12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

من سنابس.. «مهدي آل حمود» كفيف تحدى إعاقته بإصلاح آلات بيركنز.. ويسعى لإدراج اسمه ضمن براءات الاختراع

لن تتوقع عندما تشاهده للمرة الأولى ممسكًا بآلة بيركنز للمكفوفين ليصلح ما بها من أعطال، أن الجالس أمامك شاب كفيف يحترف مهنة دقيقة بهذا الشكل، بل أصبح ينافس فيها المُبصرين باحترافه وشهرته في هذا المجال، ليسطر قصة جديدة للمنح الإلهية التي تأتي ربما مغلفة بمحنة.

الشاب مهدي عبد المحسن آل حمود المنحدر من سنابس، كان لديه بصيص من نور، إلا أن الفشل الكلوي الذي أصابه أطفأ نور عينيه ليصبح كفيفًا. لكن فقد البصر لم يشكل يومًا عائقًا أمامه، إذ هو نموذج للإنسان الطموح، عاشق العلم والمعرفة. 

مرض وراثي
لم يولد "آل حمود" كفيفًا كليًا فقد كان يشتكي من التهاب الشبكة الصبغي الوراثي أو ما يسمى بـ"العشى الليلي"، ولديه أخوان وأخت مصابون بنفس المرض، وفي السن القانونية للدراسة دخل مدرسة الأسوياء، ودرس بها في الصف الأول والثاني الابتدائي.

تضاعفت مشكلته فأصبح يكتب سطرًا على سطر، ويلصق وجهه بالسبورة أو بالكتاب، فطلب المدرس من والده -رحمه الله- أن ينقله لمعهد النور الخاص بالمكفوفين، فنقل في الصف الثالث والرابع، مبينًا أنه دمج مع المبصرين في مدرسة واحدة، ليتخرج من الابتدائية والمتوسطة ومن ثم أكمل دراسته الثانوية في مدرسة القطيف الثانوية ويحصل على المركز الثاني على مستوى المنطقة الشرقية في تلك المرحلة.

انطفاء الضوء
التحق آل حمود بجامعة الملك سعود بالرياض بكلية الآداب - قسم التاريخ، وفي السنة الأخيرة أصابه فشل كلوي، فتوقف عن الدراسة لسنة كاملة من أجل زراعة كلى وأصبح يستخدم دواء الكورتيزون بشكل دائم، وهو من أدوية المناعة القوية التي تساعد على تأقلم الجسم مع الكلى الجديدة، مما أثر على ما تبقى من نظره، فبعد أن كان يرى لمسافة متر وبشكل ضبابي أصبح كفيفًا كليًا، مما زاده عزمًا على تكملة دراسته وتخرج بتفوق.

مواصلة الحلم
بعد تخرجه أكمل دراسته التربوية ثم حصل على دبلوم علوم إنسانية، ودبلوم لغة إنجليزية، ثم اتجه لأخذ دورات عديدة في مجالات مختلفة لتطوير ذاته، وأيضًا كان يمارس هواياته في التمرين على رفع الأثقال، ولعب الجودو في نادي القادسية، وعزف البيانو وتربية الطيور.

صيانة الحاسبات
لم يقف طموح "آل حمود" عند هذا الحد، فشغفه بالعلم دفعه للحصول على دورة في صيانة أجهزة "بيركنز" للمكفوفين بعد أن لاحظ شكاوى متكررة من محاولات إصلاحها دون جدوى، لذا استعان بشخص من خارج السعودية لإعطائه دورة في منزله، واستمر في التدريب على صيانتها حتى أتقنه واكتسب ثقة من حوله، معتبرًا إياه عملاً تطوعيًا فهو لا يأخذ سوى قيمة قطع غيار الآلات في حالة إصلاحها فقط بينما صيانتها وتنظيفها مجانًا. 

براءة اختراع
إلى جانب كل ما سبق يخصص "آل حمود" المساء لمساعدة المكفوفين على قراءة الحروف، من خلال أعمال خشبية خاصة أعدها لهذا الشأن، حتى عرض عليه المسؤولون في  "أرامكو" عمل وسيلة تعليمية خشبية من فكرته وعمله، ولذلك يسعى إلى الحصول على براءة اختراع لفكرته.

اختصاصي تدليك
وحول عمله في المساج، أكد "آل حمود" أنه دخل مجال التدليك بسبب حبه للمجال الطبي وعدم استطاعته دراسته، حيث لم يكن هناك مجال للمكفوفين لدخول المجال العلمي.

وأضاف: "قمنا برفع خطاب للمسؤولين، ولم نجد تجاوبًا وكان أملي أن أدخل كلية الطب"، موضحًا أن هذا التخصص مفتوح للمكفوفين في الخارج، أما هنا فليس لدينا في ذلك الوقت سوى مجالين؛ السنترال أو التدريس.

وبين أنه من خلال قروب للمكفوفين وبالمصادفة وجد دورة في الرياض تخص تدليك القدمين، فالتحق بالدورة وبحث عن دورة مكملة لكامل الجسم، قبل أن يخرج للناس كاختصاصي للمساج في القدمين قبل سنتين، ومن ثم مارس المهنة، بداية على الأهل والأصدقاء ومن ثم على عامة الناس.

شكر وامتنان
يُرجع "آل حمود" الفضل لوالده الذي علمهم حب العمل، وعدم الاعتماد على الغير ودربهم على السباكة والكهرباء والنجارة، فكانوا يقومون بتصليح كل ما يفسد في المنزل.

اسع لهدفك
"اسعَ لهدفك ولا تضع لنفسك عقبات"، بهذه الكلمات وجه "آل حمود" في نهاية حديثه كلمة للمجتمع بصفة عامة وللكفيف بصفة خاصة، مبينًا أن الإعاقة طريق للنجاح.

وأوضح أن الاعاقة ليست في السمع أو البصر، أو في أي حاسة من الحواس، بل أن تكون قادرًا على العمل ولا تعمل، وتضع لنفسك الأعذار فلا إعاقة مع الإرادة فالمهم أن يكون لديك هدف تسعى لتحقيقه.





error: المحتوي محمي