المدارسُ والجامعاتُ تُدرِّس لنا العلومَ والثقافةَ والطبَّ والهندسة وشخصياتُنا وقياداتنا الإسلامية تدرِّسُ لنا الأخلاقَ والإيمانَ وفنونّ التعامل وإدارة الحياة.
فمهما كانت أوضاعُنا وجنسياتُنا ومراكزُنا نبقى بحاجة إلى تعلُّم فنون الحياة فالأمور لا تسير اعتباطًا ولا يحقُّ لكل أمرئ أن يتصرف من هواه وكما يحلو له فالإنسان لديه مطامع وغرائز وطموحات لا تنتهي فإن أطلق لها العنان جرَّت عليه الويلات وهَوَت به أسفل سافلين لقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَبْرِ﴾، والإمام علي عليه السلام يقول "آفة النّفس الوَلَه بالدّنيا".
لنكن واعين ومستيقظين ولا نستسلم وننقاد لكل ما تحبُّه نفوسُنا فكثير منها يضرنا وبعد فترة نبقى نتحسر ونندم لكن لا ينفع الندم، قال تعالى {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍۢ}، علينا أن نحذَر كلُّنا مهما تنوِّعت عاداتُنا ونفسياتُنا ومقاماتُنا.
لا يعتقد البعض أن مركزَه أو مستواه أو نفسيَّته تبرِّر له أن يتصرَّف كما يحلو له دون مراعاة للآخرين فكونُك عصبيًا لا يبرر لك الخطأ على الآخرين والاستهانة بهم وكونُك قويًا ليس من حقِّك أن تضربَ وتستولي على حقوق الناس.
وكونُك في مركز رفيع لا يعني أن تتعالى وتستحقر من دونك. كن ثابتًا دائمًا على خُلق حميد فلا تكن مع الأقوياء خَلوقًا ومع الضعفاء مرعبًا، ولا تكن للفقراء مستهينًا وللأغنياء متملِّقًا. ولا تجرِّد عائلتك من حقوقها وتُغدق على الآخرين بكرمك وفيض عطائك أليس الأقربون أولى بالمعروف؟
قال تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}، وقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾، نحن بشر نفوسُنا ميَّالة إلى اللعب واللهو فلا نترك لها الحبلَ على الغارب ونتخبَّطُ يمينًا وشمالًا ونضحِّي بالغالي والنفيس لأجل لعب وتسلية ومرح لا ينفعُنا ولا يغيِّرنا.
جاء في دعاء مناجاة الشاكين للإمام زين العابدين عليه السلام (إِلهِي إِلَيْكَ أَشْكُو نَفْسًا بِالسُّوءِ أَمَّارَةً، وَإِلى الخَطِيئَةِ مُبادِرَةً، وَبِمَعاصِيكَ مُولَعَةً، وَلِسَخَطِكَ مُتَعَرِّضَةً، تَسْلُكُ بِي مَسالِكَ المَهالِكِ، وَتَجْعَلُنِي عِنْدَكَ أَهْوَنَ هالِكٍ، كَثِيرَةَ العِلَلِ طَوِيلَةَ الأَمَلِ، إنْ مَسَّها الشَرُّ تَجْزَعُ وَإنْ مَسَّها الخَيْرُ تَمْنَعُ، مَيَّالَةً إِلى اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ مَمْلُوءَةً بِالْغَفْلَةِ وَالسَّهْوِ، تُسْرِعُ بِي إِلى الحَوْبَةِ وَتُسَوِّفُنِي بِالتَّوْبَةِ، إِلهِي أَشْكُو إِلَيْكَ عَدُوًّا يُضِلُّنِي وَشَيْطانًا يُغْوِينِي، قَدْ مَلَأَ بالوَسْواسِ صَدْرِي).
فهذه حقيقة النفس التي بين جنبيك فلا تفرِّط في دلالها وتُغدق عليها بما يفقدُك السيطرةَ على ترويضها وهاهو الإمام علي عليه السلام يبين التعامل مع النفس فيقول «وإنّما هي نفسي أروضها بالتّقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر».
وهذا درسٌ يريد أن يُعلمنا إياه عليه السلام فهو معصومٌ ومسدِّد من الله سبحانه وتعالى لكنه يذكِّرنا بضرورة أن نروِّض أنفسنا ونحارب شهواتنا ونتغلب على نفسياتنا استعدادًا للقاء الله سبحانه وتعالى فكثير منا غافل عن ذلك اليوم ومنغمس في ملذات الدنيا ولا يستطيع أن يرفض لشهواته طلبًا والأغلب يعلم أنه في الطريق الخطأ وينهب ويسلب ويضرب ويؤذي الناس وليس عنده إحساس حتى المقربين إليه ومن لهم فضل عليه كالآباء والأمهات والأزواج والزوجات والإخوان والأخوات.
وكم من شخص أفاق من غفلته وتغلَّب على نفسه فرد الحقوق إلى أصحابها واعتذر لمن أساء إليهم وصار يعامل الناس بالحسنى وبأخلاق فاضلة والتزم بفرائضه وصلة رحمه وأدِّى واجباته تجاه ربه وسار في طريق الله ونال رضوانه حتى يلقى ربه آمنًا يوم الفزع الأكبر {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}.
فهنيئا للتائبين الحامدين العابدين والخوف على من لم يتدارك ولم يفق من سباته وحياتُه كلها هزل ولعب ولهو وقد لا يطول به العمر أو لا تسعفه الصحة ليرتدع عما هو فيه كما قال الشاعر:
من يلهِهِ المُرديانِ المالُ والأملُ .. لم يدري مالمُنجيان العِلمُ والعَمَلُ
يا مُنفقَ العُمرِ في عِصيان ِخالِقِهِ أَفِقْ فَإنّك مِن خَمرِ الهَوى ثَمِلُ
تعصيه لا أنت من عِصيانه وجلٌ .. من العقابِ ولا من منِّهِ خَجِلُ
أنفاسُ نفسِكَ أثمانُ الجِنانِ فهل .. تَشْري بها لهبًا في الحَشرِ يشتَعِلُ
إِن كنت مُنتَهِجًا ,, مِنهاج ربي حِجًا فقُم بِجُنحِ دُجًا ,, للهِ تَـمْـتَـثِـلُ
ما عُذرُ من بَلَغَ الـعشرين إن هجعت عيناه أو عاقه ,, عن طَاعةٍ كسلُ
----------
كلُّنا لا ندري متى نرحل ولا نعلم مصيرنا مستقبلًا فلا نتمادَى ولا نتساهل ولا نؤجل التوبة والاعتذار ونحن لا ندري عن الأقدر.
آن الأوان أن تصحو ضمائرُنا ونفيقَ من سباتنا فحبُّ الإمام علي عليه السلام ليس كلامًا به هو اقتداء وهذا مولده الشريف كما نحييه بالأناشيد والأهازيج نحيي قلوبنا بالطاعة ونهذب نفوسنا بالقناعة وننقِّح أخلاقنا من البغض والإيذاء ونصفي ألسنتنا من كل بذيء لننال مرضاة الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ}.
صدق الله العلي العظيم وصدق رسوله النبي الكريم ومبارك عليكم ذكرى مولد أمير المؤمنين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.



