12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

من الأوجام.. علي الناصر يقرأ «ما يُشبه النّسيان».. في صفوى

وقَّع الشّاعر علي حسن الناصر، المُنحدر من بلدة الأوجام ديوانه العاشر "ما يُشبه النّسيان"، الصّادر عن نادي المدينة المنورة الأدبي، بالتعاون مع دار سُطور للنّشر والتوزيع، والذي احتوى على 20 قصيدة، جاءت في 127 صفحة.
جاء ذلك في حفل أقامه في مطعم ومقهى "زمن" بمُجمع صفوى بلازا، مساء الجُمعة 27 جمادى الآخرة 1444هـ، بحضور أكثر من 50 شخصية محبة للأدب والشعر.
وبدأ الحفل الذي قدمه الشّاعر حبيب المعاتيق، بالحديث عن مسيرة الشّاعر الأدبية، واصفًا "الناصر" بأنَّه لا يزال يُزين الكثير من الأمسيات الشّعرية والفعاليات الأدبية بحُضوره الرشيق، وشاعريته العالية عبر قصائده المنشورة في الكثير من المدونات الأدبية؛ الورقية والإلكترونية.
واقتطف المعاتيق من شعر الناصر أبياتًا، ليُمتع الحاضرين بها، حيث قال:
يا سحر عينيك إن السحر يربكه
درب طويل إلى عينيك أسلكه
أضأتِ عتمة صمتي حين أدركني
جمال خديك لكن لست أدركه
إني أحبك نهرًا يشتهي مطري
إذا مشى فوق أحلامي، أحركه
مُدي يديكِ وضُمي الآن أمنيتي
وسافري بي فهذا الحب أملكه
أصغي إليّ أنا أنت ارتواء هوى
يومًا سيهلكني يومًا سأهلكه
وألقى "الناصر" بعض القصائد الشّعرية من ديوانه "ما يُشبه النّسيان"، ليطرح عليه المعاتيق سُؤالًا، مفاده: لماذا يأتي شعر الناصر كزخات المطر، يأتي حينًا، ويغيب في أحايين أخرى؟.
وأجاب "الناصر" بأنَّ هذه الحالة الشّعرية طبيعية جدًا، حيث تجده مُغرقًا شعريًا، يكتب القصيد، وتجده بعض الوقت واقفًا، يتأمل في الصّمت، مُتوقفًا عن الكتابة.
وأشار إلى أنَّ هذه الهُدنة مع اليراع، تعبر في مُجملها عن حالة إيجابية، تمّد الشّاعر بما يستفزه مُستقبلًا، ومن ثم يكتب ويبدع بعد ذلك.
وألقى الشاعر حسين آل عمار ورقة نقدية نيابة عن النَّاقد محمد الحُميدي، واضعًا "ما يُشبه النّسيان" تحت المجهر النَّقدي، بعنوان: الآخر المُزيف في ديوان "ما يُشبه النّسيان".
وذكر "الحُميدي" أنَّ الديوان طافح بالحزن والمنافي، ومأساة الوجود؛ مُبينًا أن السّبيل الوحيد للخروج من عنق الزجاجة، يتمثل في البوح، ولكن البوح مُمتنع، لهذا يستعر الحريق بداخل الذّات، إلى أن يُصبح الموت أقرب من الحياة، حينئذ تتضخم المأساة، وينتشر الحزن أكثر؛ ليكون طاغيًا، ومتسيِّدًا.
وأضاف: "إنَّ صاحب الكلمة العليا، إزاء الذّات، التي لا يكون أمامها سوى حلّ أخير؛ يتمثل في صمت قاتل، وغياب تام، و"موت" رمزيّ؛ لتفسح المكان لـ"آخر"، أو نُسختها الشبيهة بها".
وقال: "تجربة عاطفية مُمتزجة بالوجود، يقدِّمها ديوان "ما يُشبه النّسيان" للشّاعر علي الناصر؛ إذ عمد إلى تشظية ذاته، واستخراج نسخة مزيفة منها، فأسند إليها مُمارسة الوجود؛ من أجل اكتشاف الفجوة الحاصلة بين حياته وواقعه المُحيط، لردمها وتقليص تأثيرها".
وأوضح "الحميدي" أنَّ البداية جاءت من الذّات الحقيقية "الأصل"، حيث تحضر داخل الديون بشكل جلي؛ فالتجربة تستدعيها وتتكئ عليها؛ لتأسيس المُقاربة الأولى، قبل الانطلاق واستخراج "النّسخة" المُزيفة والمُتشظية.
وأردف أنَّ انبعاث النُسخة المُزيفة يعد إيذانًا برحيل الذّات الفعلية، لافتًا إلى أنَّ الانكشاف سبب تشظي الذّات واختراع النّسخة المُزيفة، فالخُذلان الذي رافقها في الحياة، أجبرها على الحذر وعدم الإيمان بالمُحيطين، وهذه قمة المأساة للأشخاص العاديين، أما بالنّسبة للشّاعر؛ فإنَّها مُميتة، وهي مُفردة تكررت داخل الديوان، وأدت إلى رسم ملامح تجربته.
في قصيدة "خيبة لطين مُتأرجح"، يبُوح:
وكيف كيفَ تشظَّى دون حيرتهِ
يُمسِّد الوجعَ الغافي بطينتهِ
وكيفَ رقَّق صوت الموت في فمهِ
حيٌّ تمشَّى على آلام جُثتهِ
وبيّن "الحميدي" أنَّ حُضور الذّات المزيَّفة ألغى الحقيقية، وتسبب في تشظيها، ومن ثمَّ موتها، الذي سيمتدُّ ويتخذ أشكالًا مُختلفة؛ كالغياب، والصَّمت، والمنفى، مما يُشير إلى عُمق الأزمة الوجودية واتساعها، وارتباطها بالحُزن الشَّديد، الذي أنتج وجعًا مُرًّا قاسيًا.
وفي "شهقة على ذمة الحُزن"، يبُوح:
أنا ما حملتُ الحزن حين حملتُه
وجعًا ولكنِّي حملتُ شظيِّهْ
وتطرق إلى الأسئلة الوجودية، وقال: "لشفاء الروح من أوجاع الأسئلة المُحيِّرة والعميقة؛ اتجهت إلى البحث عن إجابات؛ تروي ظمأها المعرفي، حيث القلق الوجودي يسكن أرجاءها، ولا يدعها تهنأ بنوم".
وأوضح أنَّ الأسئلة الوجودية، التي أرهقت الذّات، يُمكن العثور على إجاباتها داخل الأحلام؛ إذ هي أخصبُ أرض؛ لنُموها، واتساعها، وإقامتها علاقات مع جميع أجزاء الحياة ومُفرداتها، وبهذا تكون تجربة الديوان قد شارفت على النَّهاية، ولم يبقَ سوى إعادة الأمور إلى نصابها، عبر إلغاء الذّات المُزيفة ومحوها، حيث تحقق الهدف من اختراعها، لنجده في قصيدة "قافية مُشرَّدة"، يبوح:
الآن آخرُك ازدراكَ فلم تكن
تعنيه قبلُ فقد مضى وتقيَّأك
واختتم "الحُميدي" ورقته النَّقدية بأنَّ "ما يُشبه النّسيان"، يأتي كتجربة وجدانية وجودية، اعتمدت أسلوب الاستبطان، فمارست الغوص داخل الذّات؛ من أجل استخراج نسخة شبيهة بالأصل، أقامت على أساسها معمارها الفني والدّلالي، وصولًا إلى استنتاج إجابات أسئلتها المُحيّرة والعميقة، أو على الأقل؛ معرفة أماكن تواجدها.
واختتمت الفعالية، بتوقيع الشَّاعر ديوانه "ما يُشبه النّسيان".





error: المحتوي محمي