج ما يطلب مني في وقته تمامًا وألا أتأخر عن أي زبونة، كما أسعى لأن تكون منتجاتي متوفرة في مواسم الفرح والأعياد، لذلك فإن وقتي في الحقيقة كله عمل لكنني لم أستسلم وأكملت وكافحت حتى بنيت اسمي كصانعة أكواب".

من حكايات أكوابها
على قصر المدة في مشروعها إلا أن "أزهار" تحتفظ ببعض الحكايات والمواقف الصعبة والطريفة على اختلافها، إذ تسرد بعضًا من تلك المواقف مبتدئة بموقف لا يمكنها أن تنساه، تقول: "قبل رمضان كانت لدي طلبيات خاصة مجموعها 23 كوبًا، وقد تأخرت هذه الطلبيات لأكثر من شهرين بسب انقطاع مادة التزجيج الأساسية التي أستخدمها، فلجأت إلى منتج آخر وهو منتج "قليز تغطيس" بديلاً لما أستخدم، وقد استخدمته في 15 كوبًا، من أكواب التسليم الفوري كتجربة، لكنني خسرتها جميعًا بسبب هذا المنتج، وكنت سأخسر جميع الطلبيات لكنني تداركت الموقف في آخر لحظة، وقد تأخرت الطلبيات في التسليم، والحمد لله أن جميع من كانت لهم طلبات تفهموا سبب التأخير، وهذا الموقف سيستحيل عليَّ نسيانه، كما أنني لا زلت محتفظة بالأكواب التي خسرتها".

وتمضي في سرد حكايات أكوابها، وهذه المرة مع أطرف أو أغرب طلب، تقول: "من أغرب الطلبات كان طلب ابنة أختي ورد، فقد كانت تريد كوبًا عليه مجسم لشخصية "إلسا" وفيه شعر وذيل، وعلى الرغم من طرافة الطلب الطفولي فإنني  نفذته كما طلبت".

وعن الطلبات المميزة التي مرت عليها قالت: "كثير من الطلبات أعدها مميزة، بل إن كل الطلبات الخاصة هي طلبات مميزة؛ لأنها جاءت من أفكار أصحابها أو منفذة حسبما يتمنون، وكل كوب مميز أصنعه أشعر بأنه أجمل من أخيه، لكن من الممكن أن أقول إن أجمل كوب مميز كان كوب "الكب كيك مع الكرز".

وجدت نفسي هنا
تختتم "قريش" حديثهابقولها: "لقد وجدت نفسي في هذه الحرفة، فعند ملامستي للطين أشعر بأنني أفرغ جميع المشاعر السلبية التي في داخلي، ولأنني أحب الرسم والفن كثيرًا فهذا المشروع يشبهني ويمثلني جدًا، كما أنني أجد أن الدخل منه جيد -ولله الحمد-".






error: المحتوي محمي