من ذكريات الوندي
قول: (شاعر الماء)
نتابع كلامنا حول الناقد الأديب ثامر الوندي، ما سأطرحه في هذه الاسطر يعد وثيقة، وإن كان قد يوصم بشائبة الأنا وحب الذات ولكن والله ليس مدحا لنفسي ، وإنما وثيقة حصلت وأنا انقلها هنا نسبةً لفاعلها وتقديرا له هي : أن ثامر الوندي هو الذي قال (شاعر الماء)، وذلك في كتاب (ليلة عاشوراء في الحديث والادب) تأليف الشيخ عبد الله الدرويش القطيفي، وقد ساعده في الكتاب ثامر الوندي وقدم النقد الأدبي حول قصائد الشعراء المضمنة في الكتاب، فكتب عن قصيدة لي بعنوان (حديث النجوم)، وأذكر هنا بعضها:
اغسلي يا نجوم عن سأم الليل
جفون الحسين والأصحاب
ودّعي ذلك الزعيم ودمعا
ذاب فيه طبع انكسار السحاب
دمعة منه أنبتت للملايين
حرابا من سنة وكتاب
ودعيه دما تأهب في الأقادح
كيما يراق في الأكواب
دمه صبغة السماء وأين السيف
منه وهو انتماء التراب
كتب ثامر الوندي نقدا راقيا، ومنه:
(هناك جهد آخر يقوم به (الفرج) في إخفائه لآثار الصنعة في بساطة شعره وعذوبته وسيولته. ولعل السيولة أقرب إليه من غيرها. فهو شاعر الماء بحق، وهو (نهّام) يؤدي مواويله البحرية لكي يدفع عجلة الحياة. وإذا تسنّى للفحص والاختبار النقدي أن يولي قصيدة (حديث النجوم) اهتمامه، فسوف يتأكد رسوخ الصور والألفاظ والتراكيب المائية في نسيج القصيدة، وربما تجاوز الماء إلى كل الظواهر والأشياء السائلة بحيث لا يكاد يخلو بيت شعري لعلي الفرج من ذلك. وسنحصي ذلك بالترتيب في قصيدته: "اغسلي، دمعًا، ذاب، السحاب، دمعة، دمًا، الأقداح، يُراق، الأكواب، دمه، سكّاب، الظمأ، ضباب، جرى، الفرات، وريدًا، دماها، سلسل، منساب، ماء، ملأى، القراب").
على ضفاف البحر المنسرح
في قم المقدسة جلسنا ومجموعة من النخبة الأدبية، من ضمنهم الشاعر الكبير السيد مصطفى جمال الدين، وثامر الوندي، وجواد جميل (حسن السنيد)، وفرات الأسدي، وغيرهم، وصار الكلام عن أوزان الشعر، فقال ثامر الوندي للسيد جمال الدين: حسب الظاهر أنك لم تكتب قصيدة على وزن المنسرح أبدا، أليس كلامي صحيح؟
قال السيد: صحيح لم أكتب بهذا الوزن.
قال ثامر: لماذا لا تكتب بهذا الوزن لعذوبته حتى ولو كان مقطعا صغيرا.
قال السيد: إن شاء الله.
وكان مسؤولو (مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث) دعوا السيد جمال الدين للاحتفاء به مع جمهور كبير، ونحن دعينا أن نشارك في ذلك الاحتفاء، وبعد أن انتهى المشاركون قام السيد نفسه وألقى قصيدة عدد أبياتها عشرون بيتا على وزن المنسرح، وهذا بعض القصيدة العصماء:
طار فلا ريشة ولا الزغبُ
يُدرك أيان ينتهي التعب
محلقاً لم يلح له فنن
يحضن أحلامه ولا عذب
كأن أجواءه بلا أُفق
وأن أرضاً تقلها كذب
غنى فما أرهقت له أذن
وما احتوى نفث روحه قصب
كأن أسراب من تحيط به
طيور حب لكنها لعب
أواه يا واحةً نشأت بها
بين غراس قطوفها ذهب
وقد قال لي ثامر الوندي: هذه القصيدة من أروع قصائد السيد رحمة الله عليه.
وكانت هذه آخر قصيدة ختم بها السيد حياته المفعمة بالادب الفاخر، وكان فعلا أحد النخب في الوطن العربي.




