بسم الله الرحمن الرحيم
السَّلام عَلَيْكَ يَا أبا عَبْدِ اللهِ وَعلَى الأرواحِ الّتي حَلّتْ بِفِنائِكَ ، وَأنَاخَت برَحْلِك، عَلَيْكًُم مِنِّي سَلامُ اللهِ أبَداً مَا بَقِيتُ وَبَقِيَ الليْلُ وَالنَّهارُ ، وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ العَهْدِ مِنِّي لِزِيَارَتِكُمْ أهْلَ البَيتِ، السَّلام عَلَى الحُسَيْن ، وَعَلَى عَليِّ
بْنِ الحُسَيْنِ ، وَعَلَى أوْلادِ الحُسَيْنِ ، وَعَلَى أصْحابِ الحُسَين.
(شكر وتقدير وثناء لملتقى الشعراء بمأتم الولاية بالملاحة )
بأجمل عبارات التقدير و بأرق مشاعر الأمتنان و الشكر التي تتناسب مع رقة شعوركم الناطق نظماً جميلاً داعب أحاسيس العاشقين و سكب في قلوبهم سحر الواله المقدس لقبلة الحب السرمدي الإمام الذي توسد في أعماق قلوب مريديه من كل مكان و بكل الأديان و من جميع الأمم التي توجته على عرش أفئدتها ملكاً لا يزول ملكه . إليكم أيتها العنادل التي تصدح بالحب للمولى غرقى حزنا و حبا ..
قال الإمام الصادق عليه السلام في هذا: "من قال فينا بيت شعر بنى الله له بيتاً في الجنّة"
(وسائل الشيعة 467:10، بحار الأنوار 291:76). ونقل عنه أيضاً: "
ما من أحد قال في الحسين شعراً فبكى وأبكى به إلا أوجب الله له الجنّة وغفر له"(رجال الشيخ الطوسي:289)، وأوصى الإمام الرضا عليه السلام دعبلاً بالقول:
"يا دعبل، إرثِ الحسين عليه السلام فأنت ناصرنا ومادحنا ما دمت حيّاً فلا تقصّر عن نصرنا ما استطعت"
(جامع أحاديث الشيعة 567:12
من منطلق هذه الروايات الشريفة والتي تحث على رثاء الإمام الحسين عليه السلام. منذ اليوم الأول لشهادة المولى أبي عبدالله الحسين أرواحنا فداه ، فعليه أصبح شعراء الطف نجوما تتلألأ في سماء الأدب بل في سماء الشرف والوجاهة بالحسين عليه السلام في الدنيا والآخرة. حتى أصبحت واقعة الطف المعين الصافي والمنهج المنير للشعراء فلم يكتب شعر في واقعة أو حادثة أو شخص من بداية التاريخ البشري إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . كما كتب في الإمام الحسين عليه السلام ونهضته الإلهية الخالدة ، وقد رسم صورتها الشعراء من مختلف الأديان السماوية الأخرى إلى يومنا هذا وكان للشعراء دورا كبيرا في بيان هذه الواقعة المؤلمة على مر العصور . فأول من قال شعرا في رثاء الإمام الحسين عليه السلام :-
قيل هو بشر بن حذلم عندما رجع الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام من الشام متوجهاً الى المدينة فصادف في الطريق بشراً فقال له: يابشر انطلق وانعَ الحسين فعصب بشر رأسه (بعصابة سوداء)وعصب فرسه (برباط أسود)وانطلق الى المدينة فلما وصلها صاح:
يا أهل يثرب لا مقام لكم بها قتل الحسين فأدمعي مدرار
الجسم منه بكربلاء مضرج والرأس منه على القناة يدار
يا أهل يثرب شيخكم وامامكم هل فيكم أحد عليه يغار
*** *** ***
ثم توالت مواكب الشعراء بعد ذلك ولا يمكن تعداد الشعراء العرب الكبار الذين رثوا الحسين غير أننا نذكر بعضاً منهم في العصرين الاموي والعباسي من الذين سخّروا شعرهم لقضية اهل البيت عليه السلام وبخاصة القضية الحسينية فهذا اسماعيل بن محمد الحميري الملقب (بالسيد) يدخل على الامام الصادق عليه السلام فلما سلم وجلس أقعد الامام عليه السلام حرمه خلف ستر واستنشده عليه السلام فأنشد السيد:
امرر على جدث الحسين فقل لِأعظمه الزكية
يا أعظماً لا زلت من وطفاء ماكبة روية
فاذا مررت بقبره فاطل به وقف المطية
وابك المطهر للمطهر والمطهرة النقية
كبكاء معولة أتت يوماً لواحدها المنية
*** *** ***
قال السيد فرأيت دموع جعفر بن محمد عليه السلام تنحدر على خديه وارتفع الصراخ والبكاء من داره ولا زال السيد يمدح أهل البيت عليه السلام حتى لقبه الامام الصادق ب(سيد الشعراء) فعرف به وهذا الكميت بن زيد الاسدي نظم قصائده الهاشميات المقررة بخمسمائة وثمانية وسبعين بيتا وتعد من عيون الشعر العربي وكلها في مدح اهل البيت عليهم السلام وعندما ينشد الامام الصادق قصيدته الميمية التي يقول منها في رثاء الحسين عليه السلام :
كأن حسيناً والبهاليلُ حوله لاسيافهم مايختلي المتبتل
وغاب نبي الله عنهم وفقده على الناس رزء ما هناك مجلل
فلم أرَ مخذولاً لأجل مصيبة واوجب من نصرة حين يخذل
يكثر البكاء وترتفع الاصوات ويرفع الامام الصادق يديه ويقول (اللهم اغفر للكميت ماقدّم وأخر، وما أسر واعلن واعطه حتى يرضى) ثم اعطاه الف دينار ويطلب الامام الصادق عليه السلام من أحد أصحابه ان ينشده شعر سفيان ابن مصعب العبدي الكوفي الذي يعد من كبار شعراء اهل البيت فيقول له (ياأبا عمارة انشدني للعبدي في الحسين) قال فانشده فبكى ثم انشدته فبكى ثم انشدته فبكى قال: فوالله مازلت انشده ويبكي حتى سمعت البكاء من الدار.
وكان الإمام يجل هذا الشاعر ويكرمه فيقول في حقه (علموا أولادكم شعر العبدي فانه على دين الله، وهذا دعبل بن علي الخزاعي وقصيدته التائية الشهيرة والتي قصد بها الامام الرضا عليه السلام في خراسان وقصته معروفة وهناك اسماء كثيرة لا يمكن حصرها هنا من اعلام الشعر العربي وفي مختلف عصوره ابو تمام، ابو فراس الحمداني، الصاحب بن عباد، الشريف الرضي، والمرتضى، وغيرهم. وتتابعت مسيرة شعراء الحسين عليه السلام فبرزت بعد ذلك اسماء لامعة في تاريخ الادب العربي واكبت هذه المسيرة منهم صفي الدين الحلي، وابن العرندس الحلي، وغيرهم وفي العصور الاخيرة ظهرت اسماء أخرى عطرت اشعارها بنفائح ذكر الحسين عليه السلام لم تخضع قضية الحسين عليه السلام لمرحلة معينة من التاريخ أو بقعة محددة من الارض بل انها ترسخت في القلوب والاذهان على مدى العصور والاجيال فالحسين هو امتداد للنبوة وهو امتداد لرسالة السماء الخالدة ورغم سحب التعتيم التي حاولت السلطات ان تحيط أصداء واقعة الطف بأساليب القمع والاضطهاد ضد كل من يذكر هذه الواقعة – ومنهم الشعراء – إلا انها شتتت كل السحب وسطعت كالشمس وكلما تقدم الزمن تنفتح من تلك الواقعة الخالدة آفاق ورؤى متجددة رحبة ينتقل فيها الشعراء من الواقعة كسرد تاريخي الى آفاقها المعنوية والإنسانية الكبيرة ويتغلغلون في عمقها وتفاصيلها التي تنبئ بالروح الكبيرة التي يحملها الامام الحسين فهي الملحمة المتجددة ابداً وهي الكتاب الانساني المفتوح دائماً للشعراء.
حتى من الله على بلادنا الحبيبة وأخص ملتقى الشعراء 4 بمأتم الولاية بالملاحة.
فلهم مني خالص الدعاء والثناء والشكر لتفضلهم بدعوتنا للحضور في هذا الملتقى الحسيني المبارك و لأنكم اتقنتم توجيه بوصلة العشق المقدس إلى حيث نرتشف من نبع الحياة تجديدا للولاء نتقدم بوافر الشكر و التقدير لتلك المشاعر التي انتظمت كعقد يضم لآلئ الأدب و البلاغة في رثاء أبي الأحرار الإمام الحسين عليه السلام ..
كما أخص بالشكر الشاعر القدير /ناصر معتوق العلي.
وأسأل الله تعالى أن يجعلهم وجهاء بالحسين عليه السلام في الدنيا والآخرة .
دام عطاؤكم الولائي و دمتم بمداد العشق الحسيني و رفعكم الله به منزلة وجيهة و كان شفيعا لكم في الجنان



