تزوّدوا من أحبتكم قبل الرحيل لأن الموت لا يترك موعدًا قبل المجيء بل يأتي بغتةً ولا يحيد وليس له موعد مثل مواعيد حياتنا اليومية التي نعيشها وهذه الأيام والليالي تمضي بي حتى أوصلتني لهذا اليوم كي أكتب لكَ هذه الكلمات يا والدي بعد مرور أربع سنوات على رحيلك بدمع الحسرة والألم لعلي أوفيك بها وإن كانت سطورًا قليلة في ذكرى الرحيل المؤلم لذاك اليوم الذي لن أنساه وسيظل راسخًا في فكري.
كان صباح يوم الثلاثاء السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ألف وأربعمائة وواحد وأربعين هجرية مثل باقي الأيام كعادتي أجهز لكَ الفطور قبل ذهابي لدوامي في الروضة ولم يدر بخلدي أنك سترحل عنا في هذا اليوم أبدًا، وبعد رجوعي لم أنتبه لكَ أنك رحلت عنا ظننتك نائمًا كالعادة لم يمضِ من الوقت إلا ساعة وإذا بأمي تنادي عليّ: فاطمة أبوك قد مات! فزعت من غرفتي وقلت لها: لا تقولي هذا. قالت: تعالي وانظري له إنّهُ لا يتنفس! اقتربت من سريرك وأمسكت بيدك لكنها كانت يابسة فصرخت: أبي أبي لكن لا جواب منك رحت أركض إلى شقق إخوتي وأنا أصيح: أبي مات! خرج نساء إخوتي مع أولادهن وهن في حالة ذهول، رجعت إليك وأمسكت بك ووضعت رأسي على جسدك النحيل وصرت أبكي لحسرتي عليك وأنني يا أبي لم أُودعك ما عساي أن أفعل الآن وهل يكفي بكائي ونحيبي ودموعي الجارية عليك لكنها محال يا أبي وظللت أبكيك مع من حولي إلى أن أتى الأهل والإخوة ورفعوني عنك والألم يعصرني ومرارة الذكرى تشلّ كل كياني، وإني أتذكرك قبل ذلك بعدة أشهر عندما أحضرت لك طعام العشاء وقلت لك: أبي ابرئ ذمتي فبلعت تلك اللقمة بغصة وقلت لي: مبرية الذمة يا ابنتي. لا أعرف لماذا قلت لكَ هذا؟ وهل أنتَ أحسست بدنو رحيلك عنا لهذا تألمت لكلامي معك؟!
آه، فكم وكم أتذكر من أيّام جميلة لي معك يا والدي وكلما أرجع للماضي في ذاكرتي أجد نفسي طفلة صغيرة دون الخامسة من عمري عندما تأتي بعد أسبوع من عملك في رحيمة ويحين وقت الصلاة فتشرع بالوضوء والذهاب للمسجد ونخرج أنا وأخي عبدالإله خلفك ونتبعك كظلك لمسجد الشيخ رضى الكائن جنوب شرق الديرة والناس تصلي، ونحن نتحرك كباقي الأطفال ربما نقلد المصلين. وصرنا هكذا إلى أن جاء يوم أزعجنا فيه أحد المصلين المرحومين ببراءة الطفولة التي لا يتحملها الكل بعد هذا لم نعد نذهب وراءك، وصرتَ تعلمنا الصلاة في البيت في اَي وقت مناسب لك حتى صرتُ وأختي فتحية نتسابق في الصلاة من منا تنتهي قبل الأخرى وتعلمنا الصلاة قبل سن التكليف وأيضًا صرت تُعلمنا القرآن وتحثنا على قراءته وألا نغفل عنه، فجزاك الله يا والدي خير الجزاء وأفضله عنا.
همسة ألم! بعد رحليك يا أبي عرفت أن هناك بكاء من غير دموع وألمًا بلا جسد بل روح تعذبها الذاكرة لأنني مازلت أسمع صدى صوتك يناديني: ابنتي. وبين فترى وأخرى أرى طيفك في منامي يزورني، فرحمك الله وجعلَ قبرك روضة من رياض الجنة ورحم الله جميع الأموات برحمته الواسعة.



