12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

في العيد..

بالرغمِ من تعدد المفاهيم والمبادئ السامية التي ينادي بها الدين، ويحثّ فيها على ذوي القربى، كما يشجع على التواصل والتراحم فيما بينهم، فإننا نجد البعض من ذوي الأرحام قد أصيبوا في أخلاقهم وتعاملاتهم فاشتعلت قلوبهم أحقادًا، وأضرمت في أعماقهم نيران العداوة والكراهية بدلًا من أن تسكنهم المودة والرحمة. فيكثر العتاب وتزداد المحاسبة، ويرتفع سقف المشاحنات، وتتعدد صور الظلم، فلا يكتفي أحدهم بالقطيعة والإيذاء النفسي، وإنما يتجاوزه ليصل إلى الظلم والاعتداء والغدر وتمني السوء، والافتراء بالكذب ناهيك عن تلك الكلمات التي يتسببون بها في إحراج الآخرين وإطلاقها كأضحوكة العيد.

ولا يخفى على أحدٍ أن كلَّ إنسانٍ يبدأ حياته في أحضان أسرته ورعايتها، وبالتالي يرتبط معهم بروابط متينة، وذكريات هائلة، ولذا فإن أهله وذوي رحمه يمثلون مصدر قوةٍ له، بل إنه يعدهم سنده في الشدائد، وحضنه الذي يلجأ إليه عند الفزع بعد الله.
من هُنا كان انطلاقي لأسلط الضوء على جانبٍ من المأساة التي يعيشها الكثيرون بسبب أقربائهم، وبعض المواقف التي يتعرضون لها في العيد مما تسبب في قطيعتهم وعدم مشاركتهم للفرحة، وقد استمعت للبعض، وأروي هنا حديثهن:

وأبدأ المشوار مع زينب، والتي تحكي معاناتها بحرقةٍ وألم، فتقول:
يأتي العيد في كُل عام محملًا بالأحقاد والضغينة، تاركًا الفرح والسرور، بينما أنا أستذكر العيدُ بطفولتي دائمًا في تلك الأيام الجميلة التي قضيتها مع إخوتي منذُ كنّا صغارًا كان همُنا جمع العيدية فقط، لم يكن بيننا نساء إخوة ولا أحقادهم في تلك الأيام والتي ذهبت دون رجعة، تاركة ذكرى جميلة، أما الآن أصبحتُ أعد ساعات العيد بقلق خشية من أن يجرحني أحد منهم بكلمة تبقيني أنزف ألمًا وحزنًا ووحشةً عامًا كاملًا تستقر كلماتهم في قلبي، وبتنهيدة حزن أتمنى انقضاء ساعات العيد بسرعة لئلا يتسابق أصحاب النفوس المريضة بتخريب فرحة العيد، حقًا لا أفراح بعد اليوم يأتي بها العيد، ولا سعادة يمكن أن تدخل قلبي بالجلوس معكم كنتم السند والفرح والأنس والملجأ، والآن أنا فقط أعمل بواجب صلة الرحم والقربى بينكم.
أما محطتنا الأخرى مع قلب ليلى الموجوع والتي تصرخ بألم: لماذا كل هذا الظلم؟ وكل هذا الحقد؟ ألهذا الحد نحن نعيش بين ذئاب تنتظر الفرصة لتنهش لحومنا؟!
تقول ليلى: كم كنت أظن أن الأهل سند وعزوة للبنت، وهم من يلبون نداء الاستغاثة ويتسابقون لإنقاذنا عند غرقنا. وهنا تروي ليلى معاناتها مع إخوتها الثلاثة الذي ما إن حصل بينها وبينهم اختلاف إلا وأتبعه فراغ وفجوة، وامتلأت نفوسهم بالنفايات النفسية المُضرة التي دخلت بشكل عشوائي بسبب تسلط زوجاتهم الدائم وتحولت علاقتها بهم إلى فوضى وأفكار ومشاعر حقد دفينة من الصعب تنظيفها.
وتضيف ليلى: أنا لستُ بحاجة إلى الكثير من الوقت لتضييعه بسبب تفاهات واتهامات لم نقترفها نحن في غنى عنها بسبب من ينقصهم العقل والحكمة ولكن شيئًا فشيئًا نجد أنفسنا خسرنا كلمة أخ.
وختمت ليلى قولها: لنا رب سينصرنا على كلِّ من ظلمنا، وسيأتي ذلك الفجر الذي تشرق بعده شمس الانتصار وستزورهم أفعالهم يومًا في أبنائهم فنحن جميعًا نشفق عليهم لتشبِّعهم بالحقد والأنانية وهو صعب شفاؤه، ولكن كُنت أتمنى من إخوتي أن يمتثلون بأخلاق الدين وإلى الجماعة الدينية التي ينتمون إليها بوجه خاص، وأن يحترمون تلك المسبحة التي لا تفارق أصابعهم ظلمًا وبهتانًا. فعلًا إن الدين بريء منهم ومن تصرفاتها.
وفي ختام مقالتي أقول: ألم نكن في الأيام الماضية مشغولين بضيافة الله تعالى في شهر القرآن الكريم، وهو شهرٌ دُعينا فيه إلى تدبّر الآيات الكريمة: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا}.
إلا إذا كُنا في هذا الشهر ممن يقرأ قراءة سطحية قشرية وظاهرية، ولا نتعمق من خلالها إلى معاني القرآن ومضامينه، والقرآن ليس غامضًا وليس معقدًا وليس صعبًا بل واضحًا كما يؤكد ذلك قوله تبارك وتعالى: {هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ }،
ألم نتعظ ونستشعر آلام بعضنا؟ ألم نسأل الله أن تُغير ليلة القدر أقدارنا؟ ما الذي نجنيه من كُل تلك الأحقاد الدفينة، والتي سببها الرئيس الأمراض النفسية.

أحب أن أؤكد أنه ليس كل الأقارب كالعقارب، فهناك من الأقارب من يعيش همك قبل فرحك، ولا يبخل عليك بأي شيء إطلاقًا، فقد يضحي بأغلى ما يملك لأجل مساعدتك، إلا أن حديثي في هذه المقالة يتناول تلك الآلام التي يتعرض لها الكثير من الناس في مجتمعنا نتيجة التصرفات الذميمة التي تصدر من بعض الأقارب وتسهم في هدم العلاقات وقتل المحبة والمودة.

وختامًا كم يبدو مؤلمًا أن نذكر ما يؤلم القلب ويفكك الأُسر ولكنه واقع مرير نعيشه يجب إصلاحه وتغييره، رحم الله فارسي الوسيم الذي كان نموذجًا لذلك الرجل الذي يقابل جفاء من حوله بالمودة والمحبة، وهكذا جرت سنة الخالق سبحانه وتعالى أن تمر بنا لحظات نفقد فيها من لا نلتقي بهم مُجددًا ليبقى في أعماقنا مجرد ذكريات وعبق المحبة وصدق المشاعر والحكايات الجميلة تنتهي بسرعة للأشخاص المخلصين لكن يبقى جميل الأثر.
وداعًا لقلبك يا محمد وإلى روحك الطاهرة يا فارسي الوسيم آلاف التحية والسلام.
رضًا بقضائك يا رب لا معبود سواك.



error: المحتوي محمي