ورد عن السيدة فاطمة(ع): هي والله يا أبا الدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله، ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق، ونظر إلي وأنا أبكي.
فقال: مم بكاؤك يا أبا الدرداء؟
فقلت: مما أراه تنزله بنفسك، فقال: يا أبا الدرداء فكيف ولو رأيتني ودعي بي إلى الحساب وأيقن أهل الجرائم بالعذاب.. )(بحار الأنوار ج 41 ص 12).
من أجمل المواقف التي احتوت على مجموعة من الدروس والعبر هذه الواقعة التي يرويها الصحابي الجليل أبو الدرداء عن حالة الحب الإلهي الساكن في قلب أمير المؤمنين (ع)، والذي دفعه إلى نبذ لذيذ النوم ومجافاة المضجع يناجي محبوبه ويقف بين يديه مرتعدًا، وما أعظمك يا أمير المؤمنين وقد جمعت الأضداد إذ في الحروب أنت فارس الهيجاء وباث الرعب في أفئدة الأبطال، وأنت كذلك صاحب القلب الشفيق والدمع الرقيق ترتعد فرائصك في محراب الصلاة والطاعة، ويحكي أبو الدرداء (ض) موقفًا متكررًا من أمير المؤمنين (ع) والذي عرف الله تعالى حق معرفته فانحاز إلى الانقطاع إليه والتلذذ بمناجاته، وقبل أن نتحدث عن الحالة العبادية والروحية لأمير المؤمنين (ع) لنتأمل في النفس الطيبة لأبي الدرداء والذي تخفى ليراقب الإمام ويرى ما يفعل، وما كان ذلك من منطلق سوء الظن والريبة كما يفعل البعض ممن يتدخل في خصوصيات الآخرين بفضولية، وإنما كان على يقين بأن الإمام (ع) سيصدر منه شيء من عطائه الروحي والأخلاقي وأحب أن يقف عليه، وهذا يعطينا درسًا مهمًا في عدم إساءة الظن بالآخرين فيما يقولون أو يفعلون فهذا من شيم الأخلاق، وإلا فإن الظن السيء سيأخذ بنا نحو سواد القلوب وتفتيت العلاقات مع الآخرين وفقدان الثقة المتبادلة.
وقد سمع أبو الدرداء أمير المؤمنين (ع) يناجي ربه وعيناه تنهمر بالدموع خوفًا من المعاد ومجازاة أعدل العادلين، وأمير المؤمنين ليس ممن يخاف عليه العاقبة والحساب يوم القيامة كيف وهو من شغل عمره الشريف بطاعة الله تعالى والتحرز عن مواضع سخطه، وإنما هو درس لنا في تهذيب النفس وتربيتها على الإقرار بالتقصير والخطايا وتعويدها على المحاسبة والندم على ما اقترفت، فبين يدي رب الأرباب وفي محراب الصلاة والمناجاة يقف العبد الظمآن ليروي شوقه من محبوبه ويرمي همه خلف ظهره متوكلًا عليه بعد أن أخذ بالأسباب المادية، وكانت تلك المناجاة بعيدًا عن أعين الناس وعن ثنائهم على فعله، ففي جنح الليل كانت مناجاته (ع) ليكون درسًا في إخلاص العمل لوجه الله تعالى وعدم طلب ثناء الناس ومدحهم.
والمناجاة والصلاة علاج روحي يقدمه الإمام (ع) لنا ليبث بين جوانحنا الطمأنينة والهدوء واليقين بتصريف الباري لمجاري الأمور وتدبيرها، وفي ذلك رد على من نظر للواجبات العبادية كطقوس لا فائدة منها بل هي -كما يزعم- مضيعة للوقت ولا تقدم للإنسان أي نتيجة في عالم تنمية القدرات والمهارات، إذ تناسوا أن الإنسان مكون من روح وجسد وله حاجات روحية كما هي الجسدية من مأكل ومشرب ومسكن وغيرها، فمن يقول أن الإنسان يستطيع أن يعيش حياة الاضطراب النفسي والقلق والهواجس الناشئة من المستقبل المجهول، وإنما يحيا حياة سعيدة في إطار الهدوء النفسي والطمأنينة والثقة بتدبير القوة الإلهية على مجاري الأمور، والعبادات في إطار مقاصدها وأهدافها في صناعة شخصية الإنسان تبث بين جوانحه الأنس بالله تعالى واليقين بتدبيره.
ومن مقامات القرب الإلهي التي رآها أبو الدرداء من أمير المؤمنين (ع) بعد مناجاته وكثرة بكائه هي الصعق، أي الغشية التي تصيب الإنسان بسبب استماعه لصوت ارتعد منه، فكان أمير المؤمنين وهو يدعو الله تعالى قد استحضر العظمة الإلهية (الشهودية) وكأنه يصك أذنيه صوت جهنم، وهذه الخشية من الله تعالى هي مقام الكمال الإنساني حيث تكون الرقابة الإلهية حاضرة مع المرء في كل تصرفاته وهمسه، ولهذا فسرت السيدة الزهراء (ع) لأبي الدرداء حالة أمير المؤمنين وقد سقط بلا حراك فظنه ميتًا، بأنها الرعدة التي تصيبه (ع) بسبب تفاعله الوجداني مع المناجاة وذكر الله تعالى، وهذا حق من عرف سيده ومعبوده حق المعرفة فلا يذهل أبدًا عن جمال محضره، فأي عيب أكبر من انشغال العبد بزخارف الدنيا في صلاته ودعائه فلا يلتفت لمضامين العبادة الواعية؟!



