12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

من الجمعة إلى الجمعة.. التربية بين المجمل والمهمل

يصدف أن ترى يافعًا في مقتبل العمر وهو مرتبك ويخطو بتردد واستدارة وعيناه ترمشان سريعًا أحيانًا، وربما يجلس صامتًا محني الرأس محاولًا ألا يجاور أحدًا، أو ترى آخر متمردًا أو منفلتًا، ولا يعير لأحد بالًا ولا قيمة ولا اهتمامًا، ولا يلتزم بقانون ولا شرع.
أو ترى عكس هؤلاء تمامًا، شابًا مؤدبًا ذا خلق ملتزمًا بكل ما هو جميل وحسن، وواثقًا من نفسه تمامًا.
هذه العينات ما هي إلا نتيجة البيئة التي تربوا فيها سواء المجتمعية أو الأسرية، فانعكست عليهم وعلى سلوكهم، بحيث أصبحت الطابع المائز لكل واحد منهم.
بين القسوة واللين والثواب والعقاب، والإهمال المفرط والتدليل المفرط، لا شك أن الحرص على تربية الأبناء وتنشئتهم هو الشغل الشاغل للآباء الحريصين، بحيث يأخذ منهم معظم الوقت والجهد والمتابعة وإن تفاوت بين شخص وآخر، ولكنه يظل إلى أجل هو الأولوية، بغية أن يجسدوا الصورة الذي يرسمونها لأبنائهم ويتطلعون لها ليظهروا وفق ما يتمنونه لهم.
في الوقت نفسه لا أظن أن هناك من الآباء من يبخل على أبنائه، أو يقصر في تلبية حاجاتهم قدر ما يستطيعون، وبأن يكونوا في مستوى أقرانهم أو أكثر.
السؤال الملح هو: ما نصيب الدين يا ترى من هذه التربية؟، وما مقدار حرص الأباء على توجيه أبنائهم إليه بوصفه العامل المشترك الأهم والأوجب من بين عناصر التربية الصحيحة؟.. سواء عن طريق الأب إن كان مطلعًا بما فيه الكفاية والدراية في الأمور المبتلى بها المرء في الحد الأدنى، أو أي جهة تتبنى التدريس فقهيًا وعقائديًا، وما يلزم لحياة وآخرة الابن والابنة قبل سن التكليف وبعده بعيدًا عما يخالف النواميس والقوانين.
مع الأسف، إن هذا العنصر هو آخر ما يفكر فيه الكثير، وكأنه لا عجلة تستدعي ذلك، خاصة للبنت التي تكون مكلفة منذ بلوغها السن الشرعية، وهو ما لا يحدث في الغالب حيث يعدونها صغيرة على القيام بواجباتها الدينية، وكأننا نلوي الشرع وننحى منحًى آخر اختلقناه نحن من أتفه الأعذار مثل "ما نبغي نضغط على البنية أو توها صغيرة، خلوها تستانس، وهكذا"، وكأننا أعلم من الرب -عز وجل- حين شرع ذلك.
وهو تمامًا ما يحدث مع الشاب حيث يأخذ مساحة أكبر من الحرية لدرجة الانفلات دون الالتفات له إلا في نهاية المطاف، الأمر الذي يجعل من الصعوبة السيطرة عليه عندئذ، وقد دخل سنًا خطيرة لا يمكن فيها الضغط عليه حتى لا ينفجر ونخسره.
أتذكر كيف كان أباؤنا يحرصون على توجيهنا دينيًا وسلوكيًا رغم قلة الوسائل آنذاك، ولكن بما عرفوه وتعلموه، فلا أقل أنهم وجهونا وأصبح لدينا حس وحرص معتبر، وإن بمعرفة الواجب والحرام وتأدية الفرائض وإن شكليًا، ابتداءً بلطف وتوجيه، ثم بحزم وصرامة عند التقصير بعيدًا عن التزمت المنفِّر.
ليت هذا الجانب يوازي الاهتمام بالجانب الدراسي الذي يتم التركيز عليه كأولوية بغض النظر عن الغاية، أكثر من أي أمر آخر.
نعلم أن الغالبية من الآباء ليس بمقدورهم القيام بالتوجيه الديني وتعليمهم أبناءهم مباشرة، وهي ليست حجة قطعية مع توفر منابع هذا المطلب والشراكة الثلاثية بين المدرسة والبيت والمسجد، فالدين يسر، وهو أبعد ما يكون عن الشكليات والطقوس والعصبية، وضرورته المطلوبه هي العبادة لله -عزَّ وجل- باتباع أوامره والانتهاء عن نواهيه، والقيام بالواجبات من عبادات ومعاملات والامتناع عن المحرمات، والتربية على السلوكيات المندوبة التي يقرها الشرف والعرف والقانون الوضعي الذي يجب الالتزام به كحق مشترك بين الناس، ويعاقب مخالفه العقاب المستحق.
ومتى ما تربى الشاب على الأصول المتعارف عليها والفضائل المكتسبة المتوارثة، وتلك التي يحث عليها ديننا الحنيف سوف يكون أبناؤنا على الصورة التي تحقق إنسانيتهم الحقة، وعندها لا خوف عليهم من الانزلاق إلى ما يخشى عليهم منه، لأنهم سيكونون وسط مجتمع فاضل.


وقفة..
"لا تقسروا أولادكم على آدابكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم".
- الإمام علي "ع": نهج البلاغة - شرح ابن أبي الحديد.


error: المحتوي محمي