12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

فجر الحسين (ع)

من آيات الله العظام الدالة على تدبيره المحكم و المتقن هو انبلاج لسان الفجر المضيء ، مبددا قطع الليل المظلم و راسما لوحة مشرقة تعلن عن يوم جديد ، يهب الحياة و الحركية من جديد بعد أن ساد السكون في قطع السواد البهيم .

و ها هي انعطافة حركية تحاكي انتهاء فترة ، و تجلي اخرى تمتاز بالفرصة المتجددة التي يمكن فيها إثبات الوجود و التعويض ، دون أن يتسلل إلى النفس الشعور باليأس .
و لكل إنسان فجره المتجدد المحاكي لإشراقة الأمل ، فليل قد خيم عليه سواد الحزن و الألم و انسكاب دموع التحسر ، ها هو فجره يهبه فرصة ليبصر طريق التصحيح و الهمة العالية في ميدان العمل ، رافعا عن كاهله عباءة الشدة و الاستعداد للتدثر بلباس التفاؤل و تغير معادلة حياته نحو الانفراج .

و ذلك المؤمن الذي قضى ليله متفكرا في عظيم ذنبه و جسيم ما ارتكبه من آثام ، متأملا في سوء الحال الذي وصل إليه و خائفا من عواقبه الوخيمة الموجبة لاستحقاق للعقوبة الإلهية ، و انبلاجة فجر يومه الجديد تعلن عن ولوج بياض التوبة و الرجوع إلى الله تعالى ، عاقدا العزم على فتح صفحة بيضاء ملؤها الاستقامة و الورع ، عارضا صفحة وجهه عن سواد المعصية و مهانة النفس بممارسة ما يسخط مولاها .

و للإمام الحسين ضياء فجر في تاريخ البشرية ، بما قدمه من تضحيات في طريق دحر الطغيان و تثبيت أعمدة القيم الدينية و الأخلاقية ، و التي أرادت السلطة أن تمحقها و تسلب الدين روحه ، و الاستدارة بالناس نحو ظلام الجاهلية و معالم الانحلال و الضلال المتميزة بها ، فقد أرادوا لظلام الباطل و الاستبداد أن يكبل الإرادات ، و يخضع النفوس لمنطق الإذلال و الاستعباد و تقبل الواقع المستجد المرير ، و الذي استبدلت فيه راية الفضيلة و الصلاح برايات الفساد و الفجور ، فكان لفجر الإمام الحسين أن يبدد قطع تلك الظلمات و يغير مجرى الأحداث ، و يركز مرة أخرى راية القيم الخالدة من خلال تضحيته الكبرى ، فلولا تلك الدماء الزاكية في كربلاء لما أمكن هز ضمائر من دخلوا في موت سريري .

و لم يتأطر هذا الفجر النهضوي بعاملي الزمان و المكان المحدد ، بل عم ضياؤه جميع أرجاء المعمورة على امتداد الأيام جيلا بعد جيل ، فأصبح فجر القيم الحسينية انشودة الصباح التي يأمل بها الأحرار التمسك بحياة الكرامة و الإباء ، و التحرر من أغلال أهواء النفس المكبلة لإرادتها و المانعة لشموخ كرامتها ، مهما كلف الأمر من تضحيات جسام .

فجر الإباء الحسيني أشرق و انبثق ضياؤه في نفوس الأحرار ، على رغم إرادة الطغيان من منعه و لو بالقوة لئلا يزعزع عرش ظلمهم و فسادهم ، و الذي حاول بكل وسائل البطش و التنكيل و شراء الذمم بالمال ، و محاربة كل مظاهر الوعي و اليقظة الروحية و الفكرية ، من خلال ترسيخ مظاهر الانحلال الأخلاقي و نشر أدواته علانية ، و التي كان السكوت عنها هو عين الرضا بمحق القيم الدينية و زواله من النفوس .


error: المحتوي محمي