13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

سرّيٌّ للغاية

نتعامل أحيانًا مع بعض المعلومات بسرية تامة من باب "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود"، وربما تكون بعض المعلومات عادية جدًا ولا تستدعي الحسد عليها ولكن هناك هوس بالكتمان.
وفي مقابلة هناك من يجعل نفسه ساحة للتفرج على يوميات يومه وشؤونه منذ استيقاظه لنومه خاصة عبر منصات التواصل لدرجة تُنسف فيها الخصوصية فكل أمر يتم بثه في لحظته.
بالطبع هناك أمور تتم مشاركتها مع الجميع ليكون هناك تواصل يؤدي الدور الذي من أجله كانت وسائل التواصل، فلا يكون التواصل من طرف واحد فقط يستقبل ولا يرسل، ولا أن يرسل لدرجة لا يوجد متنفس للاستقبال.
ويبقى هناك ما يُفضل أن تكون تحت مجلد السرّي للغاية، حفظًا لكنز قد يكون كبيرًا بسريته بعكس إفشائه، كما يحصل في صدقة السر مثلًا.
منذ بضعة أيام وصلني ظرف من مصرفي البنكي كان معنون بعنوان سرّي للغاية لأن المعلومات البنكية ينبغي أن تكون سرية للغاية، ولكن مع الأسف هناك من يستهين بها ويهديها لكل متصل على الرغم من الكم الهائل من التحذيرات من مشاركات الأرقام السرية حتى البنك نفسه لا يطلبها، وعلى الرغم من هذا في كل مرة نرى ونسمع عمن تعرض للنصب ففقد "تحويشة العمر" بسبب رد على اتصال أو رسالة من "هكرز".
وربما موضوع الأموال وخسارتها موجع خاصة في هذا الزمن وأزمة الاقتصاد والغلاء، لكن ربما يكون أهون من فقدان أعمال وحسنات لسنوات يتم خسرانها وحرق ثوابها بعمل كبيرة من الكبائر، ولا أجد كبيرة أعظم من اليأس من رحمة الله.
فمهما كانت الذنوب والمعاصي التي لا يستهان بها وبالتأكيد هي عظيمة لعظمة من عصينا فيها، لكن الله بعظمة رحمته يقول في الحديث القدسي: "أهل طاعتي في ضيافتي، وأهل شكري في زيادتي، وأهل ذكري في نعمتي، وأهل معصيتي لا أؤيسهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن دعوا فأنا مجيبهم".
أحاديث كثيرة لو بحثت عنها لوجدت رحمة جبارة تنتظر خطوة من العاصين أمثالنا وتكون عائدة لطريق الله ليتلقانا باستقبال يملؤه الأمل بالعفو والمغفرة.
رسول الله -صلى الله عليه وآله- يقول: "الفاجر الراجي لرحمة الله تعالى أقرب منها من العابد المقنط".
وأمير المؤمنين (ع) يثير تعجبه بقوله: "عجبت لمن يقنط ومعه الاستغفار".
وبالطبع الاستغفار ليس مجرد كلمة أو جملة نقولها بل هو قصد وعمل يُثبت صدقه بعدم العودة للذنب المستغفر منه لننال بعده فتح الرحمة العظيم.
ولا تعبير قد نستطيع فيه التعبير عن الاستغفار والتوبة إلا بسجدة طويلة تتضمن الورد اليونسي فلا ظالم لأنفسنا مثلها، لنؤطرها تحت إطار السّري للغاية لنضمن صدقها ووصولها دون شوائب تبتغي مدح عين البشر لأن مدح رب العالمين بسمائه وعند ملائكته هو ما سيكون المبتغى.

وحين نريد تعلم كيفية السجود الذي يُقربنا لدخول عوالم السماء والعروج فيها لا نجد معلمًا كحليف السجدة الطويلة فعلى الرغم من أسره وقيوده لم تمنعه تلك القيود من العروج للسماء بسجدة تهيم الروح فيها لرب الروح وتختلي فيه بوجهها الساجد لجلال وجهه تعالى.
ولا يقل لي أحد أننا لسنا أسرى فليس بالضرورة أن يكون الأسر في قضبان سجن أو جدران زنزانة، لكنه قد يكون على هيئة هوى وشهوة تدفعنا للتقصير في واجب والتهاون فيه، أو عمل محرم فهي تأسرنا بتتبعها وتخطي كل الحدود المحظورة معها.
وما أحوجنا للخروج والتحرر من هذا الأسر ولو بسجدة سرّية تحتويها ليلة واحدة نُفضي فيها ونعترف بكل ذنوبنا التي نتذكرها، خاصة في معرض الفيوضات التي تتقادفنا في هذا الشهر المبارك لعل نفحة من نفحات المغفرة في العشر الأواخر تشملنا وتأخذ بيدنا.
فيا شهر المغفرة في يومك الرابع والعشرين لا زلت أتجرأ وأسأل هل أنا في سُفرة سرّية للغاية تستر علي ذنوبي فيها، أم في سَفرة عنها؟



error: المحتوي محمي