يسعى البطلُ إلى تحقيقِ غايات عُليا، تَكفل حُضوره على المستوى الإنساني؛ كَأن تكون بحثًا عن كنزٍ، أو قيامًا برحلة، أو سعيًا وراء حبيبة، فيلتقي صنفين من الناس؛ أحدهما يعملُ على إعاقته ومنعه، والثاني يعملُ على مساعدته ومساندته.
الشخصياتُ المعاوِنة للبطل، تحضرُ ضمنَ مروِيات الشعوب وقصصهم؛ القديمة والحديثة، كَما هي قصة "عنترة" الذي احتاج معونة قبيلته؛ لإظهار شجاعته وفروسيَّته، أو قصة "حاتم الطائي" الذي احتاج المارَّة والمسافرين؛ لإبراز كرمه وجوده، أو قصة "مجنون ليلى" الذي احتاج حيواناتِ الصحراء؛ لتخفِّف عنه آلام البعد والفراق، ومِثل هؤلاء كَثير؛ كالشعراء الذين احتاجوا في مروِيات العرب إلى أعوان، فتم اختراعُ "القرين" أو "الشيطان"؛ لأجل مساعدتهم والنُّطق بالشعر على ألسنتهم.
ليس لزامًا أن يكون الأعوانُ بشرًا، كما ليس لزامًا أن يكون الأبطال بشرًا كذلك؛ حيث خيال الشعوب يخترعُ ما يحتاجُون إليه من نماذج، فـ"أخيل" اليوناني نموذجُ البُطولة والفروسِية، ينتمي إلى أنصافِ الآلهة؛ إذ هو سلِيل أبٍ من الآلهة وأم من البشر، أمَّا "السندباد" نموذجُ المُغامِر والرَّحَّال، فشخصية خياليَّة اخترعها عقلُ الإنسان، والأمر نفسه بالنِّسبة للأعوان، فـ"أليس في بلاد العجائب" تحتاج مساعدات مستمرَّة من "الأرنب والحلزون والبومة"، و"السندباد"، يحتاج إلى مساعدة من "الريح والعمالقة"، وشخصياتٍ أخرى لا تنتمي لعالمِ البشر؛ من أجل تجاوز الصعوبات والعوائِق التي تعترضُ طريقه.
مساعدةُ الأعوانِ للأبطال على تحقيقِ أهدافهم، والوصول إلى غاياتهم تؤدِّي إلى انتقال الأبطال من حَالتهم الإنسانيَّة الاعتياديَّة إلى حَالة النموذج، بهذا يصبحون محطَّ أنظار الأفراد الآخرين، وهدفًا للمماثلة والمشابهة؛ ما سيُمهِّد السبيل لارتقائهم من حَالة النموذجِ إلى حَالة الرمز.
الرموز لا تعيش في عزلةٍ وانفراد عن واقعِها ومجتمعها، فـ"النبي محمد" احتاج معونةَ الأصحاب؛ لتثبيت أركان دعوته، تمثَّل ذلك في مُناسبات كثيرة؛ كَالغزوات، وحفرِ الخندَق، وتسهيلِ وصول الطعام له ولمن معه، أثناء محاصرتهم في شِعب أبي طالب، وهو ما تكرَّر مع "تشي جيفارا"؛ الثائر البوليفي ضدَّ احتلال الأوروبيين لأمريكا الجنوبية، حيث نال معونة السكان، الذين أمدُّوه بما يحتاجُ من أغذِية وأدوِية وجنُود.
مثلما للرموز أعوانٌ، فلهم أعداءٌ يجتهدون في وضع العراقِيل؛ لمنعهم من تحقيقِ أهدافهم وغاياتهم، فـ"النبي" وقفَ المشركون في وجهه، و"السندباد" كثيرًا ما هاجَ البحر وحطَّم سفينته أثناء تِرحاله، و"عنترة" عرقلت قبيلتهُ حصوله على حريَّته، كما حاولت قبيلة "ذُبيان" حِرمانه من تحقيقِ وتأكيدِ فروسيته، و"أجا ممنون"؛ حاكمُ "أثينا"، وقفت ضدَّه آلهة الأولمب، بعد عودته منتصرًا من معركة "طروادة"، فتسببت بضياعه في البحرِ لسنوات.
ليس لزامًا أن يكون الأعداءُ من البشر، وليس لزامًا أيضًا أن يكون الأعوانُ من البشر، ففي عَالم الرموز تتداخلُ وتتشابك حَياة الإنسان مع حَياة المخلوقات والكائنات، إذ لكل مخلوقٍ دورٌ يؤدِّيه، فالبحر الذي انفلقَ للنبي "موسى"، والقمر الذي انشقَّ للنبي "محمد"، والحوت الذي ابتلعَ النبي "يونس"، ليست كائناتٍ بشريَّة؛ ورغم ذلك ساعدت الأنبياءَ على تحقيقِ أهدافهم وغاياتهم.
وصول الشخصيات إلى مرحلة الرَّمزية؛ يتطلَّب وجود أعوانٍ وأعداءٍ على حدٍّ سواء، الأعوان لإمدادها بما تحتَاج؛ من أجل تحقيقِ غايتها، والأعداء لمنعها من تحقيقها، فيتطوُّر الصراع ويحتدِم بين قوتين، هما: قوة "الخير" التي يمثِّلها البطل والأعوان، وقوة "الشر" التي يمثِّلها الأعداء، ومع انتهاء الصراع بتغلُّب البطل وانتصارهِ على جميع العراقيل؛ تتشكَّل صورته كرمزٍ إنساني، حيث يغدو "مثالًا"؛ يتم التشبُّه به، والتماثُل معه، والأخذُ من أفكارهِ وسُلوكياته، وبهذا يغادر منطقة البشري الاعتيادي؛ ليصبح "فكرة" تسكُن الذاكرة، وتُستدعَى عند الحاجةِ.
الرمزُ الإنسانيُّ عابرٌ للزمانِ والمكَان، وكَما تشكَّل ووُجِد في الماضي، يمكن أن يُتشكَّل ويوجَد في الحاضر، إذ يتمُّ اكتشافهُ من كَثرة ما يُثار حولهُ من كَلام؛ يرتفعُ به عن مستوى البشرِ العاديين، ويجعله أقربَ للخيالاتِ والأسَاطِير.



