أكتب هذه السطور وأنا وأخي الأكبر مني -الأستاذ علي- والأصغر عمرًا -المهندس جمال- نسير في السيارة في الطريق إلى مكة، البلد الحرام ثم إلى المدينة المنورة. اخترنا السيارة على الطائرة من أجل قطع الوقت بالسوالف والحكايات وحرية التنقل، على أن الطقس مناسب جدًّا للسفر برًّا في هذه الأيام. وقد جرى على ألسن العرب قديمًا: أتحملني أم أحملك؟ ويعنون بذلك أن تحدثني أو أحدثك حتى نقطع الطريق، ولا نشعر بالمللِ وطول المسافة. وإن في الجدال أحيانًا ارتفاع وانخفاض!
ولطالما طرق ذهني في مثل هذه الرحلات سؤال عن سبب اختيار هذا البلد المبارك -مكة- لكي يكون منشأ الحضارة الإسلامية التي لن تبيد ولن تنتهي حتى قيام الساعة. ومهما يكن من جواب نختلف أو نتفق عليه فهذا ما حصل وانتقلت مكّة والعالم معها من سبات حضاري إلى استيقاظةٍ أبدية انتهت معها عبادة الأوثان والأصنام وبدأ عصر التوحيد والتأليه لربّ واحد وجامع. وفي ذلك يقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام): "حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ اللهِ سُبْحَانَهُ إِلَى مُحَمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً، وَأَعَزِّ الأرُومَاتِ مَغْرِساً، مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ، وَانْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَهُ، عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ، وَأُسْرَتُهُ خَيْرُ الأسَرِ، وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ نَبَتَتْ فِي حَرَم، وَبَسَقَتْ فِي كَرَم، لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ، وَثَمَرٌ لاَ يُنَالُ".
اللات والعزى والصَنم الثالث وهو مناة، أصنام عبدها أهل الجاهلية لم تضرّ ولم تنفع، وعبدوا غيرها من الأصنام والأشياء وما هو أسخف وأقل شأنًا! كل ذلك اختفى ولم يعد بعد الإسلام سوى الله وحده معبودًا.
وبما أن الخاطرة كُتبت في الطريق إلى مكة، أقول لقد تغير الطريق كثيرًا منذ أن سلكه والدي ومن قبله من الناس، ومنذ أن سلكته في سنوات صباي. كان طريقًا مليئًا بالمتاعب وقلة الراحة في وسائط النقل! الآن صار الطريق إلى مكة من أي جهة أتيتها متعة وبهجة والتقنيات الحديثة جعلت التواصل سهلًا ومريحًا. على غير ما كان آنذاك، تقاربت المسافات واتصلت المدن فما كان يحتاج عشرة أيام من المسير الشاق صار يحتاج يومًا واحدًا في السيارة أو ساعةً واحدة من الجو!
ومهما يكن من بعد المسافة بالنسبة لنا، فغيرنا يقطع البحار والمحيطات ويأتي من قارات مختلفة ويحتاج إلى أوراق! أليس ذلك مما يشكر الله عليه ويحمد من قِبَلنا؟



