12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

من الجمعة إلى الجمعة.. رجلٌ لا يغيب 

أكملَ اليومُ الحادي من هذا الشهر المبارك ذي الحجة 1444 هجرية مدة العامين على وفاة الوجيه الملا سعيد الخاطر رحمة الله تعالى عليه، أحد رجالات القديح خاصة والقطيف عامة، والذي تميز بشخصية متفردة وكاريزما مرموقة وحاضرة في المشهد الحياتي اليومي والمناشط المجتمعية المختلفة.

ربما كانت آخر مرة شاهدته فيها هي في اجتماع المجلس الأهلي الأخيرة له ببلدته القديح، والذي دأب على حضور جلساته الدورية ومناسباته الأخرى حتى وهو متعبٌ كما كان عليه في الجلسة المعنية. 

أذكر الرجل هنا وأترحم عليه، وأشخص القليل منه هنا بحيادية ولا مصلحة لي في ذلك غير الفائدة العامة، وأقول ليتنا نكون في بعض صفاته التي تستحق التوقف عندها. 

فلربما اختلف البعض معه ولكن قلما اختلفنا عليه، وأمر طبيعي أن يواجهه كل ناشط اجتماعي كرس حياته ووقته وجهده لخدمة بلدته ابتداء حتى أصبح معروفًا على نطاق أوسع ألزمه بما يلزم من التواصل باتساع معارفه حتى أصبح من الشخصيات ذات الحضور الكثيف، ورجلًا لا يغيب، وإن غيبه الموت المحتوم.

لا أحد ينكر الاختلافات والخلافات التي تفرزها مختلف الحراكات حين يتصدى لها الخيرون من مجتمعاتنا المحيطة، وما تسببه من احتقان ينعدم معه المخرج أحيانًا، بسبب التعنت والمكابرة، أو الممايزة أو العاطفة أو الأنا المستفحلة. 

حين تراقب الرجل تتيقن أن لا خلاف على شخصه الكريم، فهو يتقن المعاملة ويدفع بالتي هي أحسن وبنية صادقة مع الجميع.. حليمٌ وحكيم، ويلتمس العذر لكل أحد، بل يظل صدره كما منزله مفتوحًا دومًا وبشكل لافت، وأقول ذلك عن تجربة شخصية معه منذ صغري لا أفصلها هنا، ولكنها تثبت صحة ما أدعيه وأقدرها له صادقًا.

لذا أقول وأتساءل، ونحن نعيش بين فترة وأخرى بعض الاحتقانات: لماذا لا نتنازل ونتجاهل ونأتي على أنفسنا ومصالحنا الذاتية في سبيل مصالح مجتمعاتنا وتآلفنا وتكاتفنا؟! لماذا لا نتصارح ونتصالح ونجتمع من أجل المصالح العليا، حتى نكون نماذجًا مجتمعية راقية، بدلاً من أن نتباعد ونتباغض ونضر ولا ننفع؟!.

لا يمكن أن نتفق جميعًا على أمر واحد، فالاتفاق المطلق يشي بالخلل وليس العكس، لأن الاختلاف هو الأمر الصحي الذي يؤدي للحقيقة والحلول الناجحة، أقول الاختلاف، وليس الخلاف والذي يكون مفتعلاً في البداية ثم يصبح خلافًا حقيقيًا يسبب تصدعات يصعب ترميمها.

حين أذكر الوجيه الخاطر هنا، إنما أسترشد به أبًا روحيًا وقد مر بنا يوم الأب مصادفة في ذكرى رحيله، لماذا لا يكون هو ضالتنا التي تقودنا للنور الباعث للأمل، لننهض بالمجتمع هذا أو ذاك مما يعانونه من الاحتقان والتحزب والتمايز، هذا التمايز الذي يدعي فيه فلان أنه الأفضل والأجدر والأصوب، ولا أحد سواه، بل وربما يرفض أن يكون أحدهم في اجتماع أو أن ينتسب لجهة ناشطة إذا لم يكن هو متصدرها. 

لو كنا جميعًا أو أكثرنا على شاكلة السعيد الخاطر لما اختلفنا وتباعدنا، بل توحدنا وتقاربنا وتوافقنا، لماذا؟ لأننا سوف نتصافح ونتصالح ونبتسم كما كان مبتسمًا دومًا، ونحتضن بعضنا كما كان يفعل بلا استثناء. عندها لن نتخلف عن الآخرين في بعض مناشطنا الاجتماعية والثقافية والرياضية والتي تعاني الشح والشروخ والعزوف، بل تعاني الوقوف ضد الناجحين وضد كل من يتصدى للخدمة والمسؤولية المجانية أصلاً، ولماذا كل ذلك؟ لأن هناك من يقول بأن فلان هو الأفضل، وأما علان فهو الأسوأ، وهذا يستحق وذلك لا يستحق، بل كلهم لا يستحق، وفقط أنا الذي أستطيع أن أدير الرحى. 

لا ألوم أبناء الملا سعيد الكرام حين يذكرونه يوميًا بفخر واعتزاز، فهم الذين عايشوه، وعاشوا به ومعه وفيه، وعاش فيهم ولا يزال، على الرغم من صعوبة أن يكون أحدهم على شاكلته، ولا أحد فينا يستطيع أن يعيش في جلباب أبيه، فلا أقل من أن يقتفيه، وهو ما يفعله أبناؤه فعلاً كما فعل هو معهم ولهم، حيث يكفيه ويكفيهم ما هم عليه الآن من التميز تربية وعلمًا أهلهم لمختلف الوظائف والتخصصات المرموقة، فضلاً عن الأسرية الجميلة التي تجمعهم وتظلهم، في الوقت الذي لا ننكر فيه أن بيننا من العوائل والآباء والأبناء من لهم نفس المنهجية التي ساروا ويسيرون عليها، وهو ما نأمل أن تكون عليه جميع الأسر، ليكون المجتمع الواحد تحت سقف فاضلٍ وخلاق.

وقفة.. 

كَلمَةُ الطِّيبِ تُصِيبْ..
وكَلمَةُ العيبِ تَخِيْبْ..




 


error: المحتوي محمي