هي المميزة جدًا ًلدي، تلك التي أمضيت الكثير من الوقت الجميل برفقتها ولا زلت، وكيف لا؟ وهي أمي!
أحد تلك الأوقات كان بالأمس القريب! ويا لهذا الوقت وغيره من الأوقات التي كثيرًا ما تفضح التشابه الذي يجمعنا.
أمي هي نشوة الفرح. هي السعادة بعينها غمرتنا الفرحة ونحن نعتلي المراكب الصغيرة التي طافت بنا أرجاء القرية الشعبية بالدمام.
صوت خافت همس ممسك بذراعي وكأنه يقول: كم أنا أنشد تلك السعادة وكم كنت أتمنى أن تعود يومًا، وها أنا ذا أعيشها وكأن الأيام الخوالي قد عادت بجمالها وهذه القرية قد تمثلت أمامي وكأنها الماضي القديم وهو يعود بأريجه وزمانه المعتق بالصدق والنقاء والمحبة.
اليومَ يا أمي فقط أقول ليتني اصطحبتكِ منذ زمن ها هنا، وها هناك لتعيشي الماضي وكأنه الحاضر ويعود بكِ إلى الحياة التي ما برح نسيمها يهب هبوبًا عبقًا وكأنه يغني اليامال، بانتظار العائدين من خلف أمواج البحر، محملين بالشوق والأرزاق.
كأن القرية الشعبية بسوقها الشعبي والمتحف والأبواب والنوافذ القديمة والقهوة الشعبية والزي التراثي والمقتنيات المتنوعة التي تبتسم في كل زاوية وتبادله وجوه الزائرين البسمة والتحايا، كأن هذا كله يقول لأمي بأن الماضي لم ينته، فهو لا يزال يتنفس رغم العناء، وقسوة الهجران.
كأني بها وهي تحدّق في الأشياء التي اندثرت قد تذكرت طفولتها ببراءتها وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة الحنين، وهي تقول كم أحن إلى كوب الحليب وقطعة من الخبز البلدي! والحلوى واللعب مع الأطفال في صباها الذي تحمله بين أضلاعها وذكرياتها الحية.
تذكرَت أبي حسن ولقاءها الأول به، لتدور بها رحى الذكريات وهي تجوب القرية التراثية إلى حملها البكر. واستقبالها لـ علي! كانت صغيرة غضة، وهي تقول الآن: ليت تلك الأيام تعود!
كَبرتُ ولكن هذه المرة الآية انقلبت فهي تتكئ على جدار الحياة ورغم الكبر إلا أن الحنين كان أكبر.
أخاطبها: أمي. لم أتخيل يوما أنك تحملين ذاك الحنين وأعود لأقول مجددًا لو أني بادرت باصطحابك منذُ زمن!
أمي. لم أتخيل أيضا أن تنهمر دموعك مع تلك القرية فهنيئًا لأناملي حين مسحت دموعك. أمي! لَا حُرمتُ منكِ يَا تاجَ رأسيَ. ممتن لك يا آمنة.



