12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الناس أربعة

يختلف الناس في قابليتهم للتغيير من مجتمع لآخر، بل يختلفون في هذه القابلية في ذات المجتمع، بل يختلفون داخل الأسرة الواحدة.
قابلية التغيير تعتمد على البيئة، والوسط الاجتماعي، والثقافة، والتعليم، والمؤثرات البشرية المختلفة، وسلطة الأعراف والتقاليد، ومدى الوعي، ومستوى الملكات، والحرية الفكرية المقننة، فضلًا عن القوة الشخصية القادرة على اتباع الحق المجرد الديني الأخلاقي.
وعليه؛ أرى أن المجتمع ينقسم في قابليتهم للتغيير إلى أربعة أقسام:
الأول: غير قابل للتغيير مطلقًا في القناعات والأفكار والرؤى، وعادة يكون إيمانه بالأعراف والتقاليد أكثر من إيمانه بالدين -وإن كان ظاهره التدين- وبالتالي؛ يكون الحوار معه كزبدٍ في بحر لا فائدة منه مطلقًا؛ وإنما هدر للوقت والجهد والفكر. هذه العقليات جامدة وحادة وقاسية في الأحكام والتشخيصات وتمارس دورًا سلطويًا من حيث تدري ومن حيث لا تدري.
الثاني: قابل للتغيير المؤقت ثم العودة حيث كان؛ وبمعنى آخر: يكون أثر التغيير فيه موقتًا عند الاقتناع ولكنه سرعان ما يعود حيث كان عند أول فرصة أو لقاء مع من ينتمون لأفكاره وقناعاته وميوله، أي أنه يتقلّب حسب الموجة وقوتها ومداها وقربها منه. هذا الصنف كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء. جهدك ووقتك وفكرك الذي تبذله معه يثمر مؤقتًا ولكنه سرعان ما يزول كالبرق في لمحة عين.
الثالث: قابلية التغيير لديه تكون مع الأقوى تارة ومع الموجة تارة أخرى؛ فلا رأي له ولا قناعة ولا رؤية ولا تحليل ولا تشخيص ولا تجربة وإنما يسير كما يسير المجتمع في الصواب والخطأ؛ فإن وجدهم مالوا لأمر ما كان معهم وإن نقموا على أمر ما فهو معهم، وهذا النوع عنيف في حبّه وعنيف في كرهه وعنيف في تشخيصه وبيانه وتعاطيه للأحداث والمواقف؛ لأنه يهرف بما لا يعرف ويحمل أسفار غيره، وعادة يتسلق على جدران دينية أو نخبوية أو أعراف قديمة لا أصل لها سوى الجهل المركب. وهذا الصنف ينبغي تجنبه ما أمكن لأنه فقير من العلم والأخلاق والشخصية، والحديث معه كوضع الماء في جرّة مفتوحة من الأسفل ومشققة الجوانب يتقاطر الماء منها عشوائيًا.
الرابع: قابل للتغيير للأفضل والأجمل إذا وجد الدليل العلمي والبرهان المنطقي والتجربة الدقيقة الشفافة، أحكامه لا تخضع للظنون أو الهواجس أو الشكوك أو الأفكار الذاتية أو الانطباعات أو المنقول البتّه؛ وهذا النوع موضوعي في تعاطيه للأحداث وتشخيصه للمواقف والأفراد، وعادة يتسم بالمرونة والتفهم والتبرير والتقدير وطهارة القلب، كما أنه يبتعد عن الجدال ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، يحترم قناعاته ويملك شخصية قوية لكنه لا يقلل من رؤى الآخرين بحال. هذا الصنف تأمن جانبه عند الاختلاف كما تأمنه عند الاتفاق، الجلوس معه عبادة والنقاش في عالمه طاعة، يتعاطى مع المبادئ والقيم ولا تعنيه الأشخاص أي أنه يعرف الحق ومنه يعرف أهله. هذا القسم متنوّر ومتجدد للأفضل وفي ذات الوقت يؤمن بالجميل الأصيل، ولهذا تجده متكيفًا مع الحداثة الراقية ومع الأصالة الفخمة في شتى جوانب الحياة.



error: المحتوي محمي